(I)
محمود عباس لن يستطيع، حتى لو أراد، أن يكون حامد قرضاي.
وكوندوليزا رايس، وبرغم إعجابها الشديد بمحمود عباس، لن تستطيع تحويله إلى قرضاي آخر. المسألة في فلسطين مختلفة جذرياً عنها في أفغانستان، حيث يمكن نقل موظف في شركة أمريكية (قرضاي) الى وظيفة الرئاسة، أو عنها في العراق.
في أرض الأنبياء، لا يستطيع أي رئيس فلسطيني إلا ان يكون وطنياً. وهذا ليس فقط لقداسة القضية، بل أيضاً لأن “إسرائيل” ليست في وارد منحه ما يكفي من الأرض والمياه والسيادة كي يصبح متعاوناً معها، وبالاستتباع مع أمريكا.
محمود عباس يعرف حتماً هذه الحقيقة. ولذا فهو في اندفاعته السلمية الجديدة، لا يراهن على حسن نوايا ارييل شارون، بل على تغيير نوايا جورج بوش. إنه يريد جر الولايات المتحدة إلى حيث تجد نفسها مجبرة على جر “إسرائيل” إلى خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وهو من أجل ذلك مستعد لفعل الكثير:
إعلان وقف إطلاق النار، وإنهاء الانتفاضة المسلحة، كما فعل في قمة شرم الشيخ.
نشر قوات الشرطة الفلسطينية على حدود قطاع غزة، لمنع عمليات القصف ضد المواقع والمستوطنات “الاسرائيلية”.
التعاون الامني الكامل مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
وأخيراً، رفع شعار “السلطة الواحدة” و “دولة النظام والقانون”، حتى قبل أن يتبلور أي شكل أولي من أشكال هذه الدولة.
هل رهانات عباس في محلها؟
(II)
كلا، من أسف .. فإذا كان هو لا يريد، أو يستطيع، أن يكون قرضاي آخر، إلا أن “إسرائيل” تريده كذلك. وما تريده “إسرائيل” تقره أمريكا بحرفيته.
“إسرائيل” تقول إن هدنة شرم الشيخ لن تكون نافذة المفعول، إلا إذا إستتبعها عباس بنزع سلاح “حماس” و”الجهاد” وتدمير مصانع صواريخ القسام وقذائف الهاون، فتسارع الدولة الأمريكية، وعلى أعلى المستويات، إلى تبنّي هذا الموقف بالكامل.
والدولة اليهودية تصر على عدم استئناف مفاوضات السلام قبل الانسحاب بسلام من قطاع غزة، فتهرع الدولة الأمريكية إلى إفهام عباس بأن “مرحلة المفاوضات لا تزال بعيدة المنال”.
والدولة اليهودية، أخيراً، لا تخفي نواياها تحويل “غزة أولاً” إلى “غزة أخيراً”، وتنشط أكثر من أي وقت مضى لجعل الضفة الغربية “مجرد مستوطنات لشتات من الشعوب الغازية القادمة من كل قارات العالم (على حد تعبير الرئيس بوتفليقة)، فتكافئها الدولة الأمريكية ببيان رئاسي “بلفوري” جديد يؤكد “حقها بإبقاء قسم كبير من مستوطنات الضفة وبعدم العودة إلى حدود 1967”.
من أين، إذاً، يأتي الرئيس الفلسطيني بتفاؤلياته الأمريكية؟
ثمة احتمالان هنا، أحدهما ممكن، والآخر مستحيل.
الممكن،هو ان الرئيس عباس يصدق البيانات الأمريكية بأن الدولة الفلسطينية ستولد حقاً في حضن واشنطن، فور ترسيخ الديمقراطية الفلسطينية وفور الاجهاز على بؤر “الارهاب” (اقرأ المقاومة) في الأراضي المحتلة.
والمستحيل،هو أن عباس يمكن أن يقبل في النهاية ما يقول مسؤولون أمريكيون إن عليه في النهاية أن يقبله: ما تعرضه “إسرائيل” لا أكثر ولا أقل. وهذا يعني: غزة محاصرة من كل جانب وأشلاء مبعثرة وممزقة من 40 في المائة من الضفة ؛ مسجداً او مسجدين أثريين في القدس ؛ وتوطين معظم فلسطينيي 1948 حيث هم.
الاحتمال الأول سيكون نتيجة خطأ تحليلي أو حصيلة تفكير رغائبي. ولذا فهو ممكن. لكن الاحتمال الثاني سيعني التوقيع على صك وفاة فلسطين. ولذا فهو مستحيل.
(III)
حسناً، إلى أين من هنا؟
لا أحد يتوقع نهاية سريعة لرهانات عباس. لا يزال أمامه أشهر عدة ليجرّب حظه معها. وستكون هذه هي الأشهر نفسها التي سيتطلبها الانسحاب “الاسرائيلي” من غزة ومحاولات ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني.
لكن بعد هذه “الهدنة” التي قد تطول أو تقصر، سيجد الرئيس عباس نفسه وجهاً لوجه مع نفسه في المرآة. سيكتشف أنه وصل إلى النقطة التي انتهى إليها الرئيس ياسر عرفات، الذي راهن بدوره على وعود واشنطن فأوصلته هذه الاخيرة إلى نصف بئر الدولة الفلسطينية ثم قطعت الحبل به.
وحين يصل محمود عباس إلى هذه النقطة، لن يقبل على الأرجح أن يكون حامد قرضاي آخر. لكنه لن يستطيع أن يرفض أن يكون ياسر عرفات آخر!













التعليقات