لا تنوي القوى الدولية المعنية بتطبيق القرار الدولي الرقم 1559 إراحة سورية في المرحلة المقبلة. وهذا ما يشهد عليه دفق التصريحات المتواصلة عن ضرورة التطبيق السريع لهذا القرار، او «الفوري» سواء من نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد، أو من السفير الفرنسي في بيروت برنار ايميه أو من المسؤولين في اميركا وفرنسا الذين لا يفوتون مناسبة للتذكير به.
وفيما يعود إصرار واشنطن وباريس على تكرار التمسك بالقرار 1559 الى اقتناع المسؤولين في كل منهما بأن كل حركة قامت بها سورية حتى الآن في لبنان، معطوفة على تحركها الخارجي، هدفها «كسب الوقت» لا أكثر، فإن طريقة الإلحاح الدولي على تنفيذ القرار، لا تخفي على الإطلاق ان التوافق الدولي في شأنه، كان على خلفية اعتماده وسيلة ضغط مستمر على دمشق هدفها تجريدها من «الورقة اللبنانية»، والحؤول دون ان تستخدمها في المشهد الإقليمي.
وتتفق قوى لبنانية محلية مع القوى الدولية هذه على التشخيص القائل ان سورية تسعى الى كسب الوقت. وهذا ما يفسر طريقة تعاطي قوى محلية مع تكليف نائب وزير الخارجية السوري السفير وليد المعلم بالاتصالات السياسية مع لبنان، ثم رد فعل الموالين لسورية على هذا التعاطي. وينبئ كل ما يحصل بجولة تصعيد جديدة على الساحة اللبنانية. بل ان بعض المواقف ينذر بأن الصراع في لبنان قد يصبح بلا سقف او ضوابط.
يعيش لبنان والدور السوري فيه، متأرجحين بين ثلاثة سقوف للتعاطي الدولي والمحلي معهما، ولذلك فهما يبدوان بلا سقف.
فالسقف الأول هو قانون «محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان» الذي وضعه الكونغرس الأميركي بتأييد من ادارة الرئيس جورج بوش. وهو سقف يتيح لأميركا فرض عقوبات على سورية، بل هو يتيح للمتطرفين فيها من المحافظين الجدد السعي الى خطوات عسكرية ضد دمشق، حرضوا عليها قبل اشهر قليلة لكنهم لم ينجحوا في إقناع الإدارة بها. وبدا ايضاً ان السقف العالي للمواجهة مع سورية في لبنان، وفقاً لهذا القانون قد جمّد، بدليل تراجع الحديث عن رزمة جديدة من العقوبات، نظراً الى ان إدارة بوش تفضل الآن البقاء على تعاون مع فرنسا (وأوروبا) في اطار القرار 1559. وفرنسا كانت عارضت العقوبات على سورية وقانون محاسبتها عند إقراره، وما زالت حتى إشعار آخر.
السقف الثاني هو القرار 1559. وهو سقف تفضله اوروبا، في كل الأحوال على قانون محاسبة سورية، فضلاً عن انها ترى فيه أحد تعبيرات قبول واشنطن بشيء من «التعاون الدولي» في معالجة الأزمات الإقليمية بدلاً من الأحادية، ومن ضمن مسار لمعالجة الخلافات بين الدولة العظمى وأوروبا، في القضايا الدولية التي يمكن الاتفاق عليها، مع إبقاء القضايا التي يصعب التفاهم عليها موضوع خلاف.
إلا ان سقف القرار 1559 يتطلب تفاوضاً على تنفيذه، مع سورية. فوجودها في لبنان له علاقة بالوضع في المنطقة وعملية السلام، فيما واشنطن وباريس تريدان الفصل بين المسألتين... وينقص هذا السقف إرادة دولية مجتمعة لطمأنة سورية الى ان انسحابها من لبنان لا يعني إهمال المسار السوري من عملية السلام واستعادتها الجولان. وتتجنب الدول المعنية التفاوض مع سورية حول تنفيذ القرار لأنها ترى ان دمشق تريد من هذا التفاوض إطالة امد بقائها في لبنان.
أما السقف الثالث فهو سقف اتفاق الطائف. وهو السقف الذي يمكن ان يكون عنوان التسوية بين سورية والموالين لها من جهة، والمعارضة المتصاعدة للنفوذ السوري في لبنان، حول انسحاب قواتها، خصوصاً ان فرقاء رئيسيين في هذه المعارضة يعتبرونه المرجعية لمعالجة هذه المسألة. بل ان المعارضين كانوا يختلفون على ما إذا كان يجب اعتماده مرجعية للتعاطي مع الانسحاب السوري، أو يفترض التعاطي مع الانسحاب على اساس القرار 1559، فحسم الأمر في بيان المعارضة اول من امس لمصلحة الطائف. وسورية تقول بمرجعية الطائف. لكن الخلاف يبقى هو هو: هل هو مرجعية لبقاء سورية في لبنان ام انه مرجعية لانسحابها؟
ان سقف الطائف هو الذي ينقذ اللبنانيين وسورية من اهوال السقفين الآخرين ومخاطرهما وباستطاعة سورية ان تبادر الى تحقيق تسوية تحت هذا السقف.
- آخر تحديث :










التعليقات