إن النجاح الذي صادفته الانتخابات العراقية يوم الأحد الماضي ليس بمقدوره أن يلغي طرح السؤال المهم الذي قد يفضي إلى أزمة في العلاقة الأميركية- العراقية والذي يتعلق بموعد انسحاب القوات الأميركية. وبلا شك فإن المحدودية التي اتسمت بها أعمال العنف يوم الأحد والمدى الذي ساهم فيه العراقيون بالمشاركة يتطلبان قراءة جديدة لطبيعة التمرد والمقاومة. إذ يبدو أن هنالك انقساماً بين أولئك المتمردين المستعدين لقتل الأميركيين وأولئك الراغبين في اغتيال مواطنيهم العراقيين. لقد ظلت هذه الخلافات سائدة في أوساط المقاتلين الوطنيين الذين يطالبون برحيل الأميركيين وحلفائهم وبين المتمردين الذين تعهدوا بإحداث تحول يصطدم بالقيم والمبادئ الأخلاقية في المجتمع. وعلى افتراض أن الوطنيين فضلوا البقاء في منازلهم يوم الأحد لعدم رغبتهم في قتل الناخبين العراقيين فإن الجناح الوطني في أوساط المتمردين تصبح لديه إمكانية الانقسام والنأي عن المتشددين والمتطرفين الدينيين.
لقد بدا من الواضح أن الوطنيين يرغبون في عراق للعراقيين بينما يرغب الآخرون في تحول دولي نحو خلافة إسلامية عالمية تقوم على أنقاض الولايات المتحدة الأميركية. ولكن الأمر يعتبر مؤشراً أيضاً إلى عدم اندلاع حرب أهلية في العراق كما كان يتنبأ البعض، وهو مؤشر إيجابي عن إرادة عراقية كامنة للتعامل مع الأزمات السياسية. وإذا كان هؤلاء الوطنيون مجرد أعداء للمحتلين الأجانب فهناك إمكانية للتحالف مع بعضهم بعضاً في نهاية المطاف وتشكيل حكومة تطالب الولايات المتحدة بمغادرة العراق.
ولكن الأمر لن يخلو من المشاكل والصعوبات، فالخروج من العراق أحدث انقساماً بين الأميركيين لا يقل عن القدر الذي انقسم به العراقيون المعارضون للاحتلال الأميركي ما بين وطنيين ومتشددين تدفعهم أحلام خيالية. وفي هذه الأثناء ظلت واشنطن في حيرة من أمرها بشأن الاستراتيجيات الممكنة للخروج منذ الإعداد للانتخابات الرئاسية. أما الديمقراطيون الذين كانت تسكنهم المخاوف من أن تؤدي المغادرة الأميركية للأراضي العراقية إلى هجوم سافر عليهم من قبل الجمهوريين الغاضبين ووصمهم بالخيانة وعدم الوطنية، فقد يبدو أنهم استردوا الآن أنفاسهم مرة أخرى. وعبر تتبع مسيرة الديمقراطيين في هذا الخصوص أصبح من الواضح للكثيرين كما يقول السيناتور إدوارد كينيدي: أن الوجود الأميركي في العراق بات جزءاً من المشكلة وليس جزءاً من الحل.
وعلى كل فقد ظل الرئيس بوش يكرر على مسامعنا أن الحكومة "لن تتبع أسلوب الهروب". وقد أشار الرئيس أيضاً إلى أن القوات الأميركية ستغادر العراق في حال طلبت منها الحكومة العراقية الجديدة ذلك. ولكنه ذكر أنه واثق من أن القادة الجدد سيتفهمون ويدركون "الحاجة إلى قوات التحالف" إلى أن يتم دحر المتمردين. على أن البعض ما زال يعتقد أنه في حال ضعفت قدرة الأميركيين على احتمال المزيد من الخسائر واستمرت المقاومة تحت أي نوع من الحكومة الانتقالية التي تنصب في العراق بعد احتساب عدد الأصوات فإن الرئيس لربما يفكر في انتهاج بدائل جديدة لسياساته. فهو يرغب بالتأكيد في فوز الجمهوريين بانتخابات منتصف الفترة ويرغب أيضاً في مغادرة البيت الأبيض في عام 2009 والأحوال مستقرة في العراق.
ولكن الرئيس تعوزه الحرية الكاملة، فهناك مؤسسات متنفذة وقوى أيديولوجية ظلت تعمل بنشاط في داخل الحكومة الأميركية حتى قبل شن الغزو على العراق. لذا فمن الصعوبة بمكان حتى على الرئيس نفسه مواجهة مثل هذه القوى والطموحات. وأولها أن الحكومة ترغب في تمكنها من السيطرة على أسعار النفط العالمية عبر الهيمنة على الإنتاج العراقي. وثانياً فإن الدافع الرئيسي لغزو العراق كان يتمثل في الحاجة الملحة إلى إنشاء قواعد عسكرية للجيش الأميركي تتخذ مواقع لها بالقرب من المملكة العربية السعودية بسبب الأفكار الدينية المتطرفة ومن أجل ممارسة مزيد من الضغوط على الحكومة السعودية. إن هذه المصالح الاستراتيجية أعيد تشكيلها داخل العراق الذي أريد له أن يصبح حليفاً تابعاً لأميركا بمجرد إزالة نظام صدام حسين.
وفي هذه الأثناء فإن عمليات التمرد والمقاومة لم تغير هذه المصالح الاستراتيجية وإنما زادت من تعقيدها ومفاقمتها. وهنالك أنباء تتردد عن أن 12 قاعدة عسكرية من هذه القواعد تمضي قدماً في طور الإنشاء. وقد أشار متحدث رسمي أميركي إلى هذه القواعد العراقية المستقبلية مؤكداً أنها ستؤجر للولايات المتحدة الأميركية إلى وقت غير محدد. وعلى الرغم من عمليات التمرد والمقاومة فقد تمكنت الماكينة القوية للحكومة الأميركية من الاستمرار في بناء هذه القواعد العسكرية. والآن فإنها تمضي قدماً في بناء سفارة كبيرة الحجم داخل المنطقة الخضراء في بغداد يخطط لها أن تستقبل عدداً يقارب أربعة آلاف شخص من الموظفين والمستخدمين.
لقد تم إدخال العراق في فلك نظام العولمة العسكري الأميركي في الوقت الذي كان فيه البنتاجون مسكوناً بهواجس حدوث أسوأ السيناريوهات والخوف من التعرض لهجمات منذ عقدين من الزمان. ولكن هل يمكن إيقاف هذه المسيرة حتى إذا رغب جورج دبليو بوش في إيقافها؟ من الصعب أن نتخيل أنه سيعتزم ذلك حتى لو طلبت الحكومة العراقية الجديدة من الولايات المتحدة أن تغادر الأراضي العراقية. فمن الناحية العملية يمكن أن يتم تغيير الحكومة العراقية بسهولة أكبر بكثير من تغيير الحكومة الأميركية نفسها. وقبل نهاية إدارة الرئيس كينيدي كان روبرت ماكنمارا قد أدرك أن الولايات المتحدة قد بات يتعين عليها الخروج من فيتنام ولكن الماكينة السياسية كانت ستطيح به إذا ما تجرأ على أن يقول ذلك. إن أميركا ما زالت ملتزمة وقد يحتاج الأمر إلى أكثر من عقد من الزمان لكي تحدث أزمة سياسية بسبب الهزيمة في أرض المعركة ويحدث شبه تمرد في الجيش الإلزامي للولايات المتحدة الأميركية بحيث يجبرها ذلك على الانسحاب. والآن فإن نفس هذه الماكينة الحكومية الأميركية قد تورطت في حرب العراق. أما المغادرة فربما أصبحت أو لم تصبح ضمن تفكير إدارة بوش ولكنها قد تبرهن على أنها أقرب إلى المستحيل مع مرور الوقت.