اكتشفنا فجأة أننا محروسون من كل جانب، وليتها كانت حراسة تحمي أرواح الأبرياء من السطو ونحر الرقاب، بل ان هذا الهم تداعى علينا من كل حدب وصوب، حين استيقظنا على مثل هذا الحصار ممن يعتقدون أنهم حرّاس الاسلام، ومن يعتقدون انهم حرّاس القيم، وغيرهم كثر يدعون محاربة الانحراف وحّرموا ما شاء لهم.
نسي هؤلاء ان مثل هذا الانفلات الخطير في انتشار صور الأوصياء علينا، وتبادل أدوار الوصاية كافة، انما هو منطق الفاشلين تماما، وان البيت الذي عجز عن إخراج نموذج للنجاح، سيخرج حتما وجها آخر للتفوق يحارب الحياة والمتغيرات، ويدعّي أن الصورة الواحدة والمنطق الواحد، هما اطار الرحمة لمن شاء له أن يدخل الفردوس.
حرّاسنا الذين تكاثروا، هم من مارسوا علينا خدعة كبيرة عندما تلثموا بشعارات الجهاد والذود عن الدين، هم من روعونا ونحروا مشاعرنا اكثر من مرة، بل خذلونا تماما وهم يزفّون الينا صور نحر الابرياء والكادحين، وبعضهم مسلمون ايضا، لا هدف لهم الا لقمة عيش.
هؤلاء الذين ربّوا اجيالاً أخرى على لغة النفي هذه، هم من هزموا منطقهم وحدهم، حين بدا هذا المنطق فظا وعدائيا، حتى في المحاورة، ونجد اكثرهم يتصيد الآخر، ويكيل له التهم، وإذا أراد حبسه في نقطة الادانة، يضع عليه لومة سب الاسلام.
هذه العدوانية، التي يكتنزها بعضهم، كأنه متربص لمعركة لا تعترف إلا بالسوط أو السيف، هي لغة بعيدة عن سماحة الاسلام، الذي هو في غنى عمن يحاول استخدامه إجازة لمشاريع القتل والسفك وإباحة دماء الأبرياء.
ولأن هذه التوجه لا بد أن يترك له ضحايا، فإن الضحايا لم يكونوا فقط من اختطفوا وقتلوا، واصبحوا في خبر كان، بل ان الجميع ضحايا مثل هذا الإرهاب، إرهاب الكلمة، وإرهاب الفكر والتأثير والتأثر.
هناك من يحرم مشاهدة التلفزيون، ومن يرى أن مجرد تسلية أطفاله في ألعابهم بدعة من بدع كثيرة اخترعت، وان من يأتي لمجرد ان يلقي محاضرة عن خطة استراتيجية علمية، ويل له ان استشهد ببعض الصور من التاريخ الاسلامي، فهي في نظر بعضهم مزيفة ولابد ان تكون كما يرونها من جانب تفسيرهم لا غيرهم.
على هامش ما نرى وما نسمع، فإن الحراسة على الخلق قد تنوعت وتعددت مصادرها ومبرراتها، وان مهمة دع الخلق للخالق لا تلقى اهتماما يذكر، فهناك من يظن أن مهماته لم تنته قبل أن ينظّف القيم بطريقته، وأن يوجد مجتمعاً له محددات هم من يخترعونها إن تولوا دفة الحكم، لكن الأكيد اننا لم ننس أن الحياة بأكملها يديرها حكيم قدير، وأن الحرّاس مهما تكاثروا وتعددت أسبابهم وأساليبهم فإن الحارس هو الله.