في الأسابيع القليلة الماضية، سرت أخبار حول اعتزام إدارة بوش، مضاعفة قيمة الجائزة المعلنة مقابل القبض على أسامة بن لادن، من 25 مليون دولار، إلى 50 مليوناَ. ومع أنني أتفق تماماً مع تعديل قيمة الجائزة المذكورة، إلا أن من رأيي أن الإدارة قد أخطأت في تحديد الرقم المناسب. ذلك أن الواجب على الإدارة، أن تعلن تخفيضها لقيمة الجائزة من 25 مليون دولار إلى فلس واحد، وإلى جانبه صورة تذكارية لجورج بوش. وفي الوقت ذاته، على الإدارة أن تخفض قيمة جائزة القبض على أبو مصعب الزرقاوي المعلنة، من 25 مليون دولار، إلى "فلس" واحد لا أكثر، وإلى جانبه صورة تذكارية لنائب الرئيس ديك تشيني.
وأرجو ألا يخطئ فهمي أحد. فأنا أعلم أن كلا الإرهابيين المطلوبين، قد أزهق أرواح الآلاف من الناس، وأريد أن يقبض عليهما، حيين أو ميتين، على أنني أفضل الموت لهما على الحياة. وفيما لو اعتقدت أنا شخصياً أن 100 مليون دولار تكفي لاقتناصهما، لانبريت بنفسي لهذه المهمة. غير أن الواضح أن هذه الجوائز الكبيرة المعلنة لا تؤدي غرضها، إن لم تكن ترسل الرسالة الخطأ في الكثير من الأحيان. فالواضح أن كلا الرجلين مصاب بداء جنون العظمة، الذي يدفعهما للاعتقاد أن العالم كله يقف على قدم واحدة، في انتظار كل كلمة ينطقانها، أو أي شريط فيديو جديد يصدرانه. وكل الذي نفعله حتى الآن هو أننا نغذي فيهما هذه النفسية المريضة، ونؤكد لهما كم هما مهمان، حين نخصص مبلغاًَ مالياً بقيمة 25 مليون دولار مقابل رأس كل واحد منهما، بل وحين نضاعف هذا المبلغ في حالة إلقاء القبض على أسامة بن لادن! أما في العالم العربي، فإننا إنما نرفع بذلك من شأنهما، ونقدمهما للشارع الإسلامي، باعتبارهما بطلين صنديدين، ينازلان الولايات المتحدة وحدهما، فنشجع بذلك غيرهما من المهووسين بجنون العظمة، وندفعهم دفعاً إلى السير على ذات النهج. لذلك فإن علينا أن نفعل العكس تماماَ، ونظهر لهذين المهووسين، أنهما لا قيمة لهما، وأنهما لا يساويان أكثر من فلس واحد.
ولكن هناك مسألة أكثر أهمية ومبدئية، أصبحت عرضة للخطر الآن. أعني بذلك، أن من الواجب أن نقتنع بأنه ليس علينا أن ندفع للعراقيين أو العرب أو الباكستانيين من أموالنا، كي يتخلصوا هم من مشكلاتهم. ذلك أن أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي، هما سبة ووصمة في جبين حضارتهما ذاتها. وفي إلقاء القبض عليهما، معنى ذو قيمة حقيقية للعرب والمسلمين ولنا أيضاً، بل للعالم كله، شريطة أن يتم إلقاء القبض هذا، على يد العرب والمسلمين أنفسهم، في مسعى منهم لاستئصال هذا الورم السرطاني من جسد حضارتهم. وبالقدر ذاته، فإذا ما أقدم جيران كل من أبو مصعب الزرقاوي وأسامة بن لادن، على تسليم الرجلين مقابل لا شيء، فإن ذلك سيكون بمثابة إجراء رادع لكل من تسول له نفسه، السير على النهج الذي سار عليه الرجلان.
وبعد، فأية قصة ستفضل أنت مطالعتها، عقب إلقاء القبض على ابن لادن؟ سأقول لك:"لقد أحس ابن لادن بالذعر صباح اليوم، إثر تسليم القرويين المحليين له، إلى سلطات الشرطة المحلية، ثم استلموا مبلغ الـ 50 مليون دولار، ولاذوا بالفرار بوجوه ملثمة، خشية أن يتعرف أحد على هوياتهم. أو ربما تسمع بأنه قد جرى القبض اليوم على أسامة بن لادن، بعد أن قدم القرويون المحليون رشوة لقوات الشرطة المحلية. ذلك هو ما قاله أحمد محمد أحمد، للصحفيين مضيفاً: لقد أساء هذا الرجل للإسلام، باعتباره دين رحمة وتسامح. وإنه سيزج به في جهنم، إلى أسفل سافلين، عقاباً له على ما فعل".
ما سأفعله أنا بمبلغ الـ75 مليون دولار، الذي خصصناه جائزة كبرى لإلقاء القبض على أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي، هو أن أعقد منافسة مدرسية لطلاب وطالبات المدارس الثانوية العامة، في كل من المملكة العربية السعودية وباكستان وسوريا ومصر، حول كتابة أفضل مقال، على أن تكون صيغة استمارة المنافسة هي ما يلي:"في حدود 2000 كلمة، أكتب مقالاَ في أحد الموضوعين: 1- لماذا تعتقد أن العالم العربي الإسلامي، قادر على بناء وتحقيق نهج الحكم الديمقراطي النيابي، وكيف ترى إمكانية تحقيق هذا الهدف، عبر الوسائل السلمية، من داخل بلدك، ودون أية مساعدة أميركية أو أجنبية أياً كانت؟
2- أكتب مقالاً عن حياة أي من علماء ورياضيي وفلاسفة العصر الإسلامي الوسيط، وكيف أسهمت ابتكاراتهم واكتشافاتهم العلمية في تشكيل صورة عالمنا المعاصر".
أما الفائزون في هذه المسابقة، فسيمنحون تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، ومنحة دراسية جامعية مدتها أربع سنوات، بحيث يستطيعون فيها الدراسة في أي من الجامعات الأميركية، التي تقبل طلبات التحاقهم. وفي الوقت ذاته، سيتم نشر المقالات الفائزة، عبر شبكة الإنترنت، باللغات الإنجليزية والعربية والأوردو والفارسية والفرنسية. فماذا تعتقد أن في وسعه جعل أميركا أكثر أمناً وسلامة: أن نمنح مكافأة مالية كبيرة لشخص واحد فحسب، لقاء تسليمه أسامة بن لادن، أم إلحاق آلاف الطلاب العرب والمسلمين، بالجامعات والمدارس الأميركية؟.
وفي ظني أنه في وسعنا أن نطلق على هؤلاء الطلاب تسمية "علماء البن لادنية". عندها أستطيع أن أتخيل ابن لادن، وهو جالس في كهفه المظلم في مكان ما، بينما ينهمك بتأليف رسالته المرئية الصوتية المسجلة التالية، ثم يدرك فجأة، أن كل الأموال الأميركية التي رصدت لإلقاء القبض عليه وإزهاق روحه، قد خصصت لقتل أفكاره بدلاَ من قتله جسدياً! ليس ذلك فحسب، بل إن الأموال ذاتها، قد وجهت إلى تقريب شباب العرب والمسلمين أكثر فأكثر من الولايات المتحدة الأميركية، بدلاَ من إبعادهم عنها، كما كان يأمل ويخطط ويعمل! يا لحسرته حينها!.
إنني لأدرك مدى تعطش عائلات ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر للعدالة، وإلقاء القبض على المجرم، حين يتعلق الأمر بأسامة بن لادن بالذات. وإنني لأشاطرهم هذا التعطش والأمل، على أنني لا أرى عقاباَ أكثر ملاءمة له، من أن يقدم أحد جيرانه، على تسليمه يوماََ ما، مقابل فلس واحد، لا يزيد ثمنه عليه.
- آخر تحديث :












التعليقات