اللهم احمنا واسترنا من هؤلاء الغلاة الذين قال أحدهم ذات يوم “لنا الصدر دون العالمين او القبر”، وانتهى ككل عباد الله الى القبر. وقبل أيام قليلة سمعنا على إحدى الفضائيات شخصاً قدم بصفتين معاً هما المفكر العربي والأكاديمي المعروف، يقول إن التقاويم في زمننا انقلبت، وعلينا ان نتعامل مع يوم سقوط بغداد او اسقاطها بمعنى أدق باعتباره عيد الفطر، أما يوم الانتخابات فهو عيد الأضحى!
لكن هذا المفكر والأكاديمي المعروف جداً لدى فضائية والمجهول جداً لدى أخرى لم يكمل الجملة التي أراد بثها كالسم وهي ان الولايات المتحدة الأمريكية هي البديل للقضاء والقدر او انها ما يستحق العبادة في زمن وثني جديد.
إذ ما معنى ان تستبدل أعياد المسلمين بأيام الاحتلال وما يعقبها من أيام أشد سواداً من أي ليل؟
وما معنى هذا الهذيان الذي ينسب الى السياسة والفكر وهو مجرد زبد فضائي يثير سخرية الأطفال قبل البالغين؟
ونحن نستبعد بكل المقاييس ان السادة الذين ينافقهم هذا الأكاديمي سيسخرون أيضاً من أقواله، لأنهم لم يزعموا حتى الآن بأنهم البديل الأرضي للحق الأعلى وان زعموا ففي ما يخص عقائدهم وليس ما هو من صميم عقائد الآخرين.
أليس هذا الخطاب المبالغ، والمتورم هو المعادل الموضوعي التام لخطاب آخر يقع على النقيض منه؟ وما الفرق بين من امتدح الديكتاتور حتى برأه من الطين الآدمي، وحصنه بعصمة الأنبياء وبين هذا الذي يفعل العكس؟
الغلاة منذ بدء الخليقة وليس التاريخ المكتوب فقط كانوا وراء كوارث كبرى عصفت بالعالم، لأنهم سريعو التحول، ويلبسون لكل حالة لبوسها فهاجسهم الوحيد هو البقاء، وإليهم تعود أدبيات البرجماتية والميكافيلية قبل ان يولد برجمانوس وميكافيلي، لأنهم ذوو أنوف مدربة جيداً على الشم، ولديهم رشاقة تفوق رشاقة القردة وهم يقفزون من طلل الى آخر، ومن وليمة دموية الى أخرى.
إن كان سقوط عاصمة عربية هو عيد الفطر، فلماذا لم يقل لنا الأكاديمي الضليع في فقه الصيام عن الكرامة شيئاً عن سحور الصائمين الذين افطروا طوال أيام الصوم على الدم النازف من أنوفهم وخواصر أطفالهم في المهود؟
وما الأضاحي التي يرشحونها للعيد الأكبر إذا كان هلاله مرتهناً بزئير طائرة مغيرة على مدرسة ومسجد ومتحف؟
وهل أصبح قدرنا في هذه الأيام ان نتورط بثنائية الارتهان للطاغية او الخضوع للغزاة؟
أما من مساحة من الظل او البعد الثالث بين هذين العدوين التاريخيين للانسان؟
ان أسوأ ما نحن معرضون له الآن، هو التخلي عن العقل لمصلحة الانفعال والرغائب. بحيث تستبد بنا ثأرية جاهلية عمياء، فلا نفرق بين غسق وشفق وبين حمامة وغراب.
نعرف ان للقهر، إذا ما تمادت متواليته، نتائج يصعب على العقل الاحاطة بها، لأن القهر ان لم يُفهم ويوضع في سياقه التاريخي، ويفكك حتى أدق تفاصيله يصيب الانسان بالدوار، وهذا ما حدث مراراً لمن قالوا انهم جهلوا فوق جهل الجاهلين، وردوا الصاع صاعين، حتى لو كان هذا الرد قد فاض عن حده وعاد عليهم بالأذى.
ومن حقنا نحن الربع مليار عربي والمليار وربع المليار مسلم ان نسأل ذلك الأكاديمي عمن فوضه او انتدبه للنطق باسمنا؟ وإلى أي وحي استند وهو يقلب التقاويم ويستبدل عيد الفطر بيوم احتلال، وعيد الأضحى بظهيرة معتقلة وراء قضبان يراها الناس كلهم إلا من أصابه العمى؟
ان للغلو حدوداً يجب ان يذكر الغلاة بها ان لم يتذكروها من تلقاء أنفسهم، وبغير ذلك سوف تأخذهم العزة بالآثام كلها، ويفرطون في انتهاك الحقائق، والاعتداء السافر على أحزان الآخرين ودمائهم التي يراد لها ان تتحول الى ماء!
سقوط عاصمة عربية او اسقاطها لا يختزل كما يشاء الغلاة بثنائية الطاغية والمحتل لأن تداعيات حدث جسيم كهذا تبلغ نخاع العربي بعد ان تخترق لحمه وعظمه، وتصيبه بجرح بالغ في سويداء القلب وصميم الوجدان.
وقد لا تكون هذه الظاهرة جديدة، او طارئة في تاريخنا وكل التواريخ الأخرى أيضاً، إذ طالما وجد الغزاة علاقمة يفتحون لهم الأبواب، وطالما تكررت تلك الواقعة النابليونية الشهيرة، عندما رفض مصافحة خائن، واكتفى بأن رمى إليه بكيس من النقود قائلاً له انه لا يصافح أمثاله، بل يمنحهم الأجر الذي يساوي ما اقترفوا بحق بلدانهم وشعوبهم وأحفادهم.
ما الذي سيقوله الغلاة بعد حين؟ وبعد ان تذهب بقية الخجل، وتستقر الأنياب في لحم الضحية، هل يحذفون من الكتب كل ما له صلة بمرجعيات هذا العربي الجريح النازف بين ماءين؟
وهل يسبحون بحمد الخيول التي رسمت خرائط جديدة بروثها؟ مثلما تحاول الدبابات رسم تضاريس جديدة بجنازيرها؟
نخطئ إذ نؤرخ لسقوط الحضارات والدول باليوم الذي يشهد انتصار الغزاة.. ما يجب ان يؤرخ به السقوط والتساقط هو إعلان غلاة الخنوع بأن أعيادهم الجديدة هي أعياد غزاتهم والأيام شهدت انتصاراتهم.
شكراً للفضاء الذي يفتضح ما كان طي التراب.
- آخر تحديث :














التعليقات