دعت ندوة العمل الوطني الى لقاء في 28/2/2005 يضمّ المتجاوبين مع الدعوة لإطلاق lt;lt;القوة الثالثةgt;gt;، عبر استحداث ما يُسمّى lt;lt;منبر الوحدة الوطنيةgt;gt;. يُراد من lt;lt;منبر الوحدة الوطنيةgt;gt; ان يجسِّد إرادة الذين لم ينخرطوا في حرب الخنادق السياسية، الناشبة بين فريق يُسمّى موالاة وفريق يُسمّى معارضة، بأسلحة الإتهام والشتم وأحياناً التخوين. وقد ثبُت أن الصدام ليس بين مواقف أو برامج أو منطلقات بقدر ما هو بين مصالح انتخابية على أبواب الاستحقاق النيابي. ولا غضاضة في المواجهات الانتخابية لو لم تبلغ هذه المرة حدود تصديع الوحدة الوطنية وبالتالي تهديد الوجود الوطني، ولو لم يبلغ الخطر أقصاه في الاستقواء بالخارج، خصوصاً بعد صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي. فعادت الساحة اللبنانية مكشوفة على صراعات بين قوى إقليمية ودولية.
قيل إن المطروح حلّ وسط. الخيار الثالث ليس حلاً وسطاً بل هو حل بديل، فلا هذا الرهان ولا ذاك، وإنما السير في طريق إعادة ترتيب أولويات المرحلة، بتقديم أولوية الوحدة الوطنية على كل اعتبار آخر. في المجتمعات الأكثر تقدماً، تحتدم الخلافات يومياً حول كل الشؤون والقضايا، ولكن في كنف اتفاق على دستور للبلاد. أما نحن في لبنان، فنختلف على كل شأن وقضية ولا نتفق حتى على صون الوحدة الوطنية. مشروعنا يقول: فلنتفق على الوحدة الوطنية ولنختلف على كل ما عداها من شؤون وقضايا
سياسية. مشروعنا إذن ليس مشروع حلف سياسي بل حلف وطني. فلننطلق من التسليم بأن الأولوية هي للحفاظ على الوحدة الوطنية ولنختلف حول قانون الانتخاب، وقانون الأحوال الشخصية، وقانون التنظيم الإداري، وقانون الإصلاح القضائي، وقانون ضمان الشيخوخة، وغير ذلك. فالخلافات قائمة في كل ديموقراطيات العالم على كل هذه الأمور، ولكن مع احترام الدستور. فلنختلف في لبنان حول كل أمر سياسياً ولكن مع الحفاظ على الوحدة الوطنية.
كيف يكون الحفاظ على الوحدة الوطنية عملياً؟ يكون ذلك على خطين: الأول عبر تطوير الممارسة الديموقراطية. والثاني عبر ردم المطبّات التي صدّعت الوحدة الوطنية خلال السنوات الأخيرة.
تطوير الممارسة الديموقراطية مسار طويل، قد يستغرق عقوداً لا بل أجيالاً، باعتبار ان الديموقراطية ليست مُجرد نظام، ليست مجرد نصوص، بل هي أيضا ثقافة. وتنمية الثقافة الديموقراطية تستوجب جهدا منهجياً مبرمجاً على الصعد التربوية والثقافية والاعلامية كما على صعيد إغناء الممارسة في المجتمع المدني، على مستوى البلديات، كما على المستوى النيابي. أما الديموقراطية نظاما فتفترض العمل على تطوير النصوص، من جهة، توصلاً الى نظام للتمثيل الصحيح في الحكم باعتماد نظام انتخابي صالح كما بتعطيل العوامل التي تشوّه حرية الاختيار وسلامته من مثل المال والفساد والعصبيات الجامحة. ومن جهة ثانية، توصلاً الى تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة على أشكالها، وهي غائبة او مغيّبة في لبنان الى حد بعيد.
الديموقراطية هي الهدف وهي الوسيلة. هي الهدف بمعنى انها من صلب حقوق الإنسان في وطنه وبالتالي من مقوّمات رفاه المواطن كما من مؤشرات رُقي المجتمع. وهي الوسيلة بمعنى إنها السبيل إلى الاستقرار والتطوُّر المنتظم مستقبلاً. تاريخنا الحديث حافلٌ بمسلسل من الأزمات الوطنية، ونحن اليوم نعيش آخرها. فلو وُجدت الديموقراطية لما كان ثمة متّسع لأزمات وطنية، بدليل ان ليس من أزمات وطنية إطلاقاً في ديموقراطيات العالم الأكثر تقدماً. هناك خلافات وقضايا يومية، ولكنها تلقى الحلول الناجعة لها عبر آليات الديموقراطية فلا تنفجر، كما تنفجر عندنا، أزمات وطنية.
يطلع علينا جهابذة السياسة بين الحين والآخر بدعوات إلى الحوار الوطني. هذه الدعوات هي بمثابة الإدانة لنظامنا. متى كان آخر مؤتمر للحوار الوطني في أميركا أو بريطانيا أو فرنسا أو المانيا أو اليابان؟ لو وُجِدت الديموقراطية بين ظهرانينا لكان الحوار شأناً يومياً منتظماً عبر المؤسسات والقوانين، فلا حاجة لمؤتمرات.
التفاهم على مسار لتفعيل الديموقراطية إذن هو المنطلق الذي لا مندوحة عنه. ولكن القضية الداهمة هي: كيف نُرمم وحدتنا الوطنية وهي اليوم متصدِّعة؟ الجواب في ردم المطبات التي آلت إلى تصديعها والمطلوب تحديداً:
إنجاز تطبيق اتفاق الطائف بإعادة تمركز القوات العربية السورية في البقاع، وبالتوقيع على اتفاق بين الدولتين الشقيقتين يُحدّد حجم القوة السورية بعد إعادة انتشارها وطبيعة العلاقة بينها وبين مؤسسات الدولة في تلك البقعة، ومدة بقائها التي يفترض ان تكون قابلة لإعادة التجديد ما دامت حال الحرب مع إسرائيل قائمة.
وقف أي تدخّلٍ من جانب أجهزة الأمن في أي شأنٍ خارج نطاق الأمن العسكري البحت.
تفعيل آليات التواصل بين الدولتين الشقيقتين التي نصّت عليها معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق، ولا سيما المجلس الأعلى وهيئة التنسيق العليا. لو كان المجلس الأعلى يجتمع مرة كل ستة أشهر، ولو كانت هيئة التنسيق العليا، على مستوى رئيسي الحكومة ومعهما الوزراء المختصون، تجتمع مرة كل شهر أو ربما شهرين، لما كان الفراغ الذي ملأته، على وجه مُنكر، أجهزة الاستخبارات في غياب أي تمثيل دبلوماسي. وقد أوجدت المعاهدة العوض الأجدى من التبادل الدبلوماسي في المجلس الأعلى وهيئة التنسيق العليا.
إطلاق العمل على تجاوز الحالة الطائفية في البلاد على مراحل وفق ما نصّ عليه اتفاق الطائف وتُرجم في المادة 95 من الدستور بعد تعديلها، بدءاً بتأليف الهيئة العليا التي كان يجب، وفق النص، أن تُشكّل في عام 1992، مع انتخاب أول مجلس نيابي على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.
الاتفاق على مقاربات فاعلة للتصدي لآفة الفساد المستشري في البلاد. فضرورة هذا التوجُّه هي محل إجماع بين اللبنانيين.
التأكيد على عروبة لبنان، التي أعرب عنها اتفاق الطائف في تأكيده أن لبنان عربي الانتماء والهوية.
أخيراً لا آخراً التلاقي على مقاربة واحدة للقرار الدولي 1559 الذي صُوِّر ولا يزال يُصوَّر بأنه محور شرخ وطني جعل اللبنانيين فريقين متعارضين. كلاهما في خندقه يرشق الآخر، فلا تواصل ولا تلاقي.
مع تسليمنا بأن القرار ينطوي على تدخّل سافر في شؤوننا الداخلية وبأنه يتنافى مع مضمون اتفاق الطائف، نقول إن الموقف الرسمي في لبنان، كما في سوريا، كان خاطئاً، إذ انطلق من رفض القرار رفضاً قاطعاً. فنحن لنا مصلحة استراتيجية في تنفيذ القرارات الدولية جميعاً، بما فيها القرار 194 الذي يحفظ للاجئين الفلسطينيين حقهم في العودة، والقرار 242 الذي يقضي بجلاء إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها عام 1967، والقرار 425 الخاص بلبنان. ولا نستطيع ان نكون انتقائيين، فنُطالب بتنفيذ قرارات دولية ونرفض واحداً منها. ولكن فرنسا وأميركا والأمم المتحدة لا تستطيع هي أيضاً أن تكون انتقائية فتُصرّ على تنفيذ القرار 1559 وتُهمل سائر القرارات الدولية. لذا فإن الموقف الأسلم هو في إجماع لبناني سوري على مطالبة المجتمع الدولي ببرمجة زمنية لكل القرارات الدولية معاً، بما فيها آخرها وهو القرار 1559. من هنا فإن الموقف الرسمي في لبنان وسوريا كان يجب أن يؤكد احترامنا للقرار الدولي ولو تحفّظنا على بعض مضمونه مبدئياً.
هكذا نُرمِّم وحدتنا الوطنية ونُعيدها إلى أولوية اهتماماتنا، فلا يعود ثمة مُتّسع لتفجُّر أزمات وطنية تهدّد المصير بين الحين والآخر.
مشروع القوة الثالثة، عبر استحداث ما يمكن ان يُسمّى lt;lt;منبر الوحدة الوطنيةgt;gt;، يخاطب المجتمع المدنيّ برمّته، بنقاباته وجمعياته وسائر مؤسساته، من دون استثناء من يختار الانضمام اليه من السياسيين، مع ان احتمال انضمام أقطاب سياسيين إليه يبدو مستبعداً في وقت يقبع هؤلاء في خنادقهم السياسية يتراشقون، مُستقوين برهانات خارجية ستكون حتماً خائبة كما تُنبئ تجاربنا المريرة وتجارب العالم مع القوى الكبرى. إننا لا نُحاول التوفيق بين القوى السياسية المتناقضة بل نسعى إلى تخطّيها، يدنا بيد هيئات المجتمع المدني ونخبة من رجال السياسة.
- آخر تحديث :












التعليقات