عندما كان عبد الناصر محاصرا في الفلوجة أثناء حرب فلسطين 1948، استنتج أن المعركة ليست هنا وإنما في القاهرة. ويعني بذلك أن تحرير فلسطين يبدأ بتحرير مصر. كانت مصر، مرآة العرب في نهوضهم أو انحطاطهم، واقعة تحت الانتداب البريطاني، وهو السلطة الخفية، المتحكمة في الإرادة المصرية. وقد تركت فاروق يزج بالجيش المصري في الحرب بدون تخطيط أو تجهيز ضروريين. مزودا بأسلحة انكشف فسادها لاحقا.كانت الطبقة الوسطى يتسع سؤددها في بنية المجتمع المصري، وقد نضج وعيها الوطني الذي تفجر في ثورة 1919 الشعبية. كانت الحياة الثقافية مزهرة، فكرا وفنا، تهيمن عليها الرؤية الليبرالية في طبعة مستنسخة عن الثقافة الغربية. يمثلها مثقفون نجوم، مثل طه حسين وتوفيق الحكيم وسلامة موسى وإبراهيم المازني وأحمد لطفي السيد وغيرهم. كانت الحياة الفنية: المسرح والسينما والغناء والرسم والنحت، يغلب عليها تقليد المواضيع الغربية، وإن داخلتها مواضيع الطبقة الوسطى الشعبية، التي فرضت نفسها من خلال توسع مساحة حضورها بين المرتادين للمسارح ودور السينما، وقراء الصحف. ومقابل موسيقى محمد عبد الوهاب، ومواضيع أغانيه (الرومانسية)، ففيما كان عبد الوهاب يغني: "محلاها عيشة الفلاح" كان الفلاح يعاني عيشا تعسا تحت نير باشوات الإقطاع. بالمقابل كانت موسيقى السيد درويش ومواضيع أغانيه الشعبية، تعبر عن الحس الوطني عند الطبقات الوسطى والفقيرة واحتجاجها الوجداني على تهميشها. وقد ظهرت موجة غناء شعبي اتخذ من فن المونولوج وسيلة للتعبير عن احتجاج وجداني، غير واعٍ بالضروة، على الغناء المتعالي بموسيقاه المتغربة ومواضيعه الغنائية المتعالية على الهموم الشعبية. الأمر الذي استفز المثقف الليبرالي، حيث نجد توفيق الحكيم يعبر عن اشمئزازه البرجوازي من الغناء الشعبي واصفا عصره بـ"العصر الشكوكي" نسبة إلى المغني الشعبي محمود شكوكو.كانت السينما قد أخذت تقلل شيئا فشيئا من تركيز أفلامها على قصص طبقة الذوات والأعيان لتفسح مجالا لأفلام تتناول حياة الحارة الشعبية وطبقة الأفندية الوسطى، أو البرجوازية الصغيرة.فإلى جانب "ليلى بنت الذوات" تظهر "ليلى بنت الفقراء"، ولكن غالبية مواضيع الأفلام الشعبية تم تناولها بوعي برجوازي مزيَّف ومزيِّف للواقع، من خلال إبراز صورة الباشا، وتبرير التفاوت الطبقي كسنة للحياة، ومديح قناعة الفقراء بفقرهم بل والتركيز على إظهارهم وهم سعداء ببؤسهم. ويعود ذلك إلى أن معظم كتاب ومنتجي ومخرجي المسرح والسينما كانوا من أبناء الذوات، المصريون منهم أو المهاجرون الشوام أو اليهود والمقيمون الأجانب. والحال إن الواقع المصري كان يغلي بالتناقض الطبقي والثقافي. بالغضب والسخط على الفساد السياسي والأخلاقي في الأحزاب والبلاط، حيث غرق الملك فاروق في فجوره مقامرا سكيرا يرتاد "كازينوهات" اللهو والقمار. وتواترت الاغتيالات السياسية وزرع القنابل والمتفجرات في الأماكن العامة، وقام الفلاحون الأجراء بحالات تمرد وعصيان عديدة ضد باشاوات الإقطاع. وبالتالي لم يكن سؤال التغيير يدور عن لماذا وإنما كيف ومتى؟!
كان المثقف الإسلاموي حسن البنا، مؤسس أول حركة سياسية إسلاموية، قد قتل اغتيالا بالرصاص على يد"الحرس الحديدي" الملكي في 12 فبراير 1949 بعد أقل من عام على حل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالها وعقاراتها واعتقال أعضائها. وكان حزب الوفد بقيادته الإقطاعية ومثقفيه الليبراليين فاقداً لشرعيته الوطنية والشعبية، بعدما انصاع لرغبة الاحتلال، وتحالف مع القصر استرضاء للملك، ليصبح حزب السلطة 1951، وأداة لخدمة مصالح رجالاته من باشاوات الإقطاع وكبار التجار والملاك، والمضاربين في البورصة. بينما كانت أفكار المعارضة الوطنية السرية، السلمية والعنفية، ضد النظام والاحتلال، تنتشر بين طلاب الثانويات والجامعة، الذين توزعت انتماءاتهم السياسية الفكرية المختلفة ما بين الليبرالية الوطنية والإسلاموية الإخوانية، والشيوعية الماركسية.
في المحيط العربي، في مشرقه، كان مشروع "الثورة العربية الكبرى" قد تجمد في نظامين ملكيين عميلين للإنجليز في كل من الأردن والعراق، فيما سوريا تتنازعها الانقلابات العسكرية المتوالية. وكان الجنرال البريطاني غلوب باشا في الأردن هو قائد جيش "الثورة العربية الكبرى". والملك عبدالله يفاوض اليهود سرا عارضا اقتسام فلسطين معهم.
وعندما انتهت حرب 48 عاد عبد الناصر ورفاقه، بمعية الجيش المصري"العائد من فلسطين بجرحه إلى شعب موجوع بعلل اقتصادية واجتماعية وسياسية.. "حسب تعبير محمد حسنين هيكل. كما عادت بجرح الهزيمة نفسها جيوش الأردن وسوريا والعراق، كما عاد المتطوعون العرب الذين حاربوا في فلسطين تلبية لفرض الجهاد. فانفتحت الجراح على الجراح في أنحاء الجسد العربي العليل الطريح.جراح الاحتلال والتبعية والاستبداد والاستعباد والفقر والجهل...وهي جراح ليست ألما صرفا، فلها تفاعلاتها وأفاعيلها. احتبالاتها ومخاضاتها، فولاداتها. بمعنى أن العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية تضافرت، خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانطلاقة حركة التحرر الوطني، في تشكيل ظروف موضوعية ناضجة ومنضِّجة لتغيير جذري عاصف، ستطيح برؤوس عديد من الأنظمة العربية "الرجعية"، في سياق حركة "تقدمية" محمولة على أفكار عصر النهضة من منظور الفكرة القومية، بجناحيها الرئيسيين: الناصري والبعثي. والبعث برأسيه: السوري والعراقي، علاوة على تيارات وأحزاب قومية أخرى. وكان جميع مثقفي القومية العربية ومنظريها يجمعون على رفع راية العروبة عنوانا لمشروع وحدة الأمة واستعادة مجدها الحضاري الغابر. وبقيام الثورة الناصرية، وإعلانها الدستوري باعتبار المصريين شعبا عربيا يشكل جزءاً من الأمة العربية، أصبحت مصر "كعبة" للعروبة وعبد الناصر قائدا للأمة، من المحيط إلى الخليج، ولينبثق الشعار ـ الثالوث: حرية اشتراكية وحدة، وقد اختلفت أحزاب وأنظمة قومية في ترتيب أولوياته حسب مشروعها السياسي أو حتى نكاية ببعضها البعض، بسبب العداء القطري لبعضها البعض أو التنافس السياسي على "قيادة الأمة" مثلما حدث ما بين البعث والناصرية، وبين البعث السوري والبعث العراقي..!
في مصر الناصرية، كانت ثورة 23 يوليو بمثابة إعلان مدوي عن نهاية عصر المثقفين العرب الليبراليين. سواء في مصر، أساسا، أو عبر امتدادهم في العالم العربي، في بلاد الهلال الخصيب، خصوصا.
لقد تفككت الثقافة الليبرالية، بعدما انهار مشروعها السياسي في ظل الوصاية الكولونيالية في مصر. فأعلن معظم المثقفين الليبراليين ولاءهم للثورة الناصرية وأيديولوجيتها القومية، قلة عن قناعة، مثل طه حسين، الذي، كما جاء في مذكرات زوجته، أصيب بحالة إغماء عندما تلقى نبأ قيام ثورة 23 يوليو، لكنه محضها تأييده فيما بعد. وكثير من المثقفين الليبراليين أيدوها من باب التملق والانتهازية، مثل توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، أنيس منصور، فؤاد زكريا، جلال الحمامصي، وعلي سالم، وكثيرون غيرهم، ممن سيكشفون عن حقيقة موقفهم المعادي للثورة الناصرية والقومية العربية، ما أن ينقلب السادات على مشروع عبدالناصر القومي، الذي جسد، لأول مرة، خطاب القومية العربية في مشروع سياسي قائم في أكبر دولة عربية.
كان عبد الناصر، قبل ان يكون ضابطا عسكريا ومدرسا استراتيجيا في الكلية العسكرية، مثقفا نهضويا ثوريا، فيه من الطهطاوي ومحمد عبده من جهة الإصلاح الإسلامي، ومن أحمد عرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد، في نزعتهم الوطنية، ومن الكواكبي ومحمد رشيد رضا وساطع الحصري لجهة العروبة والفكر القومي، ومن قاسم أمين في رؤيته لحرية المرأة، علاوة على نزعة اشتراكية وسطية، ومسحة علمانية إسلامية، وروح ليبرالية ثقافية. ثم إن الأبعاد الفكرية السياسية المختلفة، من وطنية وإسلامية وليبرالية ويسارية، كانت منعكسة في تنظيم الضباط الأحرار. ورغم غياب الحياة السياسية الديمقراطية، فإن عبدالناصر لم يكن انقلابيا شموليا دمويا، كما كان حال قادة الانقلابات العربية القومجية، الذين تمسحوا به لاحقا. وكانت شعبيته ساحقة داخل مصر، بسبب سياسة الإصلاح الزراعي ومكاسب العدالة الاجتماعية والاقتصادية. كما كان يحظى بشرعية شعبية عربية كاسحة "من مراكش للبحرين.. " حسب الشعار الجماهيري الرائج وقتها.
وعلى الرغم من أن عبدالناصر لم يربح حربا (بالمعنى العسكري) منذ حصاره في الفلوجة الفلسطينية حتى هزيمة جيشه في 1967، فإنه كان ولا يزال محبوبا عند معظم العرب، في صورة البطل التراجيدي الذي طعنه الشقيق في ظهره قبل أن يطعنه العدو في صدره. وقد قيل في ذلك إنه مات في 5 يونيو، لكن وفاته أعلنت في 28 سبتمبر 1970.
والحال أن المثقفين القوميين العرب (ناصريين وبعثيين ويساريين) سكتوا عن الاستبداد المرعب لعديد الأنظمة العربية الفاشية، الحاكمة باسم الحرية والاشتراكية والوحدة، بقائدها الأوحد وحزبها الأوحد وأجهزة مخابراتها وقمعها التي لا تحصى. بل إن معظم المثقفين القوميين العرب انخرطوا في تزيين أنظمة الانقلابات القومجية الفاشية، ومديح طغاتها المستبدين، والمتنافسين على وراثة زعامة الأمة الشاغرة برحيل عبد الناصر. فابتدعوا لهم ألقاباً حسنى متعددة الأغراض: أمين القومية العربية.. قائد الضرورة التاريخية.. الصقر الأوحد.. فارس العرب! وسّموا هزائمهم العسكرية نصرا مبينا.. وتنكيلهم بشعوبهم تطهيرا للأمة من أعداء القومية العربية.. وتفقيرهم لشعوبهم عدالة في التوزيع.. وكراهية شعوبهم لهم عشقا صوفيّا!
بظهور السادات ظهر الباشاوات وكبار الملاك من جديد، وبالتالي ظهر المثقفون الليبراليون وهيمنوا على المشهد الثقافي والإعلامي. فأطلقوا العنان لحقدهم الدفين على عبدالناصر والناصرية والعروبة. ونفضوا الغبار عن أفكارهم الانعزالية القديمة عن "مصر أولا" ومصر الفرعونية ومصر المتوسطية. وزينوا للسادات انقلابه على الناصرية، وسياسة انفتاحه العشوائية، وارتمائه في حضن الاستراتيجية الأمريكية. ثم طوّبوه بطلا للحرب والسلام، بعدما استغل نصر العسكرية المصرية، والتضامن القومي العربي، في حرب أكتوبر 1973، أسوأ استغلال، إذ هبط عند "عدو الأمة العربية" مراهنا على عزف منفرد لمقطوعة سلام مع بني صهيون.فعادت إلى مصر أرضها، لكنها بشروط مكبلة توفر التفوق العسكري لإسرائيل، كما توفر لها ضمانات أمنية استراتيجية يجعلها لا تفكر في الخوف من أي خطر محتمل من جهة مصر لزمن طويل.والأهم ان المقامرة الساداتية ضمنت للدولة العبرية طرح مصر خارج معادلة الصراع القومي العربي ـ الإسرائيلي، مما سمح لها أن تغزو لأول مرة عاصمة عربية (بيروت) بعد مضي نحو ربع قرن على غزو القدس!
وباغتيال السادات على منصة 6 أكتوبر 1981، أعلنت الأصولية الإسلامية خطاب عنفها وتكفيرها للسلطة والدولة، ثم المجتمع لاحقا.وبسقوط بيروت وخروج المقاومة الفلسطينية، نهض الإسلام الشيعي الاستشهادي على أنقاض تفجير مقر القوات الأمريكية والفرنسية ومقر المخابرات الإسرائيلية، إيذانا بنهاية، أو اندحار، الخطاب القومي/اليساري، وانبثاق الخطاب الإسلامي الجهادي!