الحلقة الثالثة: الذين يتحدثون عن سيّر الثورات، عادة ما يحكون عنها من خارجها,,, وأمامنا العديد من الثورات العظيمة التي لم يتمكن قادتها من الكتابة عنها، لكون الكتابة في حينها عن الثورة تعني أساسا الاجابة عن الأسئلة التي تحتاج اليها الثورة، أما عندما تنتهي الثورة، فان حال الكتابة عنها ينتقل من أيدي صانعي الثورة الى يد المؤرخين لها، والفرق شاسع بين ثورة تتحدث عن نفسها، وأخرى يحكى عنها, وقد فطن لينين الى هذه المفارقة حين كتب، ان «الثورة سوداء، والواقع رمادي اللون»,,, وهو بذلك يختزل وضعية الانتقال القسري من أفكار الثورة الى واقع الثورة، علماً أن كل الثورات التي عرفها العصر الحديث انطلقت على هذا النحو، وتطورت الى أنظمة تتعايش مع أوضاع جديدة فرضت عليها، وتواجه بشكل يومي قياس أجوبتها عن أسئلة الداخل والخارج بموازين القوى والاكراهات الكبرى، اضافة الى الضغوطات والتحرشات الخارجية,,, وبمعنى آخر فان كل الثورات تبدأ جميلة ومنتشية، لكن تتحول مع مرور الزمن الى أنظمة سياسية باردة وجافة، وتحديداً الى أنظمة براغماتية، تجيب عن أسئلتها في حدود الأهداف والمصالح,,, حتى أن المعاينة العادية لتاريخ الثورات، تظهر البدايات وما آل اليه حال الثورات كردات رجعية وتخلياً عن روح وثوابت الثورة، أو تملصاً وانقلاباً عليها، والحال أن الأمر ليس دائما كذلك، فالثورات تأكل نفسها، على هذا النحو أو بغيره، أي أنها تنتقل من ميتافيزيقا الثورة الى واقعية التأسيس والتراكم وممارسة صراع الاستمرار_ وليس خفياً أن كل الثورات الحديثة التي صنعت نفسها بقوة الشعوب أو على ظهور الدبابات تحولت الى نماذج سياسية مبتعدة أو مناقضة لأفكارها ومنطلقاتها، بل ان ما تبقى من الثورات التي عرفها القرن الماضي كالثورة الصينية والايرانية تمثلان فرادة عجيبة لقدرتهما على ملاءمة ثوابت ثورتهما مع تطورات العصر، لدرجة تكاد تكون فيها الصين البلد الوحيد الذي ينظم نفسه بمؤسسات شيوعية بخلفية اقتصادية رأسمالية واضحة، وتكاد تكون ايران البلد الاسلامي الوحيد الذي يدير شأنه السياسي بمؤسسات على قدر كبير من الاختلاف مع السائد من الأنظمة في العالم العربي والاسلامي, ولهذا السبب ظلت صعبة على الامساك والتحكم فيها من قبل الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية، أو عصية على الدخول في الطابور، كما أريد لها منذ أزيد من ربع قرن, وان كانت الأسئلة حول قدر هذه الثورة ومصيرها لم تكتمل بعد! ولكن ثمة تراكما قد حققته لجعلها نموذجا يستحق الاهتمام والمتابعة.
والواقع أن ايران الثورة، كانت دائماً موضوع اهتمام الدارسين منذ انطلاقتها، وقد كتب عنها الكثير,,, وكذا عن قادتها ومفكريها، لكن الحديث عن الثورة الاسلامية الايرانية بأقلام قادتها يبقى استثناء نادرا وغير مكرور في العديد من الثورات، فالثورات يكتب عنها الآخرون، وليس قادتها، وقد فطن الرئيس الايراني السابق هاشمي رفسنجاني الى هذه القاعدة، فكان متهيباً للكتابة عن تاريخ الثورة الايرانية التي مازالت في طور النشوء والاستمرار، اضافة الى أن الكتابة عن ثورة من طرف أحد صانعيها، هي كتابة عن وجهة نظر خاصة من الثورة، وتحديدا عن مفصل من فصولها الكثيرة والمتباينة، لذلك فقد كتب الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، عن دوره في الثورة، وهو مفصل طبيعي ومشروع لشخصية فاعلية، ساهمت في انجاح الثورة الايرانية، فكتب عن الأسباب التي أدت الى اندلاعها، أي عن أوضاع عاشها الشعب الايراني وتقاسم ضراوة مرارتها كما كتب عن نشأته، وبداياته وانخراطه في النضال السياسي، الى حين تقلده منصب رئيس الجمهورية, كون الكتابة عن أدوار شخصية في تحولات مجتمع وأمة لا تكتمل الا بالاحاطة بالمنطلقات والنوازع والغايات، لذلك فان مذكرات الرئيس هاشمي رفسنجاني قد ضمنت تفاصيل مهمة من تاريخ الثورة الايرانية___ وانْ كانت لا تؤرخ للثورة الا في جوانب جزئية منها، فجاءت أكثر من سيرة ذاتية، ووثيقة تاريخية مهمة، لكنها أقل من تأريخ لثورة، صنفت من بين أهم الثورات التي عرفها القرن العشرون، وشكلت منذ عام 1979 منعطفاً تاريخياً واستراتيجياً شغل العالم كله، ودفع الغرب الى التحرك لاحتواء امتداداتها، والهائها بحرب طويلة، وحصارها اقتصادياً وتجارياً,,, ومواصلة الضغط عليها بالوسائل نفسها الى الآن.
وقد حاول هاشمي رفسنجاني في سيرته الذاتية الحديث عن حلقات الضغط التي تعرضت لها الثورة الايرانية، لكن قبل ذلك تحدث عن سيرة رجل عاش تقلبات بلده، منذ أن فتح عينيه وسط أسرة كبيرة ومشهورة في رفسنجان في مقاطعة كرمان، وسنوات تعليمه الأولى، الى حين انتقاله الى مدينة قم، وتتلمذه على يد قائد الثورة آية الله الخميني، وتخرجه بدرجة «حجة الاسلام» في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، واختياره بعد ذلك معارضة نظام محمد رضا شاه بهلوي، حيث وجد نفسه منذ البداية في الصفوف الأولى لحركات الاحتجاج، ثم تقلده منصب منسق القوى السياسية الايرانية المؤيدة للخميني، وسجن بسبب نشاطه هذا ثلاث سنوات ما بين 1975 و1977، بعد سقوط نظام الشاه، اختير رفسنجاني عضواً في مجلس الثورة، ثم قياديا في الحزب الجمهوري الاسلامي، الذي أسس مباشرة بعد تقلد الخميني نظام الحكم في ايران، الا أن رفسنجاني ذاعت شهرته، وعرف على نطاق واسع كرئيس للبرلمان الايراني في السنوات العشر الأولى من الثورة، وبعد ذلك أثناء رئاسته للقوات المسلحة الايرانية في السنوات ما بين 1988 و1989.
بعد رحيل الخميني في عام 1989، كان رفسنجاني قد راكم تجربة سياسية مكنته من الفوز بالانتخابات الرئاسية بنسبة 95 في المئة، ودشن فترة حكمه بانتهاج برنامج سياسي واقتصادي قائم على قدر كبير من الانفتاح والليبرالية، وهو ما مكنه من التغلب على العديد من الصعوبات والمشاكل الاقتصادية التي كانت تعاني منها ايران، فتميزت فترة حكمه بتشجيع المبادرة الحرة، ودعم قانون السوق الحرة، وانفتاح ايران على الاستثمارات الأجنبية، اضافة الى قدرته على ابقاء بلاده بعيدة من ضغوطات الحصار الأميركي، واعتماد الحياد في الحرب الأميركية على العراق، مقابل تجديد علاقة بلاده مع العديد من الدول الأوروبية, أما على المستوى الداخلي فقد قام بدور ملحوظ في دعم قوى الاصلاح والحداثة والانفتاح, فكانت فترة حكمه التي تمت على فترتين رئاسيتين، فترة عضدت من قوة ايران وشكلت بالنسبة للتيار الليبرالي جسراً للاستفادة من قوة النظام، وظهر ذلك جلياً في دعم هاشمي رفسنجاني عام 1997 لترشيح الاصلاحي خاتمي لرئاسة الجمهورية، وتدخله شخصياً لمنع عمليات تزوير محتملة للانتخابات، كان المحافظون يعدون لها، حيث تمكن خاتمي بسبب هذا الدعم من الفوز 70 في المئة من أصوات الناخبين، لكن الرجل وانْ كان بارعاً في استثمار التوازنات السياسية، فان انقلاب الاصلاحيين عليه، ومعارضتهم له لرئاسة البرلمان، دفع به الى الاحتماء بالمحافظين الذين أوصلوه الى رئاسة «مجمع تشخيص مصلحة النظام» ومهمته البت في القوانين العالقة بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، وهي هيئة يعتبرها الاصلاحيون معرقلة للاصلاح بحجة اعتراضها على القوانين الصادرة عن البرلمان الذي يشكل الاصلاحيون الأغلبية فيه.
لكن هاشمي رفسنجاني الذي يضع قلبه مع الاصلاحيين، ومصلحته مع المحافظين، يقدم نفسه حاليا بتصنيف سياسي جديد، يسمى تيار «المحافظون الجدد»، وهو تيار يحكم المعاملات السياسية، بقواعد براغماتية صرفة، تراهن على التجديد في الثورة وحركية ثوابتها، وذلك على خلفية أن جموح الاصلاح قد يقتل توابث الثورة، والمحافظة المتطرفة، قد تحنط الثورة وتنهيها,,, وتبقى الحاجة الى طريق ثالث، يأخذ من المحافظين والاصلاحيين ويتباين معهما.
لم يكن في حوزة قم صفوف معينة خاصة بكل مرحلة أو سطح من السطوح على حدة, كان الطالب بحسب رغبته وتدبره الشخصي يختار أستاذاً لكل درسٍ من الدروس، ولم يكن هناك أيضاً مكان ثابتٌ ومحددٌ لكل درسٍ في المسجد، في صحن الحرم، في أروقة الحرم، في المنزل، في الغرف، وفي أي مكان آخر يمكن أن يُلقى الدرس، الحضور كان أيضاً حرّاً، يمكن أن يحضر الدرسَ طالبٌ واحدٌ أو عشرة طلاب، ولم يكن أحدٌ يراقب الحضور.
في المباحثات أيضاً كان كل شيء حرّاً واختيارياً، وعلى هذا النحو، حضرتُ من «جامع المقدمات» وحتى «الكفاية» دروسَ عددٍ كبيرٍ من الأساتذة, من بينهم في الأدب: الشهيد سعيدي، الدكتور محسن جهانگيري، والسيد موسى الصدر، والسيد محمدي وصالحي نجف آبادي، وشب زنده دار.
وفي الفقه والأصول: منتظري، مشكيني، سلطاني، تبريزي، صدّوقي، اعتمادي، نوري، مجاهدي.
في دروس الخارج، استفدت من دروس الآيات العظام: البروجردي، والإمام الخميني، والداماد، وگلپايگاني، وشريعتمداري، وحايري يزدي، ونجفي مرعشي.
في الفلسفة والتفسير، استفدت من دروس العلامة الطباطبائي، وآية الله زاهدي، وآية الله منتظري, أما الفوائد الأساسية العلمية والأخلاقية والفكرية، فقد اكتسبتها من محضر الإمام الخميني.
تعرفت إلى السيد رباني أملشي - كنا كشريكين في المباحثات - وقد بقينا كذلك حتى نهاية مرحلة التحصيل, بعدها سافرنا معاً كصديقين إلى أملش للتبليغ، وقد أقمت هنالك في منزل المرحوم والده، وحين أبعد إلى فردوس في خراسان، ذهبت لزيارته، وكان والده في ذلك الحين هنالك، عاد معي، وأوصلته في سيارتي الپيجو الخاصة إلى أملش.
شريكنا الآخر في البحث كان السيد تربتي - أخ زوجة السيد مرواريد، والابن الأكبر للمرحوم إسلامي - وهو طبيب الآن.
وعلى هذا النحو تابعنا الدراسة، وقد تشاركنا مدة في البحث نحن والسيدين صانعي وبهجتي.
الجائزة التشجيعية الأولى
إحدى ذكرياتي الجميلة، كانت جائزة قدمها إليّ المرحوم آية الله العظمى البروجردي، الذي كنا نحبّه حبًّا جماً، وكنا نشعر بالسعادة لمجرد النظر إلى وجهه, كنت في ذلك الحين قد درست «السيوطي» و«الحاشية»، فكتبت رسالة إلى السيد البروجردي ذكرت فيها أنني أحفظ أشعار «ألفية ابن مالك»، ومتن «تهذيب المنطق»، وجزءاً ونصف الجزء من القرآن الكريم، وأنني مستعد لأن أُمتَحَنَ في حضوره, كان دأبُه تشجيع الطلبة الذين يبذلون مثل هذه الجهود، ويوفّقون، مع اهتمام خاص بحفظ القرآن الكريم وأشعار «ألفية ابن مالك» التي هي دورة صعبة من قواعد اللغة العربية.
في أحد الأيام، في منزل حضرته، وقد أقيم مجلس عزاء، وصعد السيد فلسفي المنبر، انتهزت الفرصة، وسلمته الرسالة يداً بيد، وجلست في مواجهته, قرأ رسالتي مباشرة وقال:
- أحفظتَ هذا كلَّه؟
- قلت: نعم.
- قال: أأنت مستعد للامتحان؟
- قلت: نعم.
فقرأ بيتاً من الشعر، من الألفية وطلب إلي أن أكمل,,, فأكملت، وطلب إليّ كذلك بهذه الطريقة تلاوة قسم من متن الحاشية، ثم قرأ عبارة من «الكليات الخمس» - التي هي من أصعب مسائل المنطق - لأكملها ففعلت، ثم قرأ آية من القرآن فأكملتها، دون أن أشعر بالخجل في محضرِه، أو أن ألْحَنَ, فأظهر استحسانه، وأمر الحاج محمد حسين أن يعطيني منحةً شهريةً تشجيعاً لي، ولم تكن العادةُ أن يُعطى الطلبةُ راتباً قبل الوصول إلى شرح «اللمعة»، وهكذا أعطيتُ عشرة توامين شهرياً، وكان هذا الأمر نجاحاً ملحوظاً بالنسبة إليّ أثّر في حياتي مادّيًّا ومعنوياً, كما أنني تسلّمت هدية فورية: خمسة وعشرين أو ثلاثين توماناً نقداً.
بعد الجلسة، أضاف الحاج محمد حسين إلى تلك الجائزة ثياباً مستعملة، لم يعجبني الأمر، فقد جرح كبريائي، فغادرت المكان باكياً.
كرّر السيد تربتي مافعلته وكتب رسالة، وتكرر المشهد.
وصل خبر الجائزة إلى القرية إذ كان أبي مسافراً إلى مشهد، وفي أثناء توقّفه في قم علم بالأمر، فكتب رسالة إلى القرية، شجع فيها أخي المرحوم - الحاج قاسم - أن يسافر هو أيضاً إلى قم للدراسة.
في مدارج الدعوة
من الأعمال الفرعية التي كان الطلبة الشبّان يقومون بها في تلك الأيام، تشكيل مجالس عزاء، والتمرن على الخطابة.
كان من خطباء قم المعروفين أشخاص مثل الحاج أنصاري، برقعي، وإشراقي، وقد كانت مواعظ إشراقي ثقيلة على مسامعنا، أما خطب الآخرين فقد كانت مفهومة بشكل أفضل, كنا نكتب المواضيع التي سنطرحها، ونستفيد منها في التمرين على الخطابة.
كان أول سفر لي إلى قرية بهرمان، بعد سنوات ثلاث من الإقامة المتواصلة في قم والوصول إلى شرح اللمعة، عدت في الصيف إلى القرية، وفي أول ليلة من ليالي رمضان، اعتليت المنبر للمرة الأولى، مستفيداً من خطبة الرسول المعروفة في آخر «جمعة» من شعبان، موضوعاً للبحث: «أيها الناس قد أقبل عليكم شهر الله», قرأتُ الخطبة كلها غيباً، وشرحتها، فاستقبل الناس كلامي استقبالاً حسناً، وأعجبوا بالخطبة إعجاباً شديداً, كنا نستعين للخطابة بكتب مثل «مجالس الواعظين»، أو «مجالس المتّقين»، ونستخدم كعناوين مواضيع كالصبر والشكر، والإنصاف, مستشهدين بالآيات والروايات والقصص والحكم والأمثال المناسبة، وكانت تلك المواضيع بالنسبة إلينا منبعاً لا ينضب.
على كل حال، أكملنا في القرية شهر رمضان وبقية الصيف، نخطب كلّ ليلة في الناس مجاناً، كان وضعنا في القرية لا يسمح لنا بأن نتقاضى من الناس أجراً, وكان الشيخ محمد (ابن عم علي اكبر هاشمي رفسنجاني) يعتلي المنبر أيضاً.
كنا في هذين الشهرين أو الثلاثة، إضافة إلى قريتنا، نذهب إلى القرى المجاورة، وكنا مرجع الناس في الأمور الدينية, كانت المواعظ في تلك الأيام تتمحور حول مواضيع مثل: الرّبا، السرقة، الغيبة، وتعليم أحكام الدين وفرائضه، أي المواضيع الأخلاقية والعملية بصورة عامة.
كانت هذه حدود المستوى الثقافي للوعظ، بمستوى فهم الناس, ففي نهاية شهر رمضان هذا، أرخى الناس لحاهم، وقصّروا شعورهم، كما يفعل الطلبة، ولقد كنا نقدّم للناس معارفَ أخرى بحسب معلوماتنا, وتابعنا الوعظ لعدة سنوات على هذا النحو.
الاستفادة من الوقت
اشتركنا في عطلتين صيفيتين، في برنامج الدراسة الجديدة في المدرسة العلوية، حيث أقيمت دورات لتدريب الدعاة إلى خارج إيران, كانوا يقبلون كلّ عام خمسة عشر شخصاً، وكنا نحن في عداد المقبولين، من أساتذة هذه الدورات ومنهم المرحوم روزبه وعدد آخر من الأساتذة, كانت معرفتنا بهذه الدراسة الجديدة من خلال هذه الدورات فقط.
طيلة مدة الدراسة، كنت أقوم بالتدريس، ولكن لم يكن لديّ حوزات واسعة، وبعض الذين اشتركوا في الدراسة في هذه الحوزات المحدودة العدد، هم اليوم من العلماء المعروفين في المدن المختلفة وفي الحوزة عينها.
الدعوة وتأمين المعاش
كنت قد أشرت من قبل إلى وضعنا المعيشي, فقد كنا ندفع حين كنا نقيم في منزل الإخوة مرعشي شهرياً خمسين توماناً - بحسب الاتفاق بينهم وبين الوالد - في السفر التبليغي الأول إلى نوق انضم إلينا السيد أنصاري - الذي كان واعظاً في رفسنجان - وأخوتي محمود ومحمد وأحمد, كان الوالد يرسل إلينا باستمرار مبلغاً من المال، ولكن ذلك المبلغ بالإضافة إلى المنحة الشهرية التي كنا نتقاضاها، لم يكن كافياً.
كانت الأسفار التبليغية إلى غير نوق، تدر علينا أحياناً مبلغاً من المال.
أتذكر سفري التبليغي الأول: كان الشيخ محمد كمره اي، وهو اليوم قاض متقاعد، من أهالي كمره في ضواحي خمين، قد شجعني على السفر إلى كمره, في الأربعين (الذكرى الأربعين للإمام الحسين) قررنا السفر إلى قرية من قرى كمره، حملت حقيبة مليئة بالكتب، وقضيت الليلة في المقهى بعد تعب شديد، في الصباح حضر الأهالي واصطحبوني إلى المنبر في أحد المنازل حيث تقام مراسم العزاء.
في الماضي، عندما كنت أذهب للتبليغ في قريتنا، كنت أشعر بالقوة من أول الطريق, كان الوضع هنا مختلفاً، لم يكن الناس كأهل ضيعتنا لطفاء ومحبّين, قبل البدء بالخطبة، قال أحد الحاضرين عبارة صدمتني، كانت تعني ضمنياً، أن لديهم معارف دينية، ولا يحتاجون لمن يعظهم, في الخطبة الأولى، انطلاقاً من الآية: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم) حملتُ على رئيس القرية وعلى الحاضرين, لم تكن ردة فعل الناس كما كنت أبغي، قالوا: «هذا الكلام الذي تقوله، نحن نعرفه، لم يقولوا ذلك صراحة وحرفياً، وإنما ظهر ذلك في طريقة تعاطيهم وفي تصرفاتهم».
عندما كنت أذهب إلى قريتي، كان الناس يستقبلونني بحرارة، ويرشون الطرقات بالماء، ويحملون علماً، ويصطحبونني إلى المنزل بالتكبير والصلوات, بينما أُقابَل هنا بهذا السلوك الذي لا يَدُّل على الاحترام، ذهبت إلى المقهى متذرعاً بإحضار الحقيبة، وبدلاً من العودة إلى القرية، استقليت سيارة بهدف العودة إلى قم، استخرت، فجاءت الآية سلبية كيفما فُسّرت، كانت الآية متعلقة بأصحاب الكهف، (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً) في أي حال، لقد فشلت في هذا السفر.
قمت بسفر آخر برفقة السيد أنصاري دارايي، ورفيقين من رفاق البحث - صارا في ما بعد رفيقين في متراس واحد وحرب واحدة - هما السيدان الشيخ حسن صانعي والسيد رباني أملشي، ذهبنا معاً إلى مقاطعة فارس, من الخواطر المتبقية ليومين قضيناهما في إحدى مدارس شيراز، لقاء السيد آية الله السيد نور الله الحسيني، الذي كان في تلك الأيام عالماً ذائع الصيت.
ارتأى الأصدقاء أن نذهب إلى «فسا» فلنا فيها معارف كثر، تردّدنا يومين أو ثلاثة أيام، ثم ذهب السيد صانعي إلى قرية تدعى زاهدان، وألقيت أنا خطبة وعظية في المسجد الجامع كان لها وقع جيد, في الجلسة نفسها، أعجب واحد من الأهالي بكلامي ودعاني إلى منزله, السيد رباني اشتغل في قرية أخرى هي قرية رهنير.
هذه الخواطر تعود إلى العامين 1334 و1335 (1956 - 1957)، وكنا ندرس في ذلك الحين «المكاسب» و«الكفاية», وكان السيد محمد حسين ارسنجاني، إمام الجماعة هنالك، وكان يستضيفنا أحياناً.
كانت رهنير قرية طيبة الماء والهواء، والصيد الكثير، إلى درجة أن الرجل يقول في الصباح، أنا ذاهب لأصطاد غزالاً، فيعود ومعه أربعة غزلان أو خمسة, مع ذلك، فإن مجمل الظروف مقارنةً مع وضع قريتنا لم تلائمني، والإحساس بالغربة كان مؤلماً أيضاً.
سافرت من هنالك إلى «اصطهبانات»، حيث استضافني موظّف متديّن، وكان أخوه طالباً من معارفي، حسن الصحبة، كان بالقرب من المدينة منطقة جبلية خضراء، أعجبتني للتنزه والتسلية وملء أوقات الفراغ، ولكن كلامي هنالك لم يلق قبولاً.
لم يكن الوضع طبيعياً، كان الوعظ في قريتنا يرفع من مستوى توقعاتنا في حين أن هذه الظروف لم تكن متوافرة في أماكن أخرى, من هناك ذهبت إلى تبريز، التي كان رجل الدين فيها هو آية الله السيد محيي الدين فال اسيري، والذي توفي أخيراً، وكان ابنه نائباً في البرلمان, اعتليت فيها المنبر مرة أو مرتين، ومكثنا هناك حتى آخر رمضان، بعد ذلك عدنا إلى شيراز.
كان مجموع مدخولنا المشترك نحن الثلاثة ألف تومان، وإذا حذفنا نفقات السفر والهدايا، لم يبق لنا شيءٌ يذكر, كان هدفنا حتماً هو التبليغ والوعظ, كنا بحاجة إلى المال، ولكننا لم نعطه أهمية كبيرة, بعد ذلك كانت لنا أسفار إلى «أملش»، حيث والد السيد ربّاني، المرحوم الحاج أبو المكارم ربّاني، الذي كان عالماً حرّ الرأي، محبوباً، وكان مجرّد التوقف في منزله، ومعاشرته، بالنسبة إليّ، مفيداً، وفرصةً لا تفوّت, إضافة إلى أنني وجدت هناك أصدقاء كثراً، ساعدوا كثيراً في مرحلة النضال.
في «أملش» استُقبِلَت مواعظُنا استقبالاً حسناً، وبالرغم من أنها لم تدر علينا دخلاً كافياً بأيّ حالٍ من الأحوال، إلا أننا كنا راضين كلياً في ما يتعلق بالوعظ والتبليغ - الذي كان هدفَنا الأصلي.
العمل والدراسة
ولكي نضع حلاً لمشكلة شحّ الموارد، أسسنا مطبعة صغيرة باسم «كانون هنر»، عمل على تطويرها إخوتي أحمد ومحمود ومحمد، وخصوصا في فصل الصيف حيث كانوا يسافرون إلى مدن أخرى, أنشأنا في قم «مكتباً» أيضاً، وهكذا تخطّينا من هذا الطريق مشاكل الحياة المادية إلى حدّ ما، لأن المطبعة كانت تدر علينا دخلاً معقولاً، والجدير بالذكر أن رأسمالها كان آلات طباعة عدة وكرسياً وطاولة، اشتريناها بالأمانة وكنا نسدد ثمنها من الأرباح.
الغرفة المنطلق
بعد سنوات تزوج الأخوان مرعشي وانتقلا إلى النجف، فانتقلنا إلى غرفة مستأجرة, وبعد عناء من التحصيل والعيش في غرف مستأجرة، تمكنا من بناء حجرة مستقلة: وكانت بمثابة حجر الأساس لمدرسة الحاج ملا محمد صادق, وهنالك تعرفنا إلى عائلة «سادات روحاني» وقد كان من أبناء هذه العائلة عدد من رجال الدين المشهورين.
بدأت فاعليتنا الجدية من هذه الحجرة، التي تحوّلت إلى مركزٍ لتجمعنا, بعد مدة دخلنا مدرسة «الحجتيّة», كنا ثمانية أشخاص في حجرة متوسطة! أنا وإخوتي، والسادة باهُنر، مهدوي كرماني، نور اللهي، فقيهي، وتوكلي.
كانت هذه الغرفة مزدحمة، حتى أن الأشخاص الذين كانوا يعبرون من أمامها، في الأيام التي كانت تقام فيها مراسم ذكرى وفاة الأئمة أو شهادتهم أو ولادتهم، يعتقدون أن المراسم تقام فيها، وكنا نستغل هذه الفرصة ونستدرجهم للدخول، وبعد ذلك نفاجئهم، فقد كانت ذريعة مناسبة لتسلية الطلبة.
من هذه الحجرة، كان انطلاق عمل «مكتب تشيع»، برفقة الشهيد باهُنر والمرحوم محمد صالحي والسيد مهدوي كرماني، حيث قامت نوع من المنافسة بين مكتبنا «مكتب تشيع» و«مكتب إسلام».
يجدر الذكر بأن الذين كانوا يديرون تنظيم «مكتب إسلام»، كانوا متقدمين علينا حوزوياً، وكانوا من أنصار شريعتمداري, أما أنا ورفاقي فكنا من محبّي الإمام (الخميني), وفي أواخر حياة آية الله العظمى البروجردي - على الرغم من تسليم الجميع بمرجعيته - كان كل واحد من مراجع قم محور تجمع خاص، تحضيراً للمستقبل.
كان وضع الإمام (الخميني)، من الجانب المعنوي، يجذب إليه أحرار الحوزة, كما أن اختياره بالنسبة إلينا يتضمن مفهوم الحرية والاستقلال، وكان توسع «مكتب تشيع» يسير بهذا الخط ويحمل هذا التوجه، ويحظى بدعم قويّ جداً.
في هذه المرحلة، كنت أنا دراسياً من تلامذة الإمام (الخميني)، وكنت أحضر، في الوقت نفسه، دروس الخارج للسيد البروجردي، وقد كان في مرحلة الكهولة, وفي الحقيقة كان الدرس الأكثر جدّية هو درس الإمام (الخميني).
تابعت مع الإمام (الخميني) الدورة الكاملة في علم الأصول وقسم من الفقه، كما كنت أستفيد في التفسير والفلسفة من دروس العلامة الطباطبائي, وعلى هامش هذه الدروس كنت أحياناً أحضر دروس آخرين: فقه شريعتمداري الخاص، مبحث النكاح، دراسة الآيات للمرحوم النجفي، كلپايكاني وحائري يزدي وأكثر من كل شيء درس السيد الداماد.
في سفري إلى النجف، حضرت جلسات من دروس آية الله العظمى الخوئي والزنجاني.
كان من الممكن إذا وجَدت في مسألة من المسائل ما يبعث على الاجتهاد، أن يكون لي فيها وجهة نظر خاصة، وفي بعض المسائل كنت أعمل باجتهادي الشخصي، ولا أزال كذلك حتى الآن.
الزواج
في خلال المرحلة الماضية التي أشرت إلى بعض ذكرياتها، في العام 1337هجري ـ شمسي (1958م)، وفي رفسنجان، خُطبت لي ابنة حجة الإسلام السيد محمد صادق مرعشي الذي كان كاتباً بالعدل، وكان في دراسته الحوزوية قد وصل إلى حد «الكفاية»، له بعض الأملاك في مقاطعة «كشكوئية»، ويعمل في الزراعة أيضاً, لم يكن في نيتي الاعتماد على أبي في تأمين نفقات الزواج، لأن ذلك يفرض بيع قسم من أملاكنا، ولم نكن راغبين بهذا الأمر، فاشترينا من السيد أنصاري بعض حقول الفستق بالأمانة، وبعناها نقداً، وتلقينا بعض المساعدة من الوالد.
يعود نسب زوجتي إلى عائلتي مرعشي وطباطبائي الكبيرتين, ثقافتها دينية، ولقد أثمر هذا الزواج خمسة أولاد هم بحسب الترتيب (فاطمة، ومحسن وفائزة ومهدي وياسر), تزوجت ابنتاي من ابني السيد لاهوتي, الأول طبيب والثاني طبيب أسنان، وقد تم التوافق على هذا الزواج في آخر عهد السجن - حيث كنا مسجونين معاً في سجن إفين.
- آخر تحديث :














التعليقات