في التاسع من كانون الثاني (يناير) انتخب الفلسطينيون محمود عباس رئيسا للسلطة الفلسطينية. وفي الثلاثين من الشهر ذاته توجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع لينتخبوا جمعية وطنية. وجرى الترحيب بعمليتي الانتخاب بوصفهما خطوات مظفرة نحو الديموقراطية في العالم العربي وتأييدا لحملة الرئيس جورج بوش من أجل «سيرورة الحرية إلى الأمام». فما هو الواقع الفعلي لهذه الانتخابات، وعلام صوّت الفلسطينيون والعراقيون فعلاً؟
لقد جرت الانتخابات في الحالين في ظل الاحتلال الأجنبي. ما يعني بالضرورة أنها لم تكن سليمة ولا شرعية بكل معنى الكلمة. وفي العراق على وجه الخصوص لم يكن هناك سوى بضع مراكز اقتراع وقليل جدا من المراقبين الأجانب، في حين كان عددهم بالآلاف في انتخابات اوكرانيا. وكان الكثير من العراقيين يخشون ألا يحصلوا على بطاقات التموين الشهرية إذا لم يشاركوا في الانتخابات. وقال بعضهم إنه طُلب إليهم التوقيع على سجل اقتراع الناخبين قبل أن يتسلموا حصتهم التموينية.
ومع ذلك فإن أولئك الفلسطينيين والعراقيين الذين قرروا الإدلاء بأصواتهم وأولئك الذين استطاعوا الوصول إلى مراكز الاقتراع رغم المصاعب والأخطار إنما فعلوا ذلك لسبب مهم ورئيسي هو الخلاص من المحتلين.
لقد انتخب محمود عباس لأن معظم الفلسطينيين يأملون بأن تكون مقاربته القائمة على اللاعنف من شأنها أن تؤدي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من المدن والقرى الفلسطينية، وإلى إزالة مئات الحواجز التي جعلت الحياة العادية مستحيلة. كذلك الأمر بالنسبة للعراقيين، سواء الذين شاركوا في الانتخاب أو مكثوا في دورهم، فإن ما يطمحون به هو نهاية الاحتلال وجلاء القوات الأميركية.
ذلك أن الحياة في ساحة القتال سواء بالنسبة للفلسطينيين أو العراقيين كانت جحيما. فلقد دمرت مدنهم وسحقت مؤسساتهم وزرع الموت شوارعهم. فقد قتل ما يزيد عن 4 آلاف فلسطيني بينهم الكثير من الأطفال خلال السنوات الأربع الماضية وعدد لا يحصى من الجرحى. وأما في العراق فعدد القتلى من المدنيين يحسب بعشرات الآلاف، بل أن بعض التقديرات تشير بأن هذا العدد قد يبلغ مئة ألف.
ولعل ما يطمح به الفلسطينيون والعراقيون هو أن تأتي حكومة تحقق استتباب الأمن والنظام وتوفر الخدمات الأساسية كالماء الجاري والكهرباء وتتيح لهم التفرغ للمهمة الشاقة والمكلفة التي هي إعادة الإعمار. إنهم يريدون أن يجدوا عملا ويوفروا الغذاء لعائلاتهم. يريدون إرسال أولادهم إلى المدارس دون أن يخافوا عليهم من رصاصة طائشة تصيبهم في الملاعب أو في طريق العودة إلى المنزل.
وهم يريدون أيضا حكومة تستطيع الضغط على المحتل كي يفرج عن السجناء (حوالى عشرة آلاف فلسطيني في السجون الإسرائيلية وعدد مماثل أو أكبر من العراقيين في السجون التي يسيطر عليها الأميركيون).
لذلك فإن الاقتراع في كلا المجتمعين كان اقتراعا على التطبيع وعلى السلامة وعلى نهاية الصدمات الاضطرابية التي تسببها الحرب وتبعات الاحتلال، وعلى مخرج من الأزمات العاصفة الاقتصادية والاجتماعية. ذلك ما اقترع الفلسطينيون والعراقيون من أجله، لا من أجل «ديموقراطية» على الطراز الأميركي التي ليس لها أي معنى في ظل الظروف القاسية التي يعانونها.
وإذا ما توفر قدر يسير من الحياة الطبيعية، أي إذا ما ساد جو من الهدوء النسبي في الأراضي الفلسطينية وتوقفت المقاومة في العراق، فسوف تظهر عندئذ طموحات بأهداف إضافية كالاستقلال والسيادة والوحدة الوطنية. غير أن هذه الأهداف أصعب منالا لأنها تتعارض مع أغراض المحتل الاستراتيجية.
فلقد أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون بوضوح أنه يريد أن يحصر تعاونه مع الفلسطينيين في الشؤون الأمنية. فهو يرفض الدخول في مفاوضات بشأن مسائل «الوضع النهائي» كالحدود واللاجئين والمستوطنات ومستقبل القدس الشرقية، إذ أنه لم يتخل عن طموحاته التوسعية في الضفة الغربية. وكل ما يريده من محمود عباس هو أن يمنع الهجمات الفلسطينية على الإسرائيليين. وأما في العراق فيبدو جليا أن أميركا لم تتخل عن طموحاتها في إقامة القواعد والسيطرة على النفط وعلى إعادة الإعمار وفي تعيين حكومة صديقة للولايات المتحدة وإسرائيل، وبعبارة أخرى فإن هدف واشنطن هو تحويل العراق إلى دولة عميلة مع تواجد عسكري أميركي على الأمد البعيد.
ولعل المشكلة أنه إذا ما استمرت أميركا وإسرائيل على مواقفهما فلا بد أن ينشب القتال بصورة أو بأخرى من جديد. فالمقاومة لن تتوقف في العراق ما لم تنسحب القوات الأميركية، وإن كانت ستتعرض للاضمحلال إذا ما تجمعت خارج المناطق المأهولة. وأما في الأراضي الفلسطينية فإن إمكانية ظهور «أفق سياسي» هي وحدها الكفيلة بإنهاء الانتفاضة.
يخوض شارون معركة مع حركة المستوطنين بشأن خطته لسحب 1500 أسرة يهودية من غزة. وهي خطوة أولى جوهرية نحو السلام، وإن كانت صغيرة جدا، ذلك أنه لكي يتم الوصول إلى حل قائم على وجود دولتين، ولكي يتوصل الفلسطينيون وإسرائيل إلى تحقيق السلام والأمن عن طريق اتفاق تعاقدي، لا بد من إزالة معظم المستوطنات التي تأوي أكثر من أربعمائة ألف يهودي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وإعادة توطين هؤلاء في إسرائيل.
وأما إذا لم تتوفر حكومة مستعدة لمواجهة حركة المستوطنين المسلحة القوية النفوذ وطردهم من الأراضي الفلسطينية، فإن المقاومة الفلسطينية العنيفة لا بد أن تعود إلى الظهور عاجلا أم آجلا. ولا شك أن أميركا تتحمل مسؤولية كبرى في السماح بتزايد المستوطنات وتوسعها عبر السنين لأن معظم المراقبين طالما أكدوا بأن المستوطنات هي العقبة الرئيسية أمام السلام.
لعل المهمة الفورية التي على الزعماء السياسيين تحقيقها في العراق والأراضي الفلسطينية هي السعي إلى تحقيق قدر من الوحدة الوطنية. فإذا كان لمحمود عباس أن ينجح في إقناع جماعة المقاومة كحماس وسواها بالتخلي عن الكفاح المسلح، عليه أن يشركهم في حكومته. أما في العراق فالوضع أكثر تعقيدا لسببين رئيسيين. الأول لأن الأكراد في الشمال يتوقون إلى تدعيم استقلالهم عن بغداد والسيطرة على كركوك الغنية بالنفط، الأمر الذي يجعلهم في مواجهة مع العراقيين العرب ومع تركيا التي هددت بالتدخل. والسبب الثاني هو أن الانتخابات سوف تؤدي عمليا إلى تحويل السلطة من الأقلية السنية التي كانت الحاكم التقليدي للبلاد إلى الأكثرية الشيعية التي اقترن تاريخها بالتعرض للقمع. وقد دفع الخوف أهل السنة من أن تُنزع منهم السلطة وأن يهمشوا ويضطهدوا، فقاطع معظمهم الانتخابات ولجأت المقاومة إلى الإرهاب كي تمنع إجراءها.
لذلك لا بد للجمعية الوطنية العراقية التي تم انتخابها يوم 30 كانون الثاني الماضي أن تعالج هذا الوضع البالغ الصعوبة. وستكون مهمتها الأولى اختيار حكومة مؤقتة يرجح أن تكون ائتلافا لثلاث كتل: قائمة الشيعة الرئيسية (التي تضم حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) وقائمة رئيس الحكومة المؤقتة إياد علاوي التي تسودها النزعة العلمانية، والأكراد. كذلك سيتم اختيار مجلس للرئاسة مؤلف من رئيس ونائبي رئيس، وقد بدا الصراع على السلطة منذ الآن وراء الستار.
وأما دور الحكومة المؤقتة فسيكون إعداد مشروع للدستور في شهر آب (أغسطس) القادم يتم طرحه على الاستفتاء الشعبي في تشرين الأول (أكتوبر) ثم تجرى انتخابات لاختيار حكومة في نهاية السنة. وما لم يتم إدخال الأقلية السنية في هذه العملية السياسية بصورة أو بأخرى فسوف تسعى بطبيعة الحال إلى عرقلة هذه العملية بكل الوسائل الممكنة بما فيها العنف.
وكما أن على محمود عباس أن يفاوض الجماعات الإسلامية والعلمانية لإقناعها بتأييد مقاربته السلمية الهادئة فإن على أي حكومة جديدة في العراق أن تتفاوض مع مختلف تيارات المقاومة العراقية، بما فيها حزب البعث والجماعات الإسلامية وخلايا الضباط السابقين. ولا يحتمل لأي من هذه المفاوضات سواء في الأراضي الفلسطينية أو في العراق أن تنجح، كما أنها لن تجلب الأمن والنظام لأي فترة زمنية، إلا إذا اقترنت بطرح الانسحاب الإسرائيلي والأميركي.
*خبير بريطاني بشؤون الشرق الأوسط.













التعليقات