محمد نورالدين: أفرغ المسؤولون الأتراك كل ما في جعبتهم من مواقف حادة ضد سلوك الولايات المتحدة في العراق عشية الانتخابات وبعدها. فرئيس الحكومة رجب طيب أردوغان اتهم امريكا بعدم الحساسية تجاه المطالب غير الديمقراطية لبعض القوى العراقية، وعبدالله غول وزير الخارجية حذَّر من ان تركيا لن تقف متفرجة على ما يجري وأنها مسؤولة تاريخياً في تلك البقعة.
تدفع تركيا اليوم، ثمن “خطئها” في العراق، بتعبير بول وولفويتز، الرجل الثاني في وزارة الدفاع الأمريكية، بعدم مشاركة امريكا في الغزو.
وكان الصحافي المقرب من البيت الأبيض، وليم سافاير، قد توعّد تركيا بالفعل بدفع الثمن، بعدما رفض البرلمان التركي مذكرة الحكومة في الأول من مارس/ آذار 2003 فتح جبهة شمالية لاسقاط نظام صدام.
ومن بعدها، توالت الممارسات الأمريكية مع تركيا: حادثة السليمانية، التمنع عن اتخاذ اجراءات بحق مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي، وأخيراً الموافقة على طلب الأكراد السماح لمائة ألف كردي بالتصويت في كركوك.
أردوغان محق في التحذير من انتقال الحريق في العراق الى الشرق الأوسط، فانتقاداته تعبير بليغ عن ان واشنطن لا تأخذ بعين الاعتبار “الحساسيات” التركية في العراق. ومع ان زعماء أكراد العراق يرفضون، عن حق، تدخل تركيا في شؤون العراق الداخلية، فإن أحداً لم يعط مثل هذا الحق للولايات المتحدة، التي جاءت خلاف كل الأعراف والشرائع الدولية لتحتل بلداً وتعربد فيه كما لو انه ملك خاص لها. لذا فمن غير المقبول ان يتنطح مسؤول أمريكي في واشنطن ويقول لصحيفة “حرييت” التركية ان العراق ليس ملكاً لتركيا والعراقيون هم الذين يحددون مستقبله، فيما إدارته وراء البحار هي رأس المنتهكين لميثاق الأمم المتحدة.
ان تركيا على حق في انتقادها التفرد الأمريكي في تقرير مصير العراق، فالقضية العراقية خرجت من كونها قضية داخلية محضاً. وطبيعة التكوين الاجتماعي العراقي تعطي هذه القضية أبعاداً اقليمية حتمية.
لكن السؤال المطروح على أنقرة هو: لقد اعترضت وحظوظك أصبحت في مهب الريح، وجرت الانتخابات، وبمشاركة كبيرة تسبغ عليها شرعية شعبية ودولية. والقوى المشاركة والرابحة والداخلة الى البرلمان تمثل أكثر من 80 في المائة من الشعب العراقي. بعد هذا كله هل يمكن مقاربة الوضع في العراق، بكل أبعاده، من الزاوية نفسها التي كانت ينظر منها قبل سنتين، وفي ظل العجز عن تدخل الجيش التركي، المرفوض أصلاً حتى لو كان قادراً؟ لقد كان أكثر من 70 في المائة من الشعب العراقي وطوال عقود خارج السلطة، فكيف تسمح أنقرة لنفسها بإقامة علاقات جيدة مع النظام السابق ولا تفعل الشيء نفسه مع قوى الأكثرية الحالية؟
تدرك أنقرة ان اعترافها بنتائج الانتخابات ترسيخ للتحولات على الساحة العراقية وإقرار بهزيمة سياساتها العراقية، الكردية والفئوية، لكن ذلك يجب ألا يكون دافعاً للاستمرار بهذه السياسات، بل يستدعي إعادة النظر فيها.
إن أهم ما يجب ان يعرفه القادة الأتراك ان الانتخابات وإن جرت في ظل الاحتلال، فإنها خطوة لا بد منها لإنهاء الاحتلال. كيف؟ ان القرار 1546 رسم جدولاً زمنياً للتطورات السياسية ومنها الانتخابات وينتهي بانسحاب القوات المحتلة في نهاية هذا العام. وهل يعتقد أحد ان تيار علي السيستاني إذا وصل الى السلطة سيقبل استمرار الاحتلال؟ ان كل الظروف تتبلور في اتجاه انهاء الاحتلال. والولايات المتحدة نفسها تبحث عن مخرج لمأزقها في العراق، وهي اضطرت لإجراء الانتخابات لتبرير غزوها بعدما لم تجد أسلحة دمار شامل، الذريعة الأولى للغزو. ثم ان السيستاني، لا أمريكا، هو الذي طالب وأحرج وأرغم واشنطن على اجراء الانتخابات. لذلك، المطلوب من أنقرة إعادة قراءة الواقع الجديد في العراق وما يحتمله من آفاق لا تتعارض مع المصالح التركية، إذا كانت هذه تقتضي انهاء الاحتلال.
- آخر تحديث :













التعليقات