قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في عهد صدام حسين لم تكن الانتخابات تعني احداً حتى العراقيين انفسهم. كانت صناديق الاقتراع مجرد فرصة لتجديد الولاء للقائد المنهمك بمخاطبة التاريخ وللحزب المنهمك بخدمة القائد. لم تكن الـ«لا» واردة في القاموس. كان الاقتراب منها قاتلاً للفرد وابناء عمومته ولشجرة العائلة. ولم تكن ثمة حاجة للتوجه الى صناديق الاقتراع. اجهزة الاستخبارات كفيلة بالاقتراع عن الغائبين. الموتى ايضاً كانوا يُبايعون القائد من تحت التراب. لم تكن الانتخابات مهمة او مثيرة. كانت أشبه بتأدية التحية للنتيجة المعروفة سلفاً والتي تقترب من المئة في المئة الى حدود التطابق.
اليوم تبدو الصورة مختلفة على رغم الأشلاء المتطايرة على طريق الانتخابات وقرب مراكز الاقتراع. لا مبالغة في القول انه يوم حاسم بالنسبة الى العراق والعراقيين معاً. لن يُفاجئ تدني نسبة المشاركين احداً. هناك المقاطعة السنية وهناك الرعب الجوّال. وعلى رغم ذلك سيشكّل هذا النهار علامة فارقة على رغم كل الملاحظات التي يمكن إيرادها حول انتخابات في بلد محتل وفي غياب الامن وتعذّر ضمان اجرائها على كل شبر من ارض العراق.
لنترك الشق العراقي جانباً. انتخابات اليوم تبدو اوسع من حدود العراق. عدد المعنيين والمراقبين والقلقين من غير العراقيين كبير واستثنائي. ثمة من يتابعها كأنه معني بالاقتراع فيها لانه معني بنتائجها. يمكن الحديث هنا عن ثلاثة اطراف: جورج بوش وأبو مصعب الزرقاوي وأهل المنطقة.
انتخابات اليوم شديدة الاهمية بالنسبة الى البيت الابيض. على رغم دوره في صنع المأساة العراقية الحالية سيمكنه الادعاء انه وفّر للعراقيين ما حُرموا منه على مدار عقود وهو حق المشاركة في رسم مستقبل بلادهم، وبغض النظر عن الموقف من الحرب الاميركية في العراق يبدو الكلام صحيحاً. فلولا اقتلاع نظام صدام حسين لما كان باستطاعة العراقيين من الاسلاميين وصولاً الى الشيوعيين تشكيل لوائح وخوض انتخابات وإبرام تحالفات. ثم ان الانتخابات توفّر لبوش فرصة إلقاء المسؤولية على العراقيين انفسهم. تعطيه فرصة للبحث في تخفيف الدور الميداني للقوات الاميركية وبدء التفكير في تقليص هذا الوجود او تنظيمه بصورة مختلفة.
واليوم حاسم بالنسبة الى المقاومات العراقية والزرقاوي. حصول الانتخابات يعني ان غالبية العراقيين تراهن على اختصار أمد الاحتلال بوسائل غير السيارات الانتحارية والعبوات الناسفة واحتجاز الرهائن ونحر الغربيين. بعد اليوم سيتحتم على الزرقاوي الاصطدام بهيئات عراقية منتخبة ما يعطي الصراع طابعاً آخر. وبعد اليوم سيتحتم على العراقيين من العرب السنّة التفكير في جدوى المقاطعة وثمن الاقامة خارج التركيبة الجديدة وطريقة التعامل معها والثمن.
واليوم شديد الاهمية بالنسبة الى اهل المنطقة. قيام عراق جديد يشكّل الشيعة العمود الفقري لقراره السياسي ومؤسساته الامنية حدث غير بسيط. السؤال سيتركز على حجم قوى الاعتدال وحجم التأثير الايراني وكيف سيدير المنتصرون انتصارهم. السيناريو الأسوأ هو ان تكون الانتخابات مجرد محطة على طريق الحرب الاهلية. وهنا سيكون همّ دول الجوار منع النار العراقية من عبور الحدود الدولية واحتواء خطر اجتذاب النزاع المذهبي هناك انصاراً من خارج الحدود.
انها انتخابات اوسع من حدود العراق. فهي تطرح مسائل كثيرة اولاها قدرة العراقيين على تنظيم رقصة التعايش في عراق موحد. وتطرح ايضاً موضوع التوترات المذهبية والعرقية. كما انها تطرح مستقبل الاحتلال الاميركي للعراق ومستقبل العلاقات العراقية ـ الايرانية ومستقبل كركوك وكردستان العراق والمخاوف التركية. لهذا قد يكون عدد غير العراقيين المعنيين بصناديق الاقتراع اليوم اكبر من عدد العراقيين الذاهبين اليها.