كتب - راكان السعايدة - بدأت مناقشات «النواب» للموازنة، في يومها الأول (أمس) على خطاب نيابي «هادئ» خلا من أية سخونة تذكر باستثناء مداخلة «قوية» تلاها النائب عبد الرحيم ملحس كان شكلها ومضمونها أقرب للخطاب السياسي منه للخطاب الاقتصادي المستند إلى تحليل الأرقام الواردة فيها، وإن مزج بين الواقع السياسي وأثره على الواقع الاقتصادي، وهو خطاب جاء شديد «القسوة» على الأداء في الواقعين (الاقتصادي والسياسي).
واقترب من هذا الخطاب، إلى حد ما، النواب مصطفى الشنيكات وعاطف الطراونة ومصطفى الجداية وسليمان أبو غيث ومصطفى العماوي، وإن كان تركيز الشنيكات على لغة الأرقام أكثر من غيره، فهو يرى أن «العجز الحقيقي في الموازنة قبل احتساب المنح والقروض يصل إلى مليار و(60) مليون دينار». وهذا عند الشنيكات «نذير شؤم» وأمر «مقلق» لا يمكن إغفاله أو تجاوز تبعاته.
وخطاب النواب، أمس، كان يحاول، بشكل واضح، الفصل بين شخص رئيس الوزراء الذي عبروا عن تقديرهم واحترامهم الكبيرين لشخصه، وبين نقدهم «اللاذع» لأرقام الموازنة «وسخطهم» على الواقع الاقتصادي بكليته، باعتبار أن الهموم الوطنية في مجالات (الفقر والبطالة والغلاء...) ما زالت قضايا مُعاشة، ولا مؤشرات جدية على الخلاص منها، أو على الأقل تخفيف أثرها بشكل يلمسه المواطن.
وباستثناء هذه الكلمات (أو المداخلات) فإن لغة النواب لم تخرج كثيرا عن سياق اللغة الهادئة، وكان واضحا أن كثيرا من النواب يلجون إلى الحديث في العموميات، ويتجنبون الحديث في التفاصيل والمفاصل «هربا» من كلام، قد يكون قاسيا، يحرجهم مع الحكومة، لعدم تخصص كثير من النواب في الشأن الاقتصادي، وفقا لمراقبين.
ولغة النقد هذه المرة، طالت النواب أنفسهم، فجاء خطاب النائب نايف ابو محفوظ شديد الحدة في وقعه على النواب عندما قال أن «كثيرا من الانتقادات التي توجه إلى رئيس الوزراء وحكومته لقرارات تتخذها الحكومة سببها الضغوط التي تمارس عليه وعلى حكومته من قبل قوى نيابية وسياسية تعلم جيدا ومقتنعة بعد شرعية ومشروعية هذه الطلبات..» وتمنى أبو محفوظ على النواب «الارتقاء بالعمل النيابي ليكون على مستوى الوطن ولمصلحته».
إن الخطاب ولغة مناقشة الموازنة الذي ساد في اليوم الأول، كما يقول نواب، يشبه حد التطابق الخطاب واللغة التي سادت إبان مناقشات الموازنة (أو الموازنات) السابقة من حيث الشكل والمضمون، فقضايا (محاربة الفقر والبطالة، والحد من رفع الأسعار، والتوقف عن فرض ضرائب جديدة، وتحسن أدوات تحصيل المفروض منها، ومكافحة الفساد والمفسدين، ووضع حد للترهل الإداري، ومحاربة المحسوبية والشللية، ورفع الحد الأدنى للأجور.. وغيرها)، ما زالت هي القضايا التي تقوم عليها بُنية الكلمات والمداخلات عند مناقشة أي موازنة، وإن غاب هذه المرة النقد الذي كان يطال برنامج التصحيح الاقتصادي الموضوع من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين.
ويتحدث مراقبون عن مأخذين في خطاب النواب أمس، الأول: الخلط بين مناقشات الثقة بالحكومة التي تتناول كل المجالات (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية) عند التحليل وأخذ الموقف، وبين مناقشة الموازنة التي تأخذ البعد الاقتصادي دون سواه كأولوية في الخطاب، غير أن المناقشات، أمس، طالت قضايا سياسية على رأسها الخلاف بين الحكومة والنقابات وكانت أكثر لغة في بحث هذا الأمر هي لغة الشد على يد الحكومة في وقف عمل النقابات عند حدود المهنة وعدم السماح لها في التجاوز إلى العمل في السياسة.
ومما يدلل على سياسية الخطاب أيضا أن تقدمت قضايا الانتخابات والوضع السياسي والأمني في العراق.. وما يحيط القضية الفلسطينية من احتمالات وآفاق (...) على ما يفترض أن النواب في صدد مناقشة (الموازنة).
ويقول نواب كان ذلك مبررا لو أن من تصدوا للحديث في شؤون وظروف سياسية محلية وإقليمية نبهوا إلى الانعكاس الحقيقي لهذه الظروف على الواقع الاقتصادي الوطني بدل جلد الذات، أو على الأقل قدموا حلولا تعين الدولة على مواجهة استحقاقات تلك الظروف وتبعاتها التي تضع الاقتصاد الوطني في حالة تداع مستمر.
والأمر، أو المأخذ، الآخر: أن النواب الذين يستهلون مداخلاتهم بالحديث عن الواقع والظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الاقتصاد الوطني يضعون أيديهم على مواقع الخلل وأسبابه لكنهم لا يحاولون طرح حلول جدية أو واقعية قابلة لمعالجة الواقع.
فما يزيد الأمر تعقيدا ويُغرق من يراقبون المشهد في الحيرة أن الحديث عن العجز في الموازنة ينتهي في المداخلات، وبشكل دائم، على عشرات المطالب لدوائر النواب الانتخابية التي لو أرادت الحكومة أن تنفذها لاحتاجت إلى موازنات من عشرات المليارات. وهذا ما يجعل مراقبين يقولن أن الخطاب أو بعض الخطاب النيابي في الموازنة يعاني من حالة مستعصية.
ويدلل هذا النوع من الخطابات، برأي نواب، على أن الهم النيابي ليس البحث عن «المأزق» في الاقتصاد الوطني ومحاولة إيجاد لغة مشتركة وحالة شراكة بين مجلس النواب والحكومة وقوى المجتمع المدني للخروج من هذا «المأزق»، وإنما هذه الخطابات تبحث عن النجومية عند القاعدة الانتخابية والرأي العام من خلال النقد والتشريح في مغزاه السياسي. كما يبدو أن الدور الخدمي يحتم على أصحاب هذا الخطاب الحديث في لغة المطالب الخدماتية للقواعد الانتخابية رغم فهم وقناعة يتم تجاهلهما عن قصد أن مجلس النواب يستطيع، وفقا للدستور، أن يخفض النفقات في الموازنة لكنه لا يستطيع زيادتها.
ومعنى ذلك أن المطالب من مشاريع طرق أو مدارس أو مراكز صحية ..وغيرها، إن لم يكن منصوص عليها في بنود الموازنة التي أقرتها اللجنة المالية والاقتصادية في مجلس النواب فلن تنفذ..
وهذا يثير عند مراقبين تساؤلات .. ما مغزى أن يطلب النواب لدوائرهم الانتخابية مطالب لن تنفذ؟ وهل القضية مجرد إرضاء الناخبين عبر طرح مطالبهم من خلال الصحف وشاشة التلفاز، باعتبار أن الفئات الشعبية لا تدرك أن ما يضمن من فوره في الموازنة لن ينفذ؟.
يعتقد مراقبون أن الخطاب النيابي في مناقشات الموازنة العامة، كما في مناقشات الثقة، خطابا إعلاميا هدفه «دغدغة» مشاعر جمهور الناخبين، ودون أن تعني قوة الموقف النقدي والتجريحي وجلد الذات في الخطاب أنه سينعكس ويترجم عند التصويت في اليوم الأخير من المناقشات بموقف معارض أو رافض للموازنة أو حجبا للثقة عن الحكومة إذا ما تعلق الأمر بالثقة في الحكومة (أية حكومة).
فالمراقبون الذين استمعوا يوم أمس لـ(26) مداخلة من (26) نائبا وتضمنت كثيرا من النقد المباشر (وغير المباشر) للحكومة يعون جيدا أن التصويت من بعض من كالوا النقد سيكون في صالح الموازنة، ما يعني للمراقبين أن (مدخلات) المناقشات تختلف (عن مخرجاتها)، وهي مسألة طالما لفتت نظر الكثير ممن يراقبون المشهد النيابي بكل تفاصيله.
ويبقى تساؤل المراقبين الدائم قائما ..هل سيكون الخطاب النيابي في مناقشات اليوم مختلفا عن مناقشات الأمس؟
- آخر تحديث :












التعليقات