للمرة الثانية بعد المئة تقطع الأحداث العالمية سلسلة مقالاتي التي عادة ما أخطط لها تخطيطاً طويل المدى! تعودت باعتباري باحثاً في العلم الاجتماعي أن أختار موضوعاً مطروحاً على ساحة الفكر العالمية أو الإقليمية أو المحلية، وأصوغ منه مشكلة بحثية، وأتولى في سلسلة متماسكة من المقالات مناقشة مختلف جوانبه، حتى أصل إلى نتائج أساسية، بعد أن أكون قد أصّلت الموضوع وعرضت مختلف وجهات النظر فيه، وذلك قبل أن أدلي بدلوي وأعرض وجهة نظري. ربما تأثرت في استراتيجيتي الكتابية بخلفيتي القانونية. في الكتابة القانونية لابد من تحديد المفاهيم أولاً تحديداً لا لبس فيه، ومن المهم عرض وجهات النظر المختلفة في الموضوع المبحوث، قبل أن ينهي الباحث القانوني بحثه برأيه مدعماً بالحجج المناسبة.
غير أنه يبدو أنني - بالإضافة إلى الخلفية القانونية- تأثرت تأثراً عميقاً أثناء بعثتي العلمية إلى فرنسا (1964 – 1967) بتقليد ما يطلق عليه الأكاديميون الفرنسيون المقرر رفيع المستوى "Cours Magistral". وفي هذا النوع من التدريس الجامعي يقوم أحد كبار الأساتذة في تخصص معين، وليكن علم الاجتماع السياسي على سبيل المثال بوضع مشكلة بحثية، ويتناولها بالبحث والدراسة من كافة جوانبها. ومن تقاليد هذا التدريس أنه ليس مسموحاً للطلبة بالمناقشة والحوار مع الأستاذ. هم يجلسون ويستمعون لكي يتعلموا منه كيفية وضع مشكلة البحث والمنهج الذي سيختاره الأستاذ لمعالجة الموضوع، ومختلف الجوانب التي سيدرسها. وحجج أنصار الرأي وأنصار الرأي الآخر، قبل أن يستخلص في النهاية النتائج الأساسية لبحثه.
طالت مقدمة المقال لأنني كنت مشغولاً بذكر الواقع الذي يجابه الكتاب في هذا الزمن الصعب الذي نعيشه، والذي يتمثل في القطع القسري لتسلسل أفكارنا وموضوعاتنا. حدث ذلك حين كنت مشغولاً بتأصيل ظاهرة حوار الحضارات التي ملأت الدنيا وشغلت الناس منذ سنوات، وفجأة وكنت في كانتربري في بريطانيا ألقي محاضرة في المؤتمر الأوروبي السنوي للعلوم السياسية، وإذا بالأحداث الإرهابية في 11 سبتمبر تدوي! قطعت مناقشة حوار الحضارات، وتحولت فوراً - وكان هذا طبيعياً نظراً لجسامة الحدث- لتحليل تداعيات الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة الأميركية. وكانت الحصيلة سلسلة مترابطة من المقالات طبعت من بعد في كتابين هما: "الحرب الكونية الثالثة: عاصفة سبتمبر والسلام العالمى" (القاهرة، 2003)، و"الإمبراطورية الكونية: الصراع ضد الهيمنة الأميركية" (القاهرة 2004).
وبعدما انتهيت من سلسلة مقالات عن "الإصلاح العربي بين مطالب الداخل وضغوط الخارج"، تحولت مرة ثانية لأعرض رؤية عربية لحوار الثقافات. ولعلي بذلك أردت أن أصل ما انقطع من حديث منذ سنوات عن حوار الحضارات، وإذا بأحداث الزلازل والفيضانات الآسيوية تهز العالم وترجُّه رجاً عنيفاً. وكان لابد أن أقطع الحديث لأحلل ظاهرة تبلور الوعي الكوني وبروز مذهب إنساني جديد يؤكد على وحدة الإنسانية، قد يكون أساساً لإعادة صياغة نظام دولي جديد. وبينما أنا في صميم المناقشة بعد أن عدت بصعوبة إلى حوار الثقافات من جديد، وإذا بالرئيس جورج بوش يفاجئنا بخطبة "عنترية" عصماء في حفل تنصيبه للمرة الثانية رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، يعلن فيها أنه انتقل من الحرب ضد الإرهاب وهو شعار ولايته الأولى، إلى الحرب ضد الطغيان في العالم أجمع، لأن الحرية في أميركا تعتمد على سيادة الحرية في كل أنحاء العالم.
وقد قمت بالتحليل الدقيق للخطاب ولردود الفعل عليه، بما فيه تصريح "بابا بوش" الأب الذي ذهب في زيارة للبيت الأبيض وعقد مؤتمراً صحفياً ذكر فيه أن خطاب الابن العزيز أُوِّل تأويلات خاطئة، وأنه لا يعني أبداً إطلاق حرب جديدة، أو التدخل في شؤون الدول الأخرى.
والواقع أنني حين تابعت الخطاب وهو يذاع مباشرة على الهواء، وقرأت نصه من بعد، أدركت أنه نموذج لما يمكن أن يطلق عليه "فن إقناع الذات بأفكار هشة ومشكوك فيها وخاطئة"!.
وهذا العنوان أقتبسه مباشرة من كتاب بنفس العنوان ألفه عالم الاجتماع الفرنسي الشهير ريمون بودون وقد لفت هذا الكتاب نظري منذ سنوات بعنوانه الطريف وموضوعه الغريب، غير أنني أجلت قراءته إلى الوقت المناسب.
وحين قرأت نص خطاب زعيم الإمبراطورية الأميركية الذي يستوحي قراراته - كما يزعم- من الله مباشرة، أدركت أهمية قراءته فوراً، لكي أعرف كيف يمكن لرئيس أقوى دولة في العالم أن يقنع نفسه بأفكار هشة ومشكوك فيها وخاطئة في نفس الوقت! ولو كان الأمر متعلقاً بقناعاته الذاتية لقلنا هو حُر يقتنع بما يشاء، ولكن الخطير هو أن تتحول هذه القناعات إلى سياسات حمقاء، وحروب عدوانية عقيمة ضد شعوب متعددة بما يهدد الأمن العالمي بالخطر الشديد!.
وأنا لن أدخل في التفاصيل الفلسفية العميقة لكتاب بودون، والذي يدور أساساً عن ظواهر المعتقدات والتي قد تتحول لدى بعض الأفراد إلى أيديولوجيات جامدة. وتبدو خطورة هذه الإيديولوجيات حين يتبناها زعماء سياسيون أو رؤساء دول.
من قبل تبني هتلر في مذهبه النازي مجموعة مترابطة من المعتقدات، منها ما يتعلق بسمو الجنس الآري، ومنها ما يتعلق بأهمية فكرة المجال الحيوي لألمانيا، مما يبرر غزوها لبلاد أخرى واحتلالها بل وضمها إلى ألمانيا.
واليوم يقوم "مذهب بوش" كما يطلق عليه المحللون الأميركيون مقارنة بمذهب الرئيس ترومان والذي قام على أساس "احتواء" الاتحاد السوفييتى، على الحق المطلق للولايات المتحدة الأميركية في القيام بضربات استباقية أو إجهاضية لأية دولة تشم منها أنها تنوي إلحاق الضرر بالأمن القومي الأميركي. ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية ستعاقب الدول اعتماداً على نيات الدول العدوانية، حقيقية كانت أم مزعومة! غير أن مذهب بوش الأصلي كان هو الحرب ضد الإرهاب في العالم، وهي حرب لا يحدها مكان ولا زمان، وبالتالي هي أغرب حرب في التاريخ، لأن العدو كائن هلامي هو الإرهاب، وكأنه ينتشر في الهواء، بلا قسمات مميزة ولا ملامح محددة.
غير أن بوش وسع من نطاق "مذهبه" في خطاب تنصيبه، فقد انتقل من "الحرب ضد الإرهاب" إلى الحرب ضد "الطغيان" في كل أنحاء العالم، واعداً كافة القوى الديمقراطية في كل الثقافات والمجتمعات بتأييدها حتى تتخلص من الطغيان!.
ويعني ذلك - كما استخلص بعض المحللين السياسيين الأميركيين- أن بوش في الواقع يقنن الحق الأميركي المطلق في التدخل في صميم الشؤون الداخلية للدول.
ومن هنا يصح التساؤل - كما فعل بحق الكاتب الأميركي فريد زكريا في مقاله الأخير في مجلة النيوزويك وعنوانه "آمال كبيرة وحقائق صلبة" - هل الحرب ضد الطغيان مشكلة حقيقية تواجه العالم أم هي مشكلة مزيفة؟ ويتساءل وماذا عن الفقر المدقع الذي تعيشه أغلب شعوب البشرية؟ وماذا عن الحاجة والأمن الإنسانى؟.
ويقرر أنه ليس هناك أساس لكي تندب الولايات المتحدة الأميركية نفسها لتكون هي "مسيح العالم" الذي سيخلصه من شروره وآثامه، وخصوصاً أنها غارقة في النفاق السياسي والانتهازية الدولية! ويبدو ذلك من تاريخها وواقعها الراهن والذي يتمثل في مساندتها لأنظمة ديكتاتورية وطغاة ظالمين، إذا كان ذلك يحقق مصالحها الحقيقية كما تدركها النخبة السياسية الحاكمة في إدارة أميركية ما في لحظة تاريخية ما.
ويتندر فريد زكريا قائلاً هل القضاء على حكم كاسترو الديكتاتوري في كوبا هو المشكلة التي ينبغي أن تشغل بها الولايات المتحدة الأميركية نفسها والعالم، أم يجب عليها أن تبحث عن نتائج تورطها في حرب العراق، بكل ما أنتجته من آثار سلبية على الشعب العراقي. لقد كانت حرب العراق والخيبة الأميركية فيه هي أبرز المسكوت عنه في الخطاب التاريخي. والواقع أنني حين حللت خطاب الرئيس بوش في حفل تنصيبه، وقرأت تعليقات بعض المحللين السياسيين في مقارنته بخطاب الرئيس الأميركي كينيدى، وتركيزه أيضاً تركيزاً إنشائياً فجاً على الدفاع عن الحرية باعتبارها ذروة القيم الأميركية، بالرغم من الفجوة الكبرى بين الخطاب المعلن والسلوك الفعلي، أدركت أن أصدق وصف لخطاب الرئيس الأميركي المهووس بأفكار دينية بدائية، أنه يمثل في الواقع فن إقناع الذات بأفكار هشة ومشكوك فيها وخاطئة!.