يوم الثلاثاء واحد وثلاثون أغسطس من العام الماضي، ومعركة التمديد للسيد رئيس الجمهورية اللبنانية قد سخًنت، نشر كاتب هذه السطور مقالة تحليلية في هذا المكان حول الموضوع، بدأت بالحرف الواحد بالاتي: (القدرة الهائلة للساسة اللبنانيين على اعتصار الماضي وإعادته من جديد لا تساويها أية قدرة عربية، فكل حروب لبنان الأهلية بدأت بشرارة التجديد أو التمديد للعهد القائم، ومع ذلك تعاد الجرة وتتكرر من اجل تربيع الدائرة) وانتهت المقالة بتأكيد أن : (معركة التجديد أو التمديد إذاً، هي لست لبنانية، ومن يتصور انه يُقدم خدمة للبنان عن طريق دفع الفكرة حتى تأخذ موقعها في القبول يضر نفسه أولا قبل لبنان، لان الاضطراب اللبناني إن حصل، بجانب كل هذه الاضطرابات من حولنا، سيحول منطقتنا إلى بؤرة ملتهبة تحرق أبناءها) انتهى.
لم أكن أقرأ في فنجال المستقبل بل كنت كغيري أرى إن ما يحدث ستكون له عواقب وخيمة، وهكذا كان، فقتل الحريري، طريق لوأد (الحريرية) وهي طريقة تفكير قبل أن تكون شخصا بعينه، قد تفجر المنطقة ولبنان أولها.
سيزداد التكهن في توقع من قتل المرحوم رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان السابق بمثل هذه القتلة الشنعاء، كل يدلو بدلوه منطلقا من موقف سابق أو افتراض تقوده إليه رغباته أو تمنياته السابقة أو انحيازاته السياسية والفكرية، ولن يعرف الجمهور العادي على وجه اليقين من قتل الرجل الذي أعاد بناء لبنان بهذه الطريقة البشعة وبهذا الإصرار، ولن يعرف وهو الأهم، من اتخذ القرار بقتله، حيث ان مثل هذه الموضوعات في فضائنا العربي تبقى من أسرار الآلهة حتى حين.
التكهن هنا لا يقودنا إلى طريق سليم، بل قد يقود إلى اشتباك في الخطوط لا يستطيع احد أن يتعرف على بدايته أو نهايته، كمثل ما حصل في عدد من الاغتيالات السابقة.
إلا أن هناك حقائق شبه ثابتة تعيننا على فهم ما حدث قُبيل الرابع عشر من فبراير الجاري بزمن، وبعده بأيام.
أولا ان الحريري قد خرج من الحكومة غاضبا لأسباب داخلية، أساسها عدم تطبيق اتفاق الطائف الذي من المفترض إن اللبنانيين قد تعاقدوا عليه، وغضب الحريري من عدم التطبيق لا يتعلق أساسا بموقف الانسحاب السوري أو بقائه في الخلفية اللبنانية، بقدر ما يتعلق بتوزيع الاختصاصات بين رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء، وهو أمر كان يعرفه العامة قبل الخاصة لسنوات طويلة، زاده احتقانا تطويل مدة الرئيس التي لم تكن مقبولة لا بسند اتفاق الطائف ولا بمرجعية توزيع الاختصاصات، علاوة على الطريقة التي تمت بها، ومع ذلك حرصا على الدولة التي حلم بها الحريري وافق وكتلته على التمديد دون التعاون فيما بعدها.
ثانيا: كان المؤمل إن تترك اللعبة السياسية الداخلية تأخذ مجراها، لولا عاملان الأول الغضب الخارجي، الذي تداخلت فيه القضايا اللبنانية الداخلية متشابكة مع القضايا الإقليمية فافرز ذلك الغضب، خارجيا قرارا دوليا هو القرار 1559، وترتيبا داخليا هو قانون انتخاب موجه أساسا لتقليص ما سمي (بلدوزر بيروت) أي قدرة الحريري على احتكار مقاعد العاصمة بيروت في مجلس النواب والتحالف الواسع خارجها، قرار 1559 اتُهم الحريري بتدبيره مع أصدقائه الدوليين، وهو قرار له ما بعده من تداعيات التي قد تؤثر في الجارة سورية بشكل كبير، وفي المعادلة اللبنانية الداخلية، خاصة موقع حزب الله وسلاحه، وعلى خلفية أن تقوم المعارضة بقيادة غير ظاهرة للحريري باكتساح مقاعد البرلمان اللبناني المقبل بعد أشهر، مما يسهل في رأى البعض تطبيق القرار الدولي وتنفيذ بقية اتفاق الطائف، كان الحريري يشكل رأس حربة، تلتف حوله المعارضة باشكالها المختلفة، وبوجوده وطرحه المعتدل وعلاقاته الداخلية والخارجية، يخرج المعارضة من التقوقع الطائفي والمناطقي، ويُصعب من عزلها، ويقدم لها بعدا دوليا غير منازع أو مسبوق.
ثالثا : لقد كانت خلفية حديث المعارضة اللبنانية المتصاعد أنها تعد العدة للدخول في الانتخابات المقبلة على طريقة الحركة (البرتقالية) على شاكلة ما حدث في كل من أوكرانيا وقبلها جورجيا، أي أنها ستطيح ديموقراطيا بكل المعوقات التي وقفت في وجهها حتى اللحظة، وقد اتخذ الأستاذ وليد جنبلاط موقف التصعيد غير المهادن، واتخذت كتلة الحريري الدعوة لضبط العلاقة من خلال تفعيل كل اتفاق الطائف.
رابعا: الحركة خارج لبنان كانت متسارعة أيضا، موت الرئيس ياسر عرفات، انتخابات فلسطينية نزيهة، وصول محمود عباس إلى قمة السلطة الفلسطينية، ومن ثم مؤتمر شرم الشيخ الذي جلس فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي لطاولة رئيس وزراء فلسطيني يحف بها رئيسا دولتين عربيتين، ثم انتخابات غير متوقع نجاحها كما تمت بالفعل في العراق.
كل هذا التطورات أعادت من جديد إلى المطبخ اللبناني المحتقن ثلاث قضايا على الساحة اللبنانية، وهي التوطين، سلاح حزب الله، الانسحاب السوري، وأصبح المراهنة على طبخ الانتخابات اللبنانية مراهنة خاسرة، وهي تحت مجهر الرقابة الدولية الصارمة.
هنا كان التحليل قد وصل مداه، هل يمكن ترك المعارضة بقوتها الدافعة الوصول إلى أغلبية قد تغير المعادلة التي تمت منذ أشهر، وماذا يحدث لها لو غاب رجل الاعتدال فيها وقطب التجمع الواسع رفيق الحريري، ما هي الخسائر، وما هي الأرباح في كل ذلك.
احسب إن الرجال القليلين الذين اتخذوا القرار في تصفية المرحوم رفيق الحريري كانت أمامهم تلك المعضلة، ماذا يحصل لو ترك الأمر على علاته يسير بدافعة ذاتية في لبنان قد يقود إلى تغيير المعادلة ووضع المعارضة في الحكم، وماذا لو ذهب الحريري من المعادلة، من يبقى وبأي قدرة يقود الانتخابات؟ من التحليل السابق وجد اؤلئك الرجال القليلون في تلك المدينة إن ذهاب الحريري وانتفاء صورته وصوته من تلك المعادلة قد يقود إلى أهون الشرور، رغم انه سيطلق بالضرورة شرورا أخرى فاتخذ القرار، وليس مهما البحث عن أداة التنفيذ، فهي في النهاية أداة تنفيذ لا غير.
الاحتمالات السياسية تصب في رغبة المخططين، فمعارضة دون الحريري المعتدل والقادر على جمع المختلفين، ورجل الدولة ذو العلاقة الواسعة بالخارج العربي والدولي، ستبقى معارضة محلية في أكثرها عمقا تحالف طوائف معتاد عليه لبنان، ومعتاد عليه اللبنانيون، كما سوف تضطر تلك المعارضة إلى الدخول في تشنجات غير سلمية، تبعدها عن الاعتدال فيقل التعاطف معها محليا ودوليا، وتسهل خلط الأوراق بعدها بسهولة، إما الإذعان أو الفوضى، إما صناديق الانتخاب فمتعذر إن تكون المدخل للتغيير، تلك مخاطرة.
خسارة لبنان بينة لا تحتاج إلى كثير تفسير، فالحريري كان موضع ثقة دول (العون) الاقتصادي للبنان سواء كانت في الخليج أو في الخارج، ومحط ثقة (العون) السياسي الدولي، وبدونه على رأس المعارضة لا يصبح للمعارضة رأس مؤثر تجاوز الطائفة ليصل إلى الوطن.
وبغيابه يكثر الضغط على الاقتصاد اللبناني فينشغل اللبناني العادي بتدبير لقمة عيشه، أو المسارعة بالاستلزام إلى قادة المليشيات السياسية أو الحربية الجديدة، وتبقى لبنان حتى إشعار آخر تحت خط الخطر المزدوج.
من اخطر ما رفع من شعارات في لبنان في السابق تبريرا وتفسيرا للحرب الأهلية، أنها كانت حرب (الآخرين في لبنان) حقيقة الأمر وان كان هذا الشعار يريح القلوب المتعبة ولكنه لا يدخل في العقول اليقظة، لبنان أولا وديعة اللبنانيين، كمثله مثل أي بلد آخر في هذه المنطقة، فان قرر اللبنانيون أن يسمحوا، بسبب شراهة بعضهم السياسية، تدمير بلدهم استطاعوا، وان شاءوا أن يحصنوه فعلوا.
التحصين والتدمير بيد اللبنانيين أولا، وكان الرئيس الحريري رجل التحصين بحق، والجانب اللبناني هو الذي يستطيع أن يمنع حرب الإخوة أو يشعلها.
المخاطر على لبنان في غياب الحريري متعاظمة، والخلل في لبنان على المنطقة يتعاظم، وفي الغالب اؤلئك الرجال القلائل الذين اتخذوا القرار، كان يجمعهم شيء مشترك، هو قصر النظر، إلا إن الدروس الكثيفة قد علمتنا إن خلل الأوطان يبدأ بخلل أهم هو الخلل في فهم المواطنة، وتغليب المصالح الفئوية والطائفية والأسرية على مصالح الوطن، فيعرض إلى ما لا تحمد عقباه، وهو درس يصلح للبنان كما يصلح لأي وطن في فضائنا العربي الممتد من البحر إلى البحر.
كاتب كويتي