لا يُلام رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية على كل ما اتخذه من اجراءات انضباطية صارمة بعزله كبار قادة الاجهزة الامنية في قطاع غزة الذين عجزوا عن منع الاختراقات الامنية التي ارتكبتها حركة حماس باطلاقها قذائف الهاون وصواريخ القسام باتجاه مستوطنات غوش قطيف، بعد أقل من يومين فقط على تفاهمات قمة شرم الشيخ، وقبل ان يجف حبر الكلمات التي صبغت بها التعهدات المتبادلة بينه وبين رئيس حكومة اسرائيل بوقف الانشطة العسكرية لكل طرف منهما ضد الطرف الآخر، والتي من شأنها ان تمكن الشعب الفلسطيني من التقاط أنفاسه بعد أربعة أعوام عجاف من الاجتياحات العسكرية الاحتلالية المتكررة لمدنه وقراه ومخيماته، وتحقق له مكاسب كانت في طريقها الى التنفيذ، كما عجزوا عن ضبط الأمن الداخلي وعن منع الاقتحام المسلح لأحد سجون غزة وقتل ثلاثة من نزلائه على خلفيات ثأرية.
لقد باتت الاجهزة الأمنية للسلطة والتي تفوق في عددها الاجهزة المدنية متخمة بالرتب العالية التي لا عمل لها سوى الاستعراضات المظهرية واستنزاف موازنة السلطة، وفي غياب أدائها الفاعل حدثت الاختراقات التي تسيء لمصداقية رئاسة السلطة وتفقدها دورها الساعي الى التسوية السلمية قبل ان تبدأ به، كما ان حركة حماس لم تلتزم بما تم الاتفاق عليه مع رئيس السلطة قبل قمة شرم الشيخ من تهدئة للوضع الأمني، واستبقت لقاءها به لوضعها في صورة ما تم الاتفاق عليه، ولم تمكن القيادة الفلسطينية من استثمار الفرصة الثمينة التي أتيحت لها للسير قدما نحو استئناف المفاوضات، ووضع خطة خارطة الطريق موضع التنفيذ بعد ان أعلن شارون موافقته على ان يكون الانسحاب من قطاع غزة نقطة إنطلاق نحو خارطة الطريق التي أكد ولأول مرة التزامه بها ورغبته في تطبيقها، مما شكل تغيرا ملحوظا في سياسته برز كذلك في التعبير عن أمله ان يتمكن رئيس السلطة الوطنية من قيادة شعبه نحو قيام الدولة الفلسطينية.
ألم تدرك حماس ان صواريخها التي لم تسفر يوما عن أية اصابات مباشرة للمستوطنات الاسرائيلية قد وضعت العراقيل أمام مسيرة التفاوض وعطلت عملية اطلاق سراح الاسرى الفلسطينيين وازالة الحواجز العسكرية وأجلت الانسحاب من مدن الضفة الغربية؟ لقد أعطت حماس باختراقها غير المدروس الذريعة لاسرائيل للتنصل مما يترتب عليها من استحقاقات أوجبتها تفاهمات شرم الشيخ، وأثارت مجددا حملة من التهديدات العسكرية الاسرائيلية باجتياح قطاع غزة، والذي ان حدث لن يكون فيه الشعب الفلسطيني الاعزل من السلاح هو الرابح امام آلة الحرب الاسرائيلية المدعمة بترسانة من أفتك أنواع الاسلحة المتطورة.
ان المصلحة الفلسطينية تقتضي في ظل الظروف الاحتلالية الصعبة، وفي ظل توجهات دولية كادت تيأس من مواصلة السعي لايجاد حل معقول ينهي الصراع الدامي الاسرائيلي - الفلسطيني، ان تُعطى تفاهمات شرم الشيخ المدعومة عربيا ودوليا فرصة التطبيق على أرض الواقع، كبداية لمسيرة طويلة شاقة للحل السلمي، يسترد فيها الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة ويتمكن من تحقيق حلمه الوطني باقامة دولته المستقلة القابلة للحياة الى جانب دولة اسرائيل، وبغير الثقة بقيادة السلطة واعطائها فرصة التحرك نحو السلام، وبغير الانضباط الأمني وتوحيد الاجهزة الأمنية واعادة بناء اجهزة السلطة على أسس سليمة، بغير ذلك فان الفرصة المتاحة للتسوية ستتبدد كما تبددت غيرها من الفرص.
- آخر تحديث :














التعليقات