هزني من الأعماق كأي عربي آخر ما وقع صبيحة الرابع عشر من هذا الشهر بعاصمة لبنان بيروت، هزني اغتيال رجل عصامي لم ألتق به على الإطلاق، لكنني تابعت حياته منذ أن بدأ قاطفا للحمضيات في جنوب لبنان، وإلى أن أصبح رئيسا لوزراء لبنان بعد أن ساهم عام 1989، في وضع أسس اتفاق الطائف الذي وضع حدا لسنوات الحرب المجنونة التي عاشها لبنان خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
فهناك رجال يولدون وفي أفواههم ملاعق ذهبية ممتلئة بالعسل، فيضيعون الملاعق والعسل معا بممارساتهم وتصرفاتهم البعيدة عن روح المسؤولية، وهناك رجال آخرون يولدون من رحم الأزمات، فقراء من كل شئ إلا من أفكارهم، ومن إرادتهم وعزائمهم، فتعلو هاماتهم مع الأزمات، وتكبر معهم أعمالهم، ويصبحون بمرور الأيام من صنف هذا الراحل الحريري المفيد لأهله ولأمته وللإنسانية جمعاء.
من كان وراء اغتيال الرجل؟ ومن المستفيد من عملية الاغتيال؟
سؤالان كبيران ربما تتفرع عنهما عشرات الأسئلة، والعديد من علامات الاستفهام المحيرة..
هل اغتيال رفيق الحريري اغتيال إرهابي بحت، قامت به منظمة تنتمي لهذا الفصيل الوهمي الإرهابي المجهول، الذي قيل إنه أرسل شريطا إلى قناة الجزيرة يعلن فيها تبنيه للعملية، أم أن الاغتيال عمل سياسي إرهابي من صنع دولة مثل إسرائيل المختصة في الإرهاب والقتل بجميع أصنافه، والتي لها مخابراتها ووسائلها البالغة الدقة في التفنن في ممارسة القتل والتخطيط لجميع أساليب الإرهاب قصد خلط الأوراق لصالحها حتى تتفرغ للفلسطينيين لتفرض الحل الذي تريده، بعد أن يتم إلهاء العالم كله خاصة سوريا ولبنان بمعارضته ومقاومته في حرب داخلية؟ المعارضة اللبنانية لم توجه أصابع الاتهام إلى سوريا وحدها، بل إلى الحكومة اللبنانية التي اعتبرتها شريكا في هذا العمل المشين.
و إذا كنت لا أنصب نفسي هنا مدافعا أو محاميا عن أي كان، لا عن النظام السوري، ولا عن الحكومة اللبنانية، فإنني مع ذلك أتساءل ما فائدة سوريا من قتل الحريري، وهي تعيش منذ ما قبل احتلال العراق مخططا يستهدف ضرب استقرارها وأمنها، لأنها لم تدخل ضمن مخطط الترويض والتركيع على الطريقة الأمريكية في إحلال الديمقراطية وتطبيق الإصلاحات؟
الأمريكيون وعلى لسان رامسفيلد وزير دفاع الإدارة الأمريكية، يصرحون أن سوريا لا تساعدهم على تنفيذ أهدافهم في العراق، وأنها تحاول إلحاق الهزيمة بقواتهم في هذا العراق المحتل، ولايخجلون في نفس الوقت من مناشدة السوريين بتطبيق القرار الاممي 1559 بدعوى أنهم محتلون للبنان.
وبعبارة أخرى فالأمريكيون يريدون أن يقولوا للسوريين إنكم لكي تكونوا عندنا نحن الأمريكيين والغربيين عموما «ناس ملاح» حسب التعبير الشعبي الشائع مغاربيا، فعليكم بمساعدتنا على بقاء احتلالنا العراق، بأن تنسحبوا أنتم من لبنان، وأن تسلموا لنا نحن الأمريكيين المسؤولين على أرزاق الناس في العالم كله، الأموال التي يقال إن أقطاب النظام العراقي السابق هربوها إلى سوريا، وتسلموا لنا معها المسؤولين العراقيين السابقين الذين فروا إليكم.
وبمنطق كهذا، فالسوريون الذين جاؤوا إلى لبنان بإرادة النظام اللبناني يجب أن يعترفوا أمام العالم كله باحتلالهم للبنان، وأن يدينوا أنفسهم بأنفسهم. ولذلك فإذا عاد الملاحظ لتحليل أبعاد الاغتيال، فإنه يمكن القول إن القراءات الأولية التي تحملها العملية تستهدف تأزيم الوضع في لبنان، وإعادة هذا البلد إلى أجواء الحرب الأهلية، وتأليب المعارضة على سوريا وعلى النظام القائم معا، فكل المؤشرات توحي بأن الانتخابات القادمة في لبنان كانت ستعيد الحريري على رأس الحكومة اللبنانية، بعد أن استطاع الرجل إعادة إعمار لبنان أثناء فترة رئاسته للحكومة وجعل مختلف القوى السياسية تلتف حوله، بل وترى فيه منقذ لبنان.
وهذه الأوراق الداخلية التي كانت بحوزة الحريري، يضاف إليها التأييد الدولي الذي كان يحظى به الرجل، لارتباطه بصداقات شخصية حميمية مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وبعلاقات جيدة مع الأمريكيين والغربيين عموما، لم تثنه عن التعهد أمام أقطاب المقاومة اللبنانية، وعلى رأسها جماعة حزب الله للشيخ نصر الله المدعوم من إيران والمؤيد من سوريا، بأنه لن يقدم في حال عودته لترأس الحكومة من جديد، على نزع سلاح المقاومة، وفي اعتقادي أن هذه النقطة هي التي تكون قد أقلقت إسرائيل. من حق المراقب البعيد عن التشنجات المرتبطة بالمشهد الدرامي الذي نتج عن متابعة عملية الاغتيال البشعة ضد رجل أنذر حياته من أجل خدمة شعبه وبلاده أن يتساءل، ما فائدة سوريا من اغتيال الحريري؟
ومن حق سوريا أن تبحث عن الاستقرار والأمن في بلد مجاور يشكل لها عمقا استراتيجيا بحكم العلاقات التقليدية القديمة، لكن أيعقل أن النظام السوري الذي يعيش تحت إرهاصات القرار الاممي 1559، ويتابع الوضع في العراق، ويسمع التهديدات الأمريكية التي ما فتئت تتحدث عن سوريا كمحور رئيسي من محاور الشر إلى جانب حليفتها إيران أن تقدم على اغتيال الحريري الذي لم يكن معارضا شرسا للوجود السوري عكس معارضين آخرين؟
إذا بحث المرء دون تشنج عن المستفيد الأول من هذا الاغتيال الإرهابي، فلن يخرج تخمينه عن الدائرة الإسرائيلية، لسبب رئيسي ذكرته آنفا بشأن نية الحريري عدم تجريد المقاومة من سلاحها، في حال عودته لرئاسة الحكومة كما سربت ذلك أوساط المقاومة.
ولذلك فإن الاغتيال كان يرمي إلى قتل رمز بارز من رموز الإجماع اللبناني، رمز باغتياله يمكن دفن اتفاق الطائف بكل ما حمله ذلك الاتفاق من إضفاء طابع مميز للعلاقات اللبنانية السورية، وإحلال الأمن والاستقرار في لبنان بعد سنوات مجنونة حمراء كادت فيها الدولة اللبنانية تزول من خريطة منطقة مأزومة.
الاغتيالات السياسية ظلت على الدوام لعبة اسرائيلية مفضلة تجاه من يقف في طريق مخططاتها، لذلك ألا يكون هذا الفعل الإجرامي فعلا إسرائيليا يتم توظيفه بدقة ضد سوريا لتأليب المجتمع الدولي عليها وليس المعارضة اللبنانية فقط؟
ومثل هذا الإخراج لسيناريو كهذا، لن يكون غريبا على أصحاب أسطورة «الماسادا» وهي قصة تكشف مدى تجذر الإرهاب في المجتمع الإسرائيلي منذ آماد بعيدة، حاول دعاة الفكر الصهيوني فيما بعد تحريفها وتوظيفها في شكل أسطورة بطولية، إلى أن قام المؤرخ اليهودي «ناخمان بن يهودا» عام 1989 بفضحها وكشف ملابساتها، حين ذكر أن كل ما في الأمر أن هناك جماعة يهودية كانت تمارس أثناء الأعياد عمليات قتل بواسطة الخناجر ضد المجتمع اليهودي، ثم حاول البعض إخفاء هذه الحقيقة بأن نسبوا لهذه الجماعات الإرهابية صفات البطولة الخارقة.
فالسجل الإسرائيلي إذن حافل بعمليات الاغتيال، وهو أكبر شاهد على أن القتل حرفة إسرائيلية محبذة يلجأ إليها كل مرة من قبل الحاكمين في إسرائيل لتنفيذ مشاريعهم في التوسع والهيمنة والابتزاز السياسي والاقتصادي.
ولعل قصص اغتيال الوسيط الدولي الكونت «برند وت» والعلماء الألمان في مصر، والعديد من القادة الفلسطينيين والمتعاطفين مع القضية الفلسطينية والعربية عموما، هي أكبر الشواهد على أن «المسادا» ستبقى فعلا إسرائيليا بارعا في الإرهاب السياسي والقتل بطريقة محبوكة، وتوحي للآخرين كم أن أصحاب الفعل الحقيقي أبرياء من الجريمة المرتكبة. إن قلبي سيبقى يعتصر حزنا على رجل فقده إخوتنا في لبنان كان بإمكانه أن يقدم المزيد من الإسهامات لهذا البلد، الذي مازال يعاني من جروح دامية لحرب كادت لا تنتهي لولا أمثال الحريري عليه رحمة الله.
قلبي على مستقبل هذا البلد العزيز أن يستغل أعداؤه حالة التهييج والتشنج والاحتقان التي أعقبت الاغتيال، فيشعلوا الحرب من جديد، ليتفرجوا بعد ذلك على ما يجري، حتى ينفذوا مشاريعهم بكل راحة وهدوء بال. وقلبي على شعب سوريا الذي تربطه مثل شعب لبنان علاقات إخوة ومحبة مع بلدي، عمقها وجود الأمير عبدالقادر هناك ومعه آلاف الجزائريين الذين مازالوا يعيشون في سوريا وفي لبنان، وعاش البعض منهم قبل ذلك في فلسطين.
قلبي عليهم ككل الجزائريين الذين يأملون ألا يكون النظام القائم في سوريا كبعثي صدام الذين تصدق فيهم صيحة المرأة العربية الأندلسية الفحلة لابنها عبد الله الصغير حين وقفت تتحسر على سقوط غرناطة وهي تشاهده يذرف الدموع: ابك يا ولدي ملكا أضعته مثلما تبكي النساء.













التعليقات