التطابق بين تصرفات الشخصية العامة وتصريحاتها شيء في منتهي الأهمية، فلا يمكن لكاتب أن يتغني بالجمال ونفسه مسكونة بالبشاعة، ولا يمكن لمسئول حكومي أن يصف نفسه بالطهارة ولسانه غارق في الوحل، ولا يمكن لزعيم حزبي أن يتحدث عن المثل العليا والقيم السامية وهو مستعد أن يبيعها قطعة قطعة في سوق السياسة أو سوق النخاسة.
لا يمكن للسياسي أو الفنان أو الكاتب أو البطل الشعبي الذي يكبش النجوم المشتعلة بيديه العاريتين ليحلق في سماء القمة أن يكون له وجهان.. وجه ظاهر مكشوف، مغطي بالبراءة والجرأة والشجاعة والحكمة والشفافية والتضحية، ووجه باطن خفي قبيح وشرس وشره مدفون في العفن والعطن، لا يمكن له أن يرتدي بدلتين، واحدة للشغل، وواحدة للحفلات والمناسبات العامة والقنوات الفضائية. إن هذا الطراز الوهمي الخادع هو شريحة رفيعة رقيقة من الذهب علي كتلة ضخمة من حديد الخردة الصدئ.
لقد عرفت عن قرب( بحكم عملي الصحفي الممتد أكثر من35 سنة في مطبوعات قومية وحزبية ومستقلة) شخصيات سياسية لمعت وبرقت واخترقت حواجز الصوت والضوء بسرعة مذهلة، ونجحت في الوقت نفسه في خداع الناس وتضليلهم، مستخدمة ما وهبه الله لها من قدرات ومواهب لم تشأ أن تنميها في طريق مستقيم للخير والمصلحة الوطنية، وساعدها علي ذلك مناخ حزبي عشوائي غير قادر علي الفحص والفرز وتحديد الخبيث من الطيب، كل ما يهمه أن يقف في الصف المعارض، علي الناحية الأخري حيث تقف الحكومة وتتصرف دون النظر لغيرها، فكان الأعلي صوتا والأشد سخرية هو الأكثر معارضة، وفي وقت كان فيه الناس يبحثون عن صوت مختلف عما يسمعون سيطرت هذه الشخصيات علي العقول والقلوب، وأصبحت نجوما وأبطالا.
كانت الحكومة سعيدة بتلك الشخصيات، فهي تعرف حقيقتها وتاريخها ومنافذ ضعفها، وكيفية السيطرة عليها، وهي تعرف أنها ترتكب كل ما يعاقب عليه قانون الجنايات من جرائم: نصب.. وغش.. وتحايل.. وتكويش علي ثروات حرام، وأنها معارضة في العلن، مؤيدة في الخفاء، وتكسب من اللعب علي الحبلين، ويمكن السيطرة عليها في اللحظة المطلوبة، بأسهل الطرق وأيسرها، قضية جنائية تخرج من أحد الأدراج.
لقد دخل رئيس حزب السجن بعد أن حكم عليه في قضايا مختلفة استغل فيها صحيفته وموقعه السياسي المتميز، لكن هل تسلم الجرة في كل مرة؟ إن الحكومة التي تأكل معارضيها الذين عجنتهم وخبزتهم وسوتهم يمكن أن يقفوا في وقت ما وفي ظرف ما في زورها.. فلا يصدق الناس ما يقال عنهم وما يوجه إليهم.. بل علي العكس.. يغفرون للمعارضين ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر.. ويغسلون سمعتهم.. ويدارون عوراتهم.. ويتسامحون مع ملفاتهم السوداء الثقيلة. إن ذلك ليس له سوي تفسير واحد.. إن هناك حاجة ملحة وعاجلة لإيجاد بطل شعبي.. مهما تكن التشوهات والانحرافات.
إن الشعور العام بالضيق والعجز والاختناق وقلة الحيلة وضعف الرؤية يجعل الناس تتساهل في مواصفات البطل الشعبي فلا يكون كامل الأوصاف.. ثابت المواقف.. عفيف القيمة.. طاهر اليد.. يكفي أن يختلف مع ما هو قائم.. ويعارضه.. ويعانده.. ويخرج عن طوعه.. دون الحاجة لتغيير ما هو قادم.. ولا يهم بعد ذلك أن يكون دجالا.. نصابا.. يلعب بالبيضة والحجر.. ويغير تحالفاته كما يغير ثيابه.. يكفي أن ينطق وهم صامتون.. ويتحرك وهم متخشبون.. ويتصرف وهم عاجزون.. إنه البضاعة الوحيدة المتوافرة في سوبر ماركت الحياة السياسية فلا يملك أحد سوي الإقبال عليها.. وتحويلها من حقيقة ممسوخة مشوهة إلي أسطورة رائعة منورة.
لقد حدث ذلك كثيرا في كل الشعوب والمجتمعات في أوقات القلق والحيرة.. حيث تحول لص وقاطع طريق مثل روبن هود إلي بطل قومي معارض يواجه السطوة والسلطة.. وهو النموذج الذي تكرر وتجسد في مصر.. علي طريقة أدهم الشرقاوي الذي فرحنا لكل ما فعل وحزنا لما جري له.. إن تمجيد اللصوص وصبهم في قوالب الأبطال عبر خرافات تنسب إليهم صناعة شرقية.. اقتبست من ألف ليلة وليلة.. الدستور الخالد الذي يحكمنا.. ولا نطالب بتغييره أو تعديله.. حيث تفرز غدة الخيال أوهاما لا تتوقف.. نجحت في تحويل حطاب فقير لا حول له ولا قوة مثل علي بابا إلي سلطان زمانه بخديعة تفوق بها علي أربعين حرامي واستولي في دقائق علي ما نهبوه في سنوات.
إن من المألوف علي ما يبدو أن يصفق مساحة كبيرة من الناس لشخصية الخارج علي القانون في أفلام السينما، وأن يتعاطفوا معه ضد البوليس الذي يطارده وينفذ القانون.. وهي ملاحظة معروفة سجلها قبل سنوات أحمد بهاء الدين بقلمه في عموده الشهير الذي كان يكتبه في الأهرام.
لكن أحمد بهاء الدين يستخدم تلك الملحوظة وهو يتابع تعاطف الناس مع رجل أعمال بدأ من الصفر وسيطر في وقت من الأوقات في عصر مضي علي السلطة والتجارة في الإسكندرية.. أما السبب فهو أنه في الجلسة التاريخية الأولي لمحاكمته لم يقف موقف الخاضع الذي يريد أن يطأطئ رأسه حتي يخرج بأقل عقوبة.. ولكنه انقلب في قفص الاتهام إلي وحش هصور وأعلن أنه يتهم أكبر الأسماء في البلاد، وألقي الاتهامات والأسماء دون تردد.
ويضيف أحمد بهاء الدين: إن الصحف قالت لنا إن المحامين المدافعين عنه كانوا يحاولون إسكاته لأن ما يقوله ضد مصلحته الخاصة.. ولكنه كان يرفض.. مستعدا أن يجر الآخرين معه.. وأن يتضاعف الحكم عليه.. انتقاما.. واحتفاظا بكرامته.
وجدت غالبية الناس في ذلك الرجل نموذجا للصعيدي العصامي الذي لا يجفل من مناطحة الأقوياء الأذكياء.. وأنه ليس مستعدا للمساومة.. ولاحظ غالبية الناس ـ بصرف النظر عن الوسائل ـ أنه كون ثروته قبل أن يعرف طرق السلطة.. بينما كون الآخرون ثرواتهم( في ذلك العصر) بمواقعهم من السلطة.. فهو لم يتسلق السلطة وصولا إلي المال.. بل تسلقته السلطة وحاولت أن تستفيد منه مقابل ذلك، المصدر: أحمد بهاء الدين.. يوميات هذا الزمان ـ الناشر مؤسسة الأهرام ـ صفحة168.
إن عمر تلك القصة يقترب من ربع القرن.. وقد تبخرت مشاعر الإعجاب بذلك النوع من الأبطال الذين يأتون بالمصادفة.. ويعيشون علي كلمة.. فلا هم أبطال فعلا.. ولا هم يقدرون علي الاستمرار في تجسيد دور غير قادرين عليه.. إن عمر بطولتهم الوهمية لا يزيد علي عمر مشاهدة فيلم من أفلام العصابات والمغامرات.. ساعة ونصف ساعة من الإثارة والتعاطف.. وعدة أيام من التأثر.. وتتلاشي الصورة المبهرة.. وتستمر الحقيقة القبيحة.
قبل تلك الواقعة التي توقف عندها أحمد بهاء الدين كتب في مجلة صباح الخير وقت أن كان يرأس تحريرها عن ظاهرة البطل في الحياة السياسية، وتوقف عند البطل الدجال الذي يستولي علي الجماهير ويؤثر فيها.. بل وينومها لبعض الوقت.. وتساءل: كيف تميز بين الدجال والبطل؟
وتأتي الإجابة علي لسانه: إن الدجال يملك قوة التأثير علي الناس.. لكنه لا يملك قوانين عصره، ولا يعرف أسرارها.. لذلك فهو بعد أن يستولي علي الناس يقودهم في طرق مسدودة.. وخلف دعوات لا تلبي حاجة الزمن.. فكما أن هناك ثورة وهناك ثورة مضادة، فهناك بطل حقيقي وبطل مضاد.
والدجال يظهر في نفس لحظة ظهور البطل.. بل ولنفس الأسباب التي أوجدت البطل.. إن أزمة النظام الرأسمالي قبيل الحرب العالمية الثانية أفرزت الزعيم النازي أودلف هتلر، والزعيم الفاشي بينو موسوليني.. وفي الوقت نفسه أفرزت الزعيم الشيوعي فيلادنير أليتش لينين.. وكان الطرفان( النازية والفاشية من جانب، والشيوعية من جانب آخر) علي طرفي نقيض مع أن أسباب ظهورهما واحدة: التوتر بين الرأسمالية والمجتمع والأشكال الجديدة للإنتاج.. فيما عرف بالثورة الصناعية الثانية.
وقد بدا في أول ظهور لهؤلاء أن هتلر هو البناء( بشد النون) الذي يحافظ علي المجتمع ولينين هو الهدام.. ولكن سرعان ما ثبت العكس.. فالأول( كان) يضلل الناس ويبدد قواهم فيما لا ينفع ليحرف التطور الاجتماعي ثم ينتهي إلي لا شيء.. في حين أن الثاني كان يهدم ليبني في نفس اللحظة وبنفس الضربة.
إن البطل الدجال ـ الذي أصبح ظاهرة في حياتنا ـ لا يمكنه أن يضحك علي كل الناس.. كل الوقت













التعليقات