قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لم يكن صدفة أن يكون الرئيس الامريكي جورج بوش اول زعيم عالمي يشيد بالانتخابات العراقية، ويصفها بأنها نجاح باهر ، يؤكد علي رفض ايديولوجية الارهاب المعادية للديمقراطية ، ثم يتبعه بدقائق تابعه الأوثق توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، مرددا العبارات نفسها.
وهذه الاشادة تأتي من رجل أصر علي اجراء هذه الانتخابات في موعدها، ورفض كل دعوات التأجيل، التي صدرت من عدة احزاب وشخصيات عراقية، بما فيها حزب رئيس الوزراء اياد علاوي، لانه يريد ان يستمر في عمليات الكذب والتزوير وخداع الرأي العام الامريكي، من خلال استخدام هذه الانتخابات للايحاء بأن المهمة انجزت وان العراق اصبح واحة للديمقراطية، الامر الذي يبرر استشهاد مئة الف عراقي، ومقتل ألفي امريكي وانفاق اكثر من مئتي مليار دولار.
الشعب العراقي يريد الديمقراطية، مثله مثل كل الشعوب العربية الاخري المقهورة من قبل حكامها الدكتاتوريين، وذهاب نسبة كبيرة منه الي صناديق الاقتراع في انحاء متفرقة من البلاد هو احد الادلة البارزة في هذا الخصوص، ولكن هذا لا يعني ان هذه الانتخابات حقيقية، وان نتائجها ستخرج البلاد من ازماتها المتفاقمة، وتؤسس لنقلة ديمقراطية نوعية في تاريخ البلاد.
فأي ديمقراطية هذه التي يشيد بها الرئيس الامريكي جورج بوش والناخبون فيها لا يعرفون اسماء المرشحين، ولم يستمعوا الي برامجهم الانتخابية؟ ثم اي ديمقراطية هذه التي يراقبها المراقبون الدوليون من العاصمة الاردنية عمان، أي علي بعد ألفي كيلومتر علي الاقل عن بغداد؟
لقد بدأت عمليات التزوير هذه باعلان مسؤول في اللجنة العليا للانتخابات عن ان نسبة المشاركة فيها زادت عن خمسة وسبعين في المئة، وقبل ساعات من اغلاق مراكز الاقتراع، وهي كذبة كبيرة جدا، تثير الشكوك حول مصداقية هذه اللجنة والعملية الانتخابية برمتها! فالمشاركة في الانتخابات السويدية لا تصل الي هذه النسبة، ثم كيف عرفت اللجنة، وبهذه الدقة نسبة المشاركة هذه، وهي انتخابات يدوية ، في بلد ينقصه الامن، وتنقطع فيه الكهرباء، ولم يدخل الكمبيوتر بالشكل المثالي في ادارة عملياته، وفوق كل هذا وذاك هذه هي اول انتخابات من نوعها منذ نصف قرن علي الاقل؟
مثل هذه التصريحات المضللة، المعدة سلفا في غرف التضليل في البنتاغون ليست غريبة ولا هي مفاجئة، فلجنة الانتخابات العليا هذه لم تفتح الا خمسة مراكز اقتراع امام الصحافيين الاجانب، اختارتها بعناية فائقة، حتي تظهر حجم الاقبال الكبير من قبل المواطنين العراقيين، لاعطاء ايحاء كاذب للرأي العام العالمي بنجاح العملية الديمقراطية.
الرئيس جورج بوش قال الاربعاء الماضي ان راية الحرية جري زرعها بقوة في العراق، ولا نعرف اين هي هذه الحرية التي يتحدث عنها في ظل وجود مئة وخمسين الفا من قواته، وانعدام الامن، وتفكيك الدولة العراقية، وعدم اجتماع مجلس الوزراء العراقي مرة واحدة، واقتصار حركة اعضائه علي المنطقة الخضراء، التي لا تزيد مساحتها عن بضعة اميال مربعة.
بعد عشرين شهرا من الاحتلال و التحرير ما زالت معظم الاراضي العراقية خارجة عن سيطرة الحكومة، وقوات الاحتلال معا، وما زال المواطن العراقي لا يجد الماء، وهو الذي يجري في ارضه نهران، ولا الكهرباء التي تعتبر بلاده من ابرز الدول المصدرة للنفط اللازم لتوليدها!
أولويات المواطن العراقي في زمن الاحتلال انقلبت رأسا علي عقب، فهو فعلا كان يتحرق شوقا الي الديمقراطية وحقوق الانسان قبل وصول قوات التحرير الامريكية، ولكنه الان بات يبحث عن لقمة العيش، والطبابة لاطفاله، والأمان لاسرته، ووحدته الوطنية المهددة، وهويته العربية، التي بدأت تتآكل يوما بعد يوم.
الرئيس بوش تباهي بالقضاء علي عش الارهاب في الفلوجة، وافتخر قائد قواته في العراق باستعادتها وترويضها، وها هي الفلوجة تقاوم حتي يوم الانتخابات، وها هي الهجمات لم تتوقف حتي في بغداد نفسها، وها هي السفارة الامريكية التي تعتبر الاكثر تحصينا في العالم تقصف عشية الانتخابات وتفقد اثنين من موظفيها.
التدخل الامريكي العسكري في العراق، ربما يكون اطاح بالنظام العراقي السابق، ولكنه دفع دولا مثل كوريا الشمالية وايران الي اللجوء الي الخيار النووي للدفاع عن النفس، خشية مواجهة المصير نفسه، وجعل خيارها هذا مبررا امام مواطنيها الذين شاهدوا ويشاهدون ما يجري في العراق من دمار واستكبار.
الانتخابات الامريكية في العراق تبعث اسوأ رسالة الي الشعوب العربية، لانها ديمقراطية جاءت بقهر من الاحتلال، وعلي جثث مئة الف عراقي، واذكت التقسيمات المذهبية والعرقية.
الديمقراطية هي مشاركة الجميع في تقرير شكل حكومتهم ونظامهم السياسي، ولكن الديمقراطية العراقية المصممة امريكيا استعدت طائفة في العراق، ووضعتها في الخندق الآخر، وحكمت عليها بالموت سياسيا، وهي ديمقراطية منقوصة بل مسمومة.
ولتقريب الصورة اكثر نقول تخيلوا انتخابات امريكية لا تشارك فيها ولايات مثل نيويورك وميامي وكاليفورنيا، هل هذه انتخابات شرعية؟
الانتخابات جرت في العراق، وستتمخض عن مجلس وطني، وحكومة جديدة بقيادة الدكتور علاوي، فماذا تغير؟ لا شيء علي الاطلاق.
فهل نذّكر بالزفة الاعلامية التي رافقت تأسيس مجلس الحكم، ثم بعد ذلك الاحتفالات بنقل السلطة في اوائل تموز (يوليو) الماضي، كأمثلة علي عمليات التزوير والتخبط؟
العراق الديمقراطي هو العراق المحرر بالارادة الوطنية، وليس من خلال مسرحية انتخابية ملفقة لا تقنع الا من يريد ان يقتنع بأنها ليست كذلك.