قمة شرم الشيخ لا تعني عودة «السلام» أو حتى عملية السلام، لماذا؟ ببساطة، لأن الطرفين اعتبرا أن لا داعي لإلقاء نظرة إلى ما حصل خلال الأعوام الأربعة الماضية. وفي مثل هذه المعادلة يمكن شارون أن يعتبر أن منطقه هو الذي ساد. أي أن لعبته هي الوحيدة السائدة، وما على الآخرين سوى التكيّف معها.
بمجرد أن التقطت الكاميرات صورة «مصافحة» بين شارون و«أبو مازن»، انطلقت عناوين «الأمل» في عناوين الصحف والنشرات المتلفزة. وطبعاً، هناك حاجة إلى هذا الأمل، لكن هناك حاجة أكبر إلى من يصنعه بصدقية واقتناع. على من الاعتماد؟ على جورج بوش أم على شارون؟! الواقع ان الاثنين يعولان على محمود عباس، ولم يقدما له سوى رزمة وعود وتصريحات ملطّفة زائد بعض المساعدات ليعيد بناء بعض ما أمعنت إسرائيل في تدميره بدءاً بالسلطة ومؤسساتها وصولاً إلى المدارس والبيوت والحقول.
لا يمكن لمناسبات بروتوكولية يصار إلى ترتيبها للاستهلاك الإعلامي أن تشي بأي تغيير في السياسات إذا لم يكن هناك تغيير جوهري فعلاً. كان يفترض أن مثل هذا الدرس جرى استيعابه من تجارب تراكمت منذ «سلام أوسلو» الذي لا يوجد اليوم من يمكن أن يخبرنا أين أصبح بالضبط، ولماذا مات إذا كان قد مات، ولماذا يمكن اعتباره حياً إذا كان لا يزال يعيش. ففي تحليل ما حصل، بجدية وإنصاف، يمكن تحديد الأخطاء. ولنقل انها اخطاء من الجانبين، على رغم ان الضحية معروفة، وهي ضحية الاحتلال والقوة الوحشية وانعدام العدالة في النظرة الأميركية الى هذا الصراع. الفلسطينيون هم الضحية، ومع ذلك هم مطالبون وحدهم بدفع ثمن كل الأخطاء.
اذا كان هناك سلام في الأفق - وهو ما لم يتأكد بعد - فإنه مندفع بقوة نحو ان يكون سلاماً غير عادل، أي انه سيكون شيئاً آخر غير السلام. بين ما هو مطلوب من «أبو مازن» هناك الكثير مما هو مفيد وضروري للشعب الفلسطيني الذي أنهكته سنوات البطش الشاروني، لكن هناك الكثير أيضاً مما يجب مقابلته بخطوات سريعة وجادة من الجانب الاسرائيلي. وفي كل الأحوال هناك خطأ منهجي يرتكبه الاميركيون والاسرائيليون اذ يعتبرون ان أمامهم شعباً من الرعاع والمتطرفين و«الارهابيين»، وبالتالي يجب ضبطه وتقييده وحتى سحقه قبل أن يقدم اليه فتات ضئيل من حقوقه. انها عقلية «أبو غريب» ولا يصح الاعتماد عليها في البحث عن سلام جديد.
قيل عن قمة شرم الشيخ انها بداية. لكن بداية لأي هدف؟ للدولتين أم لمجرد التهدئة؟ لكن تهدئة لأي هدف؟ لمفاوضات من أجل سلام حقيقي - تاريخي، أم لاطلاق يدي شارون في نهب الضفة الغربية بعد كل النهب المستمر منذ 1948؟ لا داعي لأي ضغط على «أبو مازن» أو على أي رئيس عربي لتمرير أي تسوية مجحفة فهي ستسقط حتماً، بل لا داعي لأي ضغط إذا كان هناك نهج يحترم الفلسطينيين كشعب ويعطي اشارات جادة الى سلام عادل، لأن الفلسطينيين سيتعرفون عندئذ الى مصلحتهم وسيرون معالمها ولن يرتكبوا ما يخربها. لقد شبعوا خداعاً وتسويفاً واحتيالاً. فالمشكلة الآن، بل منذ بدأ الشيء المسمى «عملية سلام» ان الاسرائيليين يريدون ان يبتلعوا بالسلم ما لم يتمكنوا منه بالحرب، والمشكلة ان الاميركيين والاوروبيين الذين كفلوا اسرائيل ومصالحها على الدوام لم يعودوا قادرين على تحديد سقف للاطماع الاسرائيلية.
خذوا، مثلاً، ما يسمى بـ«خطة الفصل» التي تعني بالكلام الواضح انسحاباً اسرائيلياً من قطاع غزة. ولانها تعني «انسحاباً» قرره شارون، المعروف بتطرفه وارهابه، فقد نالت الاستحسان والتصفيق في كل مكان. بل لا تزال تحظى بالمدائح في كل البيانات الدولية، بما في ذلك بيانات الهيئة الرباعية الدولية. اذ رأوا فيها كرم أخلاق شارونياً مفاجئاً وايجابياً، ولم يشاءوا التعرف الى ما وراء هذه الخطة من عبث جديد في حدود الضفة الغربية، وهو عبث سيترجم على الارض بمزيد من سرقة الاراضي والبيوت ومن تحكّم بمصير اناس موجودين في ارضهم ولهم فيها مصالح وارزاق. لا شك ان الاوروبيين والاميركيين يتصرفون بصفتهم كفلاء لاسرائيل ومستقبلها على النحو الذي تحدده لا بصفتهم وسطاء سلام «عادل».
كيف سيُبنى «الامل» البازغ، وكيف سيصنع السلام، اذا كانت المحاسبة تجوز فقط على الطرف المتضرر، وكيف سيبرر المجتمع الدولي مكافأة القاتل والسارق فيما لا يزال جورج دبليو بوش يطنطن بشعار «الحرية والديموقراطية» ويبشر بعصر ذهبي لحقوق الانسان. ومنذ متى كانت اتفاقات التهدئة ووقف اطلاق النار ممكنة التطبيق من دون اجراءات متبادلة بين الطرفين وخطوات سياسية مواكبة؟ لا شك ان الاتكال فقط على قبضة حديد للسلطة الفلسطينية هو رهان احمق خصوصاً ان الجانب الاسرائيلي يواصل ابتزاز الفلسطينيين سواء بملف الاسرى او الاموال المجمدة ودائماً بالتوسع الاستيطاني ومد الجدار العنصري الخ...