قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

احتفت الصحافة الغربية الأسبوع الماضي بحدثين أساسييّن، وهما الذكرى الستين لتحرير مخيم أشفيتز، حيث عبّر الكثيرون عن قلقهم من تصاعد جديد لمعاداة السامية في أوربا، والإجراءات الواجب اتخاذها لمنع حدوث ذلك. وخطاب الرئيس جورج دبليو بوش لولايته الثانية، والذي ظهر به وكأنه يعلن حرباً عالمية رابعة من أجل الانتخابات، والتي بدت وكأنها الاختزال الوحيد للديمقراطية، ومن أجل الحرية من الديكتاتورية والطغيان. ولكلّ أن يفسّر هذا وفق رؤيته. وفي كلا الحدثين شعرت أن المهم هو التركيز على الدروس المستقاة والاستفادة منها لصالح البشرية جمعاء، بدلاً من تقسيم العالم إلى عالم حرّ وآخر مستعبد، أو إلى ضحية ومتهم. والمهم أيضاً هو إعادة الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية والتي تضمن معاملة البشر بالمعايير ذاتها، والتركيز على قدسية الروح البشرية أياً كان لونها أو دينها أو عرقها أو موقعها الجغرافي. وأول الدروس المستقاة من أشفيتز، والتي أكد عليها معظم المتحدثين بمن فيهم قادة دول، هو «عدم عودة هذا الأمر أبداً ثانية»، وعدم السماح لشياطين التمييز أن ترفع رأسها مرة أخرى. وهذا من دون شك قرار في غاية الأهمية، خاصة في وقت أصبح الخوف من التمييز يشكّل هاجساً حقيقياً لدى مجموعات بشرية عديدة، كانت تعيش حتى يوم قريب، كجزء لا يتجزأ من مجتمعاتها وكعناصر فاعلة ومهمة في تلك المجتمعات.
إن القسم بألا يسمح لأشفيتز أن تحدث ثانية، يجب أن يشكل وازعاً لكلّ من يتحمل مواقف عنصرية أو مواقف كره لأي مجموعة من البشر، أن يتوقف عن تحمل ذلك، لأن البدايات الخطأ تقود إلى نتائج كارثية، وقد تطالُ مجموعات أكبر من التي كانت مستهدفة أصلاً. وأنا أقرأ كلّ ما كتب، شعرت بالحاجة الملحة للتأكيد على نقطتين اثنتين: الأولى هي التمييز الأكيد بين مظاهر معاداة السامية وبين انتقادات مضيّ إسرائيل قدماً ببناء جدار الفصل العنصري، وابتلاع أجزاء مهمة من أراضي الفلسطينيين في الضفة والقطاع، والعمل الحثيث على تهويد مدينة القدس وطرد الفلسطينيين منازلهم، واستبدالهم بمستوطنين كجزء من سياسة عنصرية ضدّ العرب في فلسطين، تعمد إلى قتلهم وتهجيرهم وسلبهم أرضهم وديارهم. والنقطة الثانية، هي الانتباه إلى الموقف التمييزي ضد أي عرق أو لون أو عقيدة. وهنا لا بدّ من الإشارة مطولاً إلى مظاهر العداء للعرب والمسلمين، والتي أخذت تتعاظم وتتنوع بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، إلى حدّ أن السحنة المتوسطية أصبحت تهمة وسماع ترتيل القرآن أصبح مثيراً للريبة، والبسملة أو الشهادة قبل أي منعطف قد تعرّض صاحبها للاعتقال بتهمة الإرهاب. والأمثلة هنا أكثر من أن تحصى، وهي تتراوح بين اعتقالات عشوائية لمجردّ الشبهة لعرب ومسلمين، إلى تأليف كتب عنصرية وإخراج أفلام عنصرية ومنع المسلمين من ممارسة طقوسهم، والهجوم على جوامعهم وقلع عين أحدهم، لمجرّد سماعه يتكلم اللغة العربية في أحد شوارع لندن، وإلغاء تأشيرة دخول المفكّر طارق رمضان إلى الولايات المتحدة، وهو الباحث والمؤلف في حوار وتناغم الأديان، إلى إغلاق قناة فضائية وتسميتها بأنها مؤسسة إرهابية، الأمر الذي لم تعرف له البشرية سابقة على الإطلاق.
فقد كشف تقرير لمنظمة اتحاد هلسنكي الدولي لحقوق الإنسان التي تتخذ من فيينا مقراً لها، أن الأعمال العدائية ضد المسلمين في دول الاتحاد الأوربي تتجاوز المشاعر المعادية لهم، وإن هذه الأعمال تتراوح بين الإهمال وتوجيه عبارات الازدراء، وبين تخريب ممتلكاتهم والاعتداء عليهم جسدياً. وأوضح التقرير ما يتعرض له المسلمون من كل من بريطانيا وألمانيا من حملات تفتيش واعتقال بطريقة تنتهك حقوق هؤلاء الأشخاص، الذين ليس لهم علاقة بالإرهاب بينما يقوم السياسيون في الدانمارك وايطاليا بوصف المسلمين علناً بأنهم يشكلون خطراً أمنياً عليهم، كما قام أشخاص في فرنسا بتدنيس أكثر من خمسين قبرأ إسلاميا، ورسموا عبارات نازية وغيرها من عبارات التهديد على جدران المقبرة في مدينة ستراسبورغ ضد مجلس إسلامي محليّ. كما قام البعض بإلقاء قنبلة حارقة على أطفال يلعبون بساحة مركز إسلامي في أميركا، وتمّ منع المسلمين في أثينا من بناء جامع يؤدون طقوس العبادة به، بينما أصبح منع الفلسطينيين من الصلاة في جامع الحرم الإبراهيمي الشريف ممارسة عادية لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، قد تنتهي أحياناً بقتل من يتوجهون لأداء فريضة الصلاة. ومجرّد إعلان إسرائيل أنها قلقة من ازدياد عدد المسلمين في أوربا، يشكل موقفاً عنصرياً تجاه المسلمين الذين هم مواطنون أوربيون، ويجب ألا تتم الإشارة إليهم بأنهم مسلمون، كما لا تتم الإشارة لبقية الأوربيين على أنهم مسيحيون أو يهود. كما أظهر استطلاع للرأي أجري لصالح «مجلس العلاقات الأمير كية ـ الإسلامية»، أن لدى أكثر من ربع الأميركيين رأيا مشوها وغالباً سلبيا تجاه المسلمين، وأن 29% من الأميركيين يعتقدون أن «المسلمين يعلّمون أطفالهم الحقد تجاه غير المؤمنين»، وأن «المسلمين لا يعطون الحياة أهمية كالتي تعطيها إياها الشعوب الأخرى»، وإذا لم تكن هذه بدايات واضحة لعنصرية متزايدة تجاه العرب والمسلمين، فلا أعلم ما الذي يمكن تسميته بالعنصرية. وقد وصل هذا الموقف درجة منع المغني البريطاني كات ستيفن، والذي أصبح اسمه يوسف إسلام، من دخول الولايات المتحدة وتمّ اعتباره «إرهابياً محتملاً» وهو مغنٍ، تماماً كما تم منع فرقة موسيقية سورية من دخول الولايات المتحدة، نتيجة الشبهة أنها يمكن أن تكون قد استخدمت الموسيقا لتنفيذ أعمال إرهابية في الولايات المتحدة. وفي الإطار ذاته منعت ألمانيا عقد مؤتمر لمسلمين ومسيحيين على أراضيها هدفه نبذ العنف والاحتلال والكراهية والتمييز، وكان السبب في منعه أنه يمكن أن ينتقد ممارسات إسرائيل العنصرية ضد العرب الفلسطينيين. وتترك هذه الموجة من الكراهية الباب مشرعاً لأمثال المرأة الفرنسية، التي ادعت كذباً أن عرباً اعتدوا عليها، ظناً منهم أنها يهودية، وللاشتباه بشرق أوسطيين يستطلعون رحلات أميركية تمهيداً لتنفيذ هجمات، ويكتشفون بعد ذلك أن الاشتباه لا أساس له تماماً، مثل اتهام عرب بالاعتداء على مركز يهودي في باريس وكندا، والاكتشاف بعد ذلك أن العرب لا علاقة لهم بذلك. وقد وصل هذا حدّ تأليف الكتب وإخراج الأفلام ضد العرب والمسلمين، مثل كتاب مايكل مالكن، الذي يدعو فيه علانية للتمييز ضد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة، ويدعو إلى وضعهم في معتقلات، كما تم وضع اليابانيين بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أظهرت الدراسات أن الجرائم الموجهة ضد المسلمين قد تضاعفت سبع عشرة مرة في الولايات المتحدة منذ أحداث الحادي عشر من أيلول، وأنه تم احتجاز 1200 شخص واستجواب خمسة آلاف شخص معظمهم من الشرق الأوسط وجنوبي آسيا بتهمة الإرهاب. وفي الوقت الذي يظهر اسم المشكوك فيهم في الصفحات الأولى، فإن براءتهم قد لا تظهر أو تظهر في عمود صغير في زاوية مهملة.
إن أهم دروس الحرب العالمية الثانية وما تلاها، من قتل ملايين البشر من جنسيات وأديان متعددة، يجب أن يدفع الإنسانية اليوم إلى دق ناقوس الخطر من مظاهر التمييز التي بدأت تترسخ كسلوكيات عادية في الغرب ضد العرب والمسلمين، وان الحرية والديمقراطية التي وعد الرئيس بوش بتحقيقهما في العالم يجب أن يبدآ من الكرامة الإنسانية المتساوية للبشر جميعاً، واتخاذ موقف أخلاقي ضدّ قتل النفس البشرية، أياً كان لونها أو دينها أو عرقها، وعدم الاستهانة بآلام البعض، والتركيز فقط على آلام البعض الآخر. حينذاك فقط يمكن أن يكون البشر قد تعلموا الدروس المفيدة من المآسي الماضية، لوضع أسس سليمة لمستقبل أكثر عدالة ومساواة وازدهاراً.