القاهرة من أمينة خيري: قلما يجتمع أصحاب الاتجاهات العلمانية والإسلامية و«البَين بين» على رأي، لكن هذا تحديداً ما حدث قبل يومين حين تحولت ندوة خصصها أصحاب شركة عربية رائدة للنشر الإلكتروني لترويج خدماتهم التقنية المتقدمة للمتلقين والمبدعين، الى تظاهرة غاضبة شاكية من «الحال المتردية لحرية التعبير» وباكية على «تفتت الرقابة الرسمية الى رقابات صغيرة متناثرة تحكم قبضتها على رقاب اصحاب الاقلام ومواقع الانترنت ايضاً».
بدأت ندوة «النشر الإلكتروني والابداع وحرية التعبير» في معرض القاهرة الدولي للكتاب بداية عادية، فتحدثت الكاتبة سلوى بكر عن دخول النشر مرحلة جديدة على شبكة الانترنت، وذلك أمام زمرة قليلة من فلول المثقفين والمثقفات وعدد قليل من رواد المعرض الذين وقفوا عند مدخل القاعة من قبيل حب الاستطلاع.
لكن ما أن احتد صوت الاديب ابراهيم عبد المجيد ليؤكد أن وضع الكتب على مواقع الإنترنت والاسطوانات المدمجة والـDVD وغيرها ما هو إلا إنقاذ للثقافة من التخلف السائد بين أولي الامر في كل المجالات من سياسة وثقافة وغيرهما، حتى امتلأت القاعة عن آخرها. وفي دقائق انزلق الحوار الدائر إلى نقد لاذع للأوضاع السائدة عربياً ومصرياً بل عالمياً ايضاً. الدكتور ميلاد حنا قال إن «حكومات العالم، وليست مصر وحدها، مستمرة في الحكم وسعداء به وهذا لن يتغير، الشعوب لا تغير الدساتير، أما التقدم العلمي فقادر على هذا التغيير، ومشكلة حرية التعبير لن تحلها إلا التكنولوجيا». لكن عبد المجيد علق قائلا: «حتى لا نكون متفائلين فالحكومة ايضاً تستخدم الكمبيوتر» ودلل على ما يقصد بقضية شهدي سرور ومبرمج كمبيوتر لأنهما نشرا على الانترنت اشعاراً لوالد الأول الشاعر الراحل نجيب سرور تعتبرها إدارة شرطة الاداب في القاهرة خادشة للحياء العام ومتعارضة مع الاخلاق.
وإذا كانت الدولة اقدمت على إلغاء الرقابة رسمياً في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، فإن عبد المجيد لفت الى بزوغ ثلاثة انواع اخرى من الرقابة هي الرقابة الشعبية التي يمارسها افراد نتيجة تأثرهم بأفكار رجعية، ورقابة مؤسسة الازهر رغم عدم وجود قانون يعطيها حق الرقابة أو المصادرة، ورقابة الدولة غير الرسمية التي نشأت نتيجة مثل هذا المناخ المجتمعي الذي يخشاه المسؤولون.
وهنا وقفت كاتبة مغمورة تتساءل عن سقف حرية التعبير على شبكة الانترنت، خصوصاً مع وجود كتب مثل «وليمة لاعشاب البحر» أو «الوصايا العشر في حب النساء» للشاعر المصري احمد الشهاوي واللذين - على حد تعبيرها - يحويان ما يسيىء إلى الدين، وهو ما آثار تحفظ سلوى بكر التي سألتها «وهل قرأت وليمة لأعشاب البحر لتتأكدي بنفسك من أنها تسيىء للدين؟» وبعد مناقشة حامية قالت بكر إن «مؤسسة الازهر سيف مسلط على رقبة كل من يقول أو يكتب كلاماً لا يعجبها».
حديث بكر وجد صدى جيداً جداً لدى شاعر مغمور هو سعدني السلاموني الذي قال غاضباً إن له سبعة دواوين شعر منشورة، صودر منها اثنان عن طريق سحب النسخ من السوق من دون قرار أو تعليل.
وتوسيعاً لدائرة الكتّاب المصادرين والممنوعين والمغضوب عليهم قال الكاتب الاسلامي محمد مورو إن النشر الإلكتروني لن يحل المشكلة لسببين، الاول يتعلق بالحكومة والثاني بأصحاب شركات النشر على الكمبيوتر. «موقع جريدة الشعب على الانترنت أوقفته الحكومة، واصحاب شركة النشر الجديدة تلك اعلنوا أنهم سينشرون كل الكتابات والإبداعات إلا ما يدعو إلى التطرف وما قد يبدو تطرفاً لهم قد يكون اعتدالاً لآخرين».
وهنا تدخل مسؤول الشركة هشام عوف الذي قال إن الشركة «اعلنت عدم نشر ما يدعو الى «الاجرام» وليس الى «التطرف» لكن من يضع تعريفاً متفقاً عليه لـ«الاجرام»؟ واستمر الحوار، ورغم سخونته وتضاد أطرافه في الاتجاهات الفكرية والثقافية، كان حديثهم يعكس تفاؤلاً تجاه النشر الإلكتروني اذ اعتبره إما خلاصاً من سطوة الرجعية، أو طوق نجاة من سيطرة الحكومة، أو مجرد دار للنشر لمن لا يملك المال أو العلاقات وربما أيضاً الموهبة.