سنستعير عنوان قصة الكاتب الإنجليزي الشهير تشارلز ديكنز الذائعة الصيت قصة مدينتين عنواناً لعمود اليوم، ونحكي عن زيارة لمدينتين مختلفتين، مدينة تستعد للحرب، أو مهيأة لأن تدخل حروباً كثيرة، ومدينة أخرى أنهت كل شيء، وتفرغت لحالها، قد لا تهم تسمية المدينتين، وقد لا يعنينا مكانهما الجغرافي، ولا عدد سكانهما، ولا من هو الحاكم فيهما، المسألة التي تهمنا هي كيف تفكر هذه المدينة الساعية للحرب؟ وتلك المدينة الداعية للحياة؟ أين حدود العقل في الأولى، الذاهبة نحو هاوية الأشياء؟ وأين حدود العاطفة في الثانية، الذاهبة نحو روح الحياة؟ مدينة الحرب تستقبلك بمتاريس تشوه جمال الجغرافيا، وبحركة آليات وبجنود في كل مكان، حتى جنب محل بيع الزهور الصغير·
الناس متوترة تبحث عن اطمئنان في عيون القادمين، يفزعها حدوث أي ضجة، الريبة والتشكك يسبقان حديث الناس وخطوات سيرهم، تحس أن كل شيء فيها مؤقت وقابل للفقد، كل شيء فيها يمكن أن يمحى بلمح البصر، أو يشوه بحد أدنى ويعطب، وأن كل شخص يمكن أن يكون مشروع جثة ملقاة في الشارع، بطريقة غير آدمية، ثمة رائحة في الجو تحمل نَفَس الموت المجاني، والقلوب المفرغة من الرحمة، وأحلام مغامرة باتجاه الدم والافتراس الحيواني، يمكن في لحظات أن يتحول الضحية إلى جلاد، والجلاد إلى فطيسة، يمكن في لحظات أن تقود الفوضى كل الأمور، ويكشف عن ستر كل الأشياء، وتتعرى كل الأشياء، سيظهر منطق البيع والشراء، حتى الأشياء غير القابلة للمساومة، منطق اللصوصية واقتسام الغنائم هو المسيّر للأمور، من صغيرها إلى كبيرها، في مدينة الحرب تلك، كل شيء غال، إلا رصاص القتل وإنسانية الإنسان·
أما مدينة السلام والحياة، فيومها منذ أن يبدأ، فهو لها، ولناسها، وللزائرين على عجل، كل شيء فيها مطمئن، وقابل لأن يصبح مشروعاً تنويرياً وحضارياً يخدم المدينة وناسها، الكذابون فيها منعدمون، واللصوص من ذوي الياقات الزرقاء ممنوعون، والمرتشون لا يوظفون، والمتاجرون بالدين والوطن والأشياء النبيلة مذنبون، لا مطاعون، حديث ناس المدينة أقل، وعملهم أكثر، يمنع تواجد المتنطعين بينهم، والمشككين والمستسلمين والمستضعفين، لأنهم يعتبرونهم مداخل ضعيفة للشر، حرية الحياة مكفولة للناس، لأنهم بشر، وحرية التفكير والقول مكفولة، لأنهم مواطنون، شعارها ما يعمل هو لصالح الإنسان أولاً، وما لا يجب أن يعمل هو لصالح الوطن أولاً، في مدينة السلام والحياة تلك، كل شيء رخيص إلا الإنسان والقانون.
- آخر تحديث :













التعليقات