لا يمكن النظام السوري ان يتجاهل بعد اليوم التطورات التي حصلت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري أكان على الصعيد اللبناني ام على الصعيدين العربي والدولي.
فدولياً بات شبه اكيد ان الدول الكبرى ستغير نمط تعاطيها مع سوريا ومع السلطة اللبنانية بعد الاغتيال، لأنها اعتبرت ان ما جرى كان بمثابة رسالة جوابية على موقف المجتمع الدولي المؤيّد لاستقلال لبنان وسيادته وحريته، بل كان بمثابة رد على محاولة ايجاد مخرج لائق مشرّف لسوريا عبر وساطة موفد الامين العام للامم المتحدة تيري رود – لارسن.
ولقد بات واضحاً ان المجتمع الدولي لن يتراجع عن تنفيذ القرار 1559، كما لن يتراجع بشكل خاص عن مطالبته بتحقيق دولي لكشف مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.وهذا الموقف مرتبط مباشرة بالسياسة الدولية الجديدة في الشرق الاوسط والهادفة الى نشر الديموقراطية في العالم العربي والقضاء على الانظمة التوتاليتارية التي استبدت بشعوبها، ولا تزال، والى وضع حد لسياسة وضع اليد التي مارستها بعض دول المنطقة حيال دول اخرى وبالاخص وضع اليد السورية على لبنان.
ومن غير المستبعد ان نشهد في القريب العاجل مرحلة شد حبال بين سوريا والمجتمع الدولي قد تبدأ بفرض عقوبات على دمشق، وعلى بعض اللبنانيين وغير اللبنانيين، المرتبطين بالنظام السوري في سوريا ولبنان وربما في العالم، اضافة الى ارتفاع وتيرة التوتر على الحدود بين سوريا والعراق حيث يرابط الجيش الاميركي.
أما على الصعيد العربي، فقد أحدثت عملية الاغتيال صدمة رسمية وشعبية واسعة جعلت رفيق الحريري شهيد العرب وليس شهيد لبنان فحسب. كما ذكّرت الانظمة العربية بالأيام السود للحرب اللبنانية وما كان يرافقها من سياسات ابتزاز تمارس على كل نظام او حاكم عربي أراد المساهمة في حلّ القضية اللبنانية، وكأن المقصود اليوم – كما كان في السابق – تهشيل العرب واستثماراتهم من لبنان وتفريغ البلد من قدراته الاقتصادية، وضربه مالياً ومعنوياً كي يعجز عن استعادة قوته ومناعته ودوره الريادي! ولا ننسى في هذا الاطار ما عاشه لبنان من سلسلة اغتيالات وخطف للديبلوماسيين والرعايا الأجانب بهدف عزله دولياً بعد إقفال السفارات فيه.
ولكن، ازاء الكارثة التي حلّت بالبلد يبدو ان اصدقاء لبنان في العالم العربي لن يتراجعوا هذه المرة امام الابتزاز وسيستمرون في مساعدة لبنان مجددين ثقتهم بقوة شعبه وقدرته على التغلب على المآسي والصعاب، مؤكدين حرصهم على ان يستعيد لبنان حريته واستقلاله وسيادته، ومصرّين أيضاً على كشف كل الحقائق حول جريمة الاغتيال بواسطة لجنة تحقيق دولية توضع في تصرفها كل المعلومات المتوافرة دولياً وعربياً.
* * *
أما لبنانياً فمما لا شك فيه ان زلزال الاغتيال جعل كل الشعب اللبناني يخرج عن صمته ليقول بصوت عال: كفى!
كفى احتلالاً. كفى استبداداً. كفى ابتزازاً. كفى ذلاً. كفى وصاية. كفى استغباءً. كفى قتلاً وكفراً. كفى ذبحاً ونهباً... كفى!
وهذه الرسالة اللبنانية الموجهة الى النظام السوري – لا الى الشعب السوري لأن لبنان ليس في حالة عداء معه - رسالة واضحة تؤكد ان انتفاضة الاستقلال قد بدأت، وان وحدة اللبنانيين اصبحت حقيقة وواقعاً لا رجوع عنهما، وكل محاولات السلطتين اللبنانية والسورية لايجاد صدع داخل المجتمع اللبناني ستسقط امام وعي اللبنانيين أحزاباً وأفراداً بأن لا يُستعملوا أو ينجرّوا الى فتن داخلية لخدمة المصالح الخارجية، وأمام إرادتهم واصرارهم على مواجهة المحنة صفاً واحداً.
لذلك نقول ان مناورات السلطة من خلال مناداتها بالحوار بين المعارضة و"لقاء عين التينة" مرفوضة، لأن لا خلاف بين اللبنانيين، وان الخلاف هو بين الشعب اللبناني والسلطة اللبنانية الناطقة باسم السلطة السورية.
واسمحوا لنا بأن نقول في هذا السياق للرئيس المصري حسني مبارك إن معلوماته عن الوضع اللبناني الداخلي غير دقيقة ومغلوطة. وكنا نتمنى عليه ان يشارك المواطنين المسيرات الشعبية ليعرف تمام المعرفة أن الشعب واحد موحد وأن لا شرخ بين اللبنانيين وان مطالبته بحوار لبناني لبناني قبل الحوار مع سوريا مطالبة ساقطة وغير مبررة.
كما اننا نتمنى عليه ايضاً ألاّ يصبح طرفاً في الصراع بتبنيه مواقف هذه الدولة الساقطة والمفلسة والفاقدة شرعيتها الشعبية والناطقة باسم دولة الوصاية فقط لا غير.
اما كلامه على وعود الرئيس الاسد باعادة الانتشار، فكنا تمنينا ان لا تكون قد خانته الذاكرة الى هذا الحد، وليته يأخذ علماً بأن سوريا كانت وعدت بكل ذلك منذ عام 1992 ولم تفِ بوعدها يوماً... فالمطلوب واحد هو جلاء، وليس اعادة انتشار، لأن المطلوب هو استرجاع الاستقلال وليس تكريس الوصاية كي لا نقول الاحتلال.
واننا نكرر ان محاولات تحويل الانظار وتزييف الحقائق محكومة بالفشل، والمطلوب واحد وبسيط: رحيل هذه السلطة ومن هم وراءها وفوقها!
اما الحوار، وهو مطلوب كذلك، فبين الشعب وسلطة جديدة تتحلى بالحد الادنى من الصدقية والحيادية اللتين تؤهلانها لمحاورة سوريا حول آلية جلاء قواتها عن لبنان، من اجل رعاية اجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة، وكشف الحقيقة حول جريمة اغتيال الرئيس الحريري عبر لجنة تحقيق دولية.
ولا بد من ان يكون لهذه الحكومة الحيادية الانتقالية المصغرة برنامج واحد متكامل ومتساو في تلبية المطالب الثلاثة: لجنة تحقيق دولية، وآلية لجلاء الجيش والمخابرات السورية من اجل اجراء انتخابات نيابية نزيهة، وإشراف على الانتخابات النيابية مع مراقبين دوليين.
وبهذه الطريقة نوفّر على لبنان، وخصوصاً على سوريا، المزيد من المتاعب والكوارث التي اصبحنا كلنا في غنى عنها، آملين في ان يتجاوب النظام السوري مع صرخة الشعب اللبناني المقهور والنداءات العربية والدولية المحقة للبنان والمطالِبَة سوريا بوضع حد لحلمها المستحيل بابتلاع لبنان وضمّه اليها!
ان الارادة الدولية وراء تنفيذ القرار 1559 واضحة، كذلك ارادة العرب لمساعدة لبنان، كذلك وحدة اللبنانيين التي تجلّت نهائياً حيث إن انتفاضتهم الاستقلالية لا رجوع عنها أياً يكن الثمن...
... انها حقائق لا يمكن سوريا تجاهلها بعد اليوم، وهي تحضّها على الاستفاقة من غيبوبتها والتراجع عن تسلطها والتحلي بالعقلانية التي وحدها تقود الى بناء مستقبل افضل للبنان وسوريا والمنطقة!














التعليقات