الاتفاقية أعطت لبنان معاملة تفاضلية وإعفاءات

من انجازات الرئيس الشهيد رفيق الحريري انجاز اتفاقية الشراكة بين لبنان والاتحاد الأوروبي، في اطار الشراكة الأوروبية المتوسطية. ولطالما استفاد لبنان من علاقاته بدول الاتحاد الأوروبي، عبر اتفاقية التعاون التي ابرمها الطرفان عام 1977، لكن هذا التعاون لم يرتق الى المستوى المطلوب، ولم ينجح لبنان في ايصال صادراته الى ارقام جيدة، أو على الاقل مقبولة، خصوصا على صعيد المنتجات الصناعية والزراعية.
ومنذ السبعينات، كان لبنان يستورد ما نسبته 40 ـ 45 في المئة من مجموعه وارداته من المجموعة الاوروبية، في حين لم تتعد صادراته اليها نسبة 18 ـ 20 في المئة من مجموع صادراته الى العالم.
وكان الرئيس الحريري يرى ان العلاقات بالاتحاد الأوروبي يمكن ان تؤدي دورا كبيرا في المنطقة.
واستطاع خلال مدة حكوماته المتعاقبة ان يؤسس لهذه الاتفاقية، التي سمحت للبنان ان يستفيد من "المكتسبات الاوروبية" وتحديدا الحريات الاربع: حرية انتقال السلع والخدمات، والرساميل والاشخاص، مع اعطاء آمال مستقبلية للشباب يمكن ان تحد من ظاهرتي هجرة الادمغة وبطالة الشباب الجامعي.
وبفضل الجهود التي بذلها الرئيس الحريري، اكتسب لبنان معاملة تفضيلية في عدد من المسائل الرئيسية ميزته عن سائر الدول التي تربطها مع الاتحاد اتفاقات مماثلة. ففي حين وقع لبنان اتفاقا انتقاليا يرمي الى التنفيذ الفوري للتدابير المتصلة بالتجارة، اضطرت سائر الدول التي تربطها مع الاتحاد اتفاقات شراكة متوسطية للانتظار نحو ثلاث سنوات للحصول على مصادقات المجالس النيابية الأوروبية على الاتفاقات قبل دخولها حيز التنفيذ.
كما حصل لبنان، دون غيره من الدول، على فترة سماح مدتها 5 سنوات تقضي بعدم التزامه بأي خفض على الرسوم الجمركية الا بعد مضي هذه الفترة، يصار بعدها الى خفض الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الاوروبية تدريجيا وفقا لجدول منتظم، والقيام بالاجراءات الاصلاحية اللازمة قبل فتح سوقه للمنتجات الاوروبية، على ان يتم اعفاء المنتجات الصناعية اللبنانية فورا من الرسوم الجمركية.
وعلى خلاف الدول الأخرى، تمكن لبنان من عكس مبدأ التحرير حيث اتاح للصادرات الزراعية اللبنانية، الحالية والمستقبلية، النفاذ الى اسواق دول الاتحاد معفاة من الرسوم الجمركية او اي قيود كمية، باستثناء عدد قليل من السلع التي تخضع لقيود محدودة.


نجاحها يفرض إصلاحات مالية واقتصادية في لبنان

إن اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وان كان مصحوبا ببعض التحديات، فهو يقدم العديد من الفرص والفوائد، لا سيما ان هذه الفرص والفوائد تعتبر اكثر ديناميكية متتابعة ومثمرة على المدى البعيد، ولعل التزامات لبنان في ظل الشراكة تنمي لدى الكثيرين مخاوف وحذر من احكامها ومفاعيلها. الا ان هذه الالتزامات ما هي الا تحديات امام القطاعات الاقتصادية.
هذه التحديات كانت هاجسا اساسيا لدى حكومات الرئيس الحريري، خصوصا احداث التغييرات الهيكلية في اقتصاده، والتي تفرضها الاتفاقية، وتوفر الفرصة للبنان ليكون على قدم المساواة مع شركائه الاوروبيين والمتوسطيين.
لقد استطاع الرئيس الشهيد ان يعزز العلاقات بين لبنان ودول الاتحاد الأوروبي، انطلاقا من شبكة علاقاته الدولية، وبفضل الحوار السياسي مع اطراف الاتحاد.
وقد حدد توقيع اتفاقية الشراكة بين لبنان والاتحاد في 17 حزيران 2002 في اللوكسمبورغ معالم حقبة جديدة من التعاون، الذي كان يرعاه اتفاق عام 1977.
وحظيت العلاقات بين الاتحاد ولبنان بدفع جديد عام 1995، خلال المؤتمر الاوروبي المتوسطي في برشلونة. وقد ارسى المؤتمر اسس الشراكة، وأعلن المشاركون فيه، ومن بينهم لبنان الالتزام باعلان برشلونة، وتحديد الاهداف الثلاثة الاساسية للشراكة:
ـ تحديد منطقة مشتركة للسلام والاستقرار من خلال تعزيز الحوار السياسي والامني.
ـ اقامة منطقة رفاهية مشتركة، من خلال تأسيس شراكة اقتصادية ومالية، والبناء التدريجي لمنطقة التبادل الحر.
ـ تحفيز التقارب بين الشعوب من خلال شراكة اجتماعية وثقافية وانسانية، توطد اسس التفاهم بين الثقافات، وتؤكد التبادل بين المجتمعات المدنية.
ولحظ المؤتمر امكانية تحقيق هذه الشراكة من خلال اطارين متكاملين:
ـ الاطار الثنائي (المباشر)، ويعني العلاقات بين الاتحاد من جهة وكل دولة من دول جنوب المتوسط من جهة أخرى.
ـ الاطار الاقليمي، ويعني العلاقة بين الاتحاد والشركاء المتوسطيين.
ومنذ توقيع اتفاقية الشراكة بين لبنان والاتحاد بدأ تنفيذ المشاريع الآتية، بملاحقة دائمة من حكومات الرئيس الحريري:
ـ المساندة في اعادة تأهيل الادارة اللبنانية (38 مليون يورو).
ـ برنامج التخطيط الاستثماري (25 مليون يورو)
ـ تخفيض الفوائد على مشاريع الاستثمار في قطاع البيئة (21 مليون يورو)
ـ برنامج التحديث الصناعي (11 مليون يورو)
ـ تسهيل التكيف الهيكلي (50 مليون يورو)
ـ صندوق التنمية الاقتصادية والاجتماعية (برامج لتنمية المناطق) (25 مليون يورو)
وفي إطار تنفيذ اتفاقية الشراكة، حددت المفوضية الأوروبية وحكومة الرئيس الحريري الأوليات الآتية للفترة الممتدة من 2002 الى 2004:
ـ برنامج متكامل للتنمية الريفية هدفه تخفيف الفقر (10 ملايين يورو)
ـ برنامج لدعم حماية البيئة (22 مليون يورو)
ـ برنامج تعاون في مجال التعليم العالي (قاموس) (3 ملايين يورو).
ويمكن تحديد اتفاقية الشراكة بعناصر الحوار السياسي، وتحرير تبادل السلع والتعاون المالي والاقتصادي والقطاعي والتعاون الاجتماعي والثقافي والتعاون في مجالات الثقافة والسمعي ـ البصري والاعلام.
الحوار السياسي
وتتألف الاتفاقية من 93 مادة، وعدد من الملاحق والبروتوكولات، تبلغ نحو 400 صفحة، وتغطي المواضيع الاقتصادية القسم الأكبر من الاتفاقية، ويتناول التبادل الحر للسلع، السلع الصناعية والزراعية والزراعية المصنفة على أساس مبدأ المعاملة بالمثل، وينتظم هذا التبادل على النحو التالي: خلال فترة خمس سنوات، يتم اعفاء السلع اللبنانية المصدرة الى السوق الأوروبية من الرسوم الجمركية، في حين أن الرسوم الجمركية المعمول بها تفرض على السلع الأوروبية المستوردة الى لبنان.
وهذا الامتياز الذي منحه الاتحاد الأوروبي للبنان سوف يمكنه من المحافظة على حماية اقتصاده في حال تواصلت الاصلاحات على نحو فعال.
ومنح الاتفاق لبنان تصدير معظم منتجاته الزراعية الى المجموعة الأوروبية باستثناء عدد محدود من المنتجات يبلغ عددها 25، مفصلة في البروتوكول رقم (1) المرفق بالاتفاقية.
وتعتبر أوروبا هذه المنتجات مواد حساسة وهي تطبق على كل مادة من هذه المواد كوتا ورسما جمركياً بصورة مؤقتة، وتصبح هذه المنتجات معفية تماماً من أي رسوم بعد 12 سنة.
أما بالنسبة الى دول المجموعة الأوروبية فقد وضع البروتوكول الرقم (2) الذي يشمل نحو 100 منتج زراعي يطبق عليها لبنان رسوماً جمركية لحماية القطاع الزراعي والانتاج المحلي، ولا تبدأ فترة المباشرة بخفض الرسوم على هذه المنتجات الزراعية القادمة من أوروبا الا بعد السنة الخامسة لدخول الاتفاقية حيز التنفيذ.
ورعى البروتوكول رقم (2) تبادل المنتجات الزراعية المصنعة.
ولحظ الاتفاق برامج تعاون اقتصادي ومالي بين الاتحاد ولبنان، هدفها تكييف الاقتصاد اللبناني مع انفتاح سوقه، وتأمين اجتماعي اقتصادي يخفف من التأثيرات السلبية المرتبطة بتحرير التبادل، وبالتالي انجاز اصلاحات وتكييفات تحدّث البنى الأساسية في الاقتصاد اللبناني، وتجعلها أكثر صلابة وتلاؤماً مع اقتصاد السوق، وهو ما سعت اليه حكومات الرئيس الحريري، للاستفادة بأقصى ما يمكن من ايجابيات اتفاقية الشراكة.
ولحظ الاتفاق لاكمال عملية التكييف الاقتصادي برامج لتحسين مستوى المعيشة وظروف العمل، وذلك لجعل النمو أكثر توازناً من الناحية الجغرافية، وأكثر افادة للشرائح الأكثر عوزاً، من هنا التشديد على تطبيق اشكال مختلفة من الدعم من أجل خلق فرص عمل وتحسين التدريب. كما يلحظ الاتفاق في مجال التعاون الاجتماعي برامج تحد من ظاهرة الهجرة، باقامة مشارع انتاجية تثبت ابناء الريف في أرضهم، وتنوع فرص العمل أمام خريجي الجامعات، وهو الهم الذي كان يؤرق الرئيس الشهيد.
وتضمنت الاتفاقية مسائل تتعلق بقواعد المنشأ، وحرية انتقال رؤوس الأموال، والملكية الفكرية، والمنافسة، والتعاون التقني والعلمي، والتكنولوجيا، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية، وادارة النفايات، والتربية، والتعاون الصناعي، وتشجيع وحماية الاستثمار، وتوحيد المقاييس والمواصفات، والاتصالات والطاقة، والسياحة والشؤون الجمركية، والاحصاءات، وحماية المستهلك.
وعند عقد الاتفاقية، تعهد لبنان بوضع اقتصاده ضمن اطار سوق تنافسي، ولهذا انكبت حكومات الرئيس الحريري على ايجاد الشروط الملائمة لذلك، وأعطت الأولوية لربط لبنان بمنطقة التبادل الأوروبية المتوسطية، من خلال أحداث الاصلاحات التي تؤمن تكييف الاطار القانوني والمؤسساتي مع متطلبات السوق الجديدة. وتحدث نقلة في اصلاح المؤسسات وانشاء ادارة حديثة وفعالة، مع تعزيز دور القطاع الخاص، وخلق مناخ ملائم للمنافسة، وتطوير المعرفة النوعية على صعيد الانتاج.
وفي هذا الاطار، توضع الجهود التي قادها وزير المال السابق فؤاد السنيورة لتحقيق الاصلاحات المالية والضريبية، ومكننة الوزارة والدوائر التابعة لها، وانشاء الضريبة على القيمة المضافة، وخفض الرسوم الجمركية.
كما يوضع في هذا الاطار البرامج التي نفذت، منها برنامج التحديث الصناعي لتحسين قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم على المنافسة، ويلحظ البرنامج تقديم المساعدة الفنية لأكثر من مئتي مؤسسة لبنانية، بهدف تحسين قدراتها التنافسية على المدى القصير، وتسريع دخولها الى الأسواق العالمية.
وحول ايجابيات الاتفاقية، ومدى تأثيرها في الاقتصاد اللبناني، يقول وزير الاقتصاد والتجارة السابق باسل فليحان، في حوار كان قد أجري معه حول اتفاقية الشراكة "انها تخلق نفعاً مهماً للبنان، وتفتح أسواقاً استهلاكية كبيرة أمامه، وتزيد من امكانات الاستثمارات أمام القطاع الخاص، وستعطيه مساعدات تقنية لمساعدته في هذا المجال".
ويشير الوزير فليحان الى "أن هذه الاتفاقية تأتي كآلية داعمية للإصلاح الاقتصادي الوطني، ولهذا الهدف هناك حاجة للعمل بكل الطاقات"، معتبراً "أن العائق الرئيسي الذي كان يواجه لبنان خلال تفعيل عمليات الاستثمارات والتبادل التجاري هو الهاجس الماكرو ـ اقتصادي، الذي قطعناه، وأصبحت الفرصة متاحة أكثر".
لقد كانت حكومات الرئيس الحريري، وفريق عمله ترى في الاتفاقية نواة حيوية لاستراتيجية لبنان الرامية الى تحرير التجارة خصوصاً مع استعدادات لبنان الحثيثة للإنضمام الى منظمة التجارة العالمية، ومباشرته في تطبيق أحكام منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والمتمثلة بالإلغاء التدريجي للتعريفات الجمركية، وبالتالي، إن سياسة لبنان هذه القائمة على تحرير التجارة، ستجعل منه مركزاً تجارياً رائداً في المنطقة وتقاطعاً حيوياً يصل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى بمنطقة التجارة الأورو ـ متوسطية الحرة، التي يصل عدد المستهلكين فيها الى 400 مليون، وحين تكتمل الى 800 مليون.