قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

على موقع جماعته في الشبكة الدولية للمعلومات، يصرّح زعيم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" أبو مصعب الزرقاوي بمواقف يمجّها الحسّ السياسي السليم ويأباها ضمير كل عربي او عراقي حريص على الوحدة الوطنية في العراق وعلى تجنيب اجتماعه الاهلي والسياسي امتحان الانقسام الداخلي لاسباب طائفية او مذهبية. المواقف إياها أتت في سياق الحض على مقاطعة الانتخابات العراقية. وليت الرفض كان سياسياً، لقيل حينها إنه موقف مشروع (حتى بصرف النظر عمّا اذا كان لأبي مصعب بعض حقّ في البوح به وهو الاردني جنسية) أسوة بالموقف الذي أعلنه "المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي"، و"هيئة علماء المسلمين"، وفصائل المقاومة الوطنية للاحتلال، و"الحزب الاسلامي"، وعشرات القوى السياسية الوطنية والقومية في العراق ممن رفض أكثرها مبدأ الانتخابات في ظل الاحتلال وطالب بعضها بتأجيلها لأشهر. لكن موقف أبي مصعب وتنظيمه من الانتخابات كان مختلفاً تماماً في الأسس والمنطلقات التي قام عليها...
اذ ما كان رفض الزرقاوي للانتخابات سياسياً، أو قل ما كان قائماً على مقدمات سياسية من قبيل القول إن الاقتراع الديموقراطي غير ممكن مع وجود احتلال أجنبي على نحو ما تقول بذلك قوى وطنية عديدة، او من قبيل القول إن الاولوية في هذه المرحلة للمسألة الوطنية (دحر الاحتلال وانتزاع السيادة والاستقلال)... الخ؛ وإنما أتى يمثل رفضاً "فكرياً" وطائفياً! فالرجل يرفض الانتخابات لاسباب لا علاقة لها بأنها تجري في ظل الاحتلال الاجنبي، او تجري بإشراف قوات الاحتلال ذاك والحكومة المؤقتة المرتبطة به، ولا لأنها فُرضت على قسم كبير من العراقيين دون فتح حوار وطني حولها والتوافق فيه على رؤية مشتركة لمستقبل العراق...، وإنما هو يرفضها لسببين رئيسين مختلفين، لأن الديموقراطية "كُفر"، ولأن الانتخابات ستُفضي الى سيطرة الشيعة على مقاليد الحكم في العراق!
للزرقاوي كما لغيره أن يحسب الديموقراطية "كفراً" لأن مبدأ حرية الرأي يقتضي "بكل أسف"، احترام أي رأي ولو كان تافهاً وعديم الحجيّة. لكن ليس له ولا لغيره أن يخوض حرباً سياسية تحت هذا العنوان لأنها تقع في عداد الحرب "الفكرية" التي تروم إحراز نصر حاسم لمبدأ "نظري" على حساب آخر لا يمكن الفصل بينهما بالقوة المادية العمياء. ثم إنه ليس له ولا لغيره أن يُعرّض كيان العراق للتمزيق من خلال اقامة السياسة على مفردات الفتنة الطائفية والتحريض عليها من باب استنفار من يشاركونه العصبية المذهبية من الفريق السياسي الآخر.
ليس يعنينا رأيه في الديموقراطية، ورجمها بالكفر، فمستوى إدراكه السياسي المنغلق والمحدود لا يسمح له باستيعاء معنى الديموقراطية ولا تقدير قيمة الثمار الناجمة عنها، يهمنا في المقام الاول أن ننبّه الى خطورة ما ينضح به خطابه من تحريض على الفتنة الطائفية والمذهبية حين يُشنّع على شيعة العراق ويؤبْلسهم مختصراً مشكلة الانتخابات في أنها ستضع الحكم في أيديهم! بل مزوّراً المسألة إياها من معارضة سياسية مشروعة لانتخابات تجري في ظل الاحتلال وبإشرافه، ولغاية مفضوحة هي استيلاد "برلمان" و"حكومة" متعاونين معه، الى معارضة مذهبية تحرّكها هواجس عصبوية منغلقة ومتخلفة تخطّاها تاريخ العراق منذ ثلاثة عشر قرناً!
يقدّم الزرقاوي، من حيث لا يدري او يشاء، هدية ثمينة للسياسة الاميركية في العراق: المشاركة في صناعة الانقسام الاهلي الداخلي وإعمال معاول الهدم في بنيان بقايا الوحدة الوطنية: التي دمّرت الغزوة الكولونيالية الاميركية شطرها الاكبر منذ ربيع العام 2003 تاركة لغيرها من العراقيين تدمير ما بقي منها على قيد الحياة أو ما يُفترض أنه كذلك (أي حيّاً). وبمساهمته تلك، تكون اميركا قد ضمنت لروايتها عن العراق كبلد الملل والنحل والاعراق والطوائف والمذاهب والقبائل والعشائر والبطون والافخاد بعض شرعية امتنعت عليها وعزّت لولا أخطاء العراقيين المنهمرة: المتعاونين منهم معها والممانعين!
لسنا بصدد المقارنة بين أخطاء المنساقين وراء المشروع الكولونيالي الاميركي من العراقيين وأخطاء المنتدبين أنفسهم مناهضين له، فالمسافة سواء في حساب السياسة بين من اقترفوا الخطيئة الاصل ووضعوا رهاناتهم في طبق المحتل ومَن أتوا رديفها تحت عنوان مواجهة ذلك المحتل، لأن الجامع بينهما على اختلاف وتباعد هو الانسياق وراء الفكرة الذاهبة الى حسبان مستقبل العراق أمراً يتقرّر بمدى قدرة هذه الفئة من العراقيين او تلك على حسم التناقض الداخلي لمصلحتها. وليت الامر كان كذلك بمفردات السياسة، لقيل حينها إنه تناقض وصراع - طبيعي بين المتعاونين مع الاحتلال، من كل الملل والنّحل، المناهضين له والمقاومين إياه؛ وإنما هو بكل أسف خلاف ذلك تماماً: حيث يتمترس كل فريق وراء نفسه وشعاراته ومعتقداته راجماً غيره بأقذع التهم (العمالة "المذهبية" للاجنبي، الولاء "المذهبي" لنظام الرئيس صدام حسين...).
وفي لجّة هذا الخطاب المذهبي البغيض، ينسى كل فريق من الفريقين أن يلتفت الى "داخله المذهبي" فيرى فيه ما ليس يراه او ما لا يرغب في أن يراه: ينسى المتصدرون للنطق باسم المقاومة بأن في "داخلهم السنّي" قوى وشخصيات متعاونة مع الاحتلال ومشاركة في مؤسساته. وينسى المتفاهمون مع الاحتلال بأن في "داخلهم الشيعي" قوى مقاتلة ومقاومة للمحتل.
كما الطريق الى جهنم مفروشة بالنيات الحسنة، فالطريق الى تكريس الاحتلال مفروشة بالنيات المقاومة. وسواء كان الزرقاوي حقيقة سياسية أم اختراعاً اميركياً، فإن تأسيس السياسة على ما يُعتقد أنه من وجوه أفعاله ليس له أن ينتهي بها الاّ الى التدفّق في المصبّ السياسي الاميركي!