انتهى مشروع النهضة العربية الى ما يشبه الانكسار والهزيمة بعد قرابة قرنين على انطلاقته اوائل القرن التاسع عشر، فلا التنمية الموعودة التي أطلق عليها النهضويون اسم lt;lt;التمدنgt;gt; تحققت، ولا دولة العدالة والحرية والمساواة قيّض لها ان تبصر النور، ولا دحر الصهيونية الاستيطانية واقتلاعها من أرضنا باتا من الممكن او المفكر فيه بعد اكثر من قرن على بدء المواجهة معها، في حين دخل العرب الاعوام الاولى من القرن الحادي العشرين بسبعين مليون أمي، منهم 17 مليونا في مصر وحدها، موطن البدايات الاولى للنهضة العربية، والتي تطلع محمد علي الى جعلها جزءا من اوروبا، اضافة الى مئة مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر والى تدن في الدخل القومي، وفي الانتاج المعرفي، بالترافق مع ترد مريب في الحريات السياسية والاجتماعية، حتى ان سمير أمين ذهب في تعبيره عن هذا المأزق النهضوي الى حد القول: lt;lt;ان العرب يدخلون القرن الحادي والعشرين بأضعف مما دخلوا القرن العشرينgt;gt;.
هذا المأزق اعاد طرح اسئلة النهضة العربية من جديد، من سؤال الحرية الى سؤال المساواة والهوية والتنمية وحقوق الانسان وموقع الدين والتراث والغرب في اي مشروع لاستئناف حركة النهضة العاثرة.
وفي هذا الاطار التاريخي المأزوم يندرج كتاب lt;lt;ايديولوجيا النهضة في الخطاب العربي المعاصرgt;gt; لرضوان زيادة. فقد عمل المؤلف عبر نظرة شمولية على مقاربة اسئلة النهضة والمشاريع النهضوية العربية من وجهة نظر نقدية تهدف الى lt;lt;اعادة ترتيب اولويات الخطاب العربي من جديدgt;gt; وكشف اوجه الخلل التي أسهمت في حالة الاحباط الراهنة في هذا الخطاب.
يبدأ زيادة من سؤال النهضة ذاته وما يكتنفه من تناقض والتباس، فهل النهضة هي استجماع القوى لمواجهة الغزو الخارجي ام هي الولادة الجديدة في مجالات الفن والفكر والاقتصاد كما تمثلت في الوعي الاوروبي؟ وهل النهضة العربية بدأت مع حملة نابوليون على مصر أم هي صناعة عربية اسلامية؟ وهل نبدأ نهضتنا من العودة الى الاصول، ام من تقليد النموذج الاوروبي، ام من خلال التوفيق والتلفيق بين الاسلام والغرب؟
تناول زيادة سؤال النهضة في فكر النهضويين الأوائل فرأى في الطهطاوي الأب الروحي لعصر النهضة، فسؤالها كان مركزيا وملحا وسابقا لديه على هم الدفاع عن الاسلام، وإن يكن يشدد دائما على ان ما يقدمه من إعجاب بlt;lt;الفرنساويةgt;gt; هو مما لا يخالف امر الشريعة. وكذلك دعا خير الدين التونسي الى تبني النموذج الغربي والأخذ بمعالم الحياة الاوروبية بما لا يتعارض مع دعائم الدين الاسلامي. ورأى جمال الدين الافغاني ان الطريق الى التمدن الحقيقي هو الاصلاح الديني وتنقية العقول من التصورات الخاطئة عن الاسلام بالعودة الى أسس النهضة الاسلامية الاولى.
واعتبر محمد عبده ان الاسلام ينطوي على بذور الدين العقلي والعلم الاجتماعي والقانون الخلقي، وما على المسلمين سوى تحرير فكرهم من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الامة قبل ظهور الخلاف حتى يتمكنوا من بلوغ النهضة المنشودة. وذهب رشيد رضا الى ان تعاليم الاسلام تؤدي الى الفلاح، لا في الآخرة فقط، بل في هذه الدنيا ايضا، فما سبب تخلف المسلمين الا تفريطهم بدينهم.
في مقابل هذا الاتجاه السلفي سيظهر تيار آخر فرح انطون وسلامة موسى يرهن سؤال النهضة بالغرب وبتبني مقولاته وأنظمة حكمه، ما فجر السجال التاريخي بين انطون ومحمد عبده على خلفية المبادئ الاوروبية وإمكانية اقتباسها في الفكر العربي.
يطرح سؤال النهضة اشكالية تخلف المجتمع العربي وأزمته الراهنة، فالسؤال الضاغط lt;lt;لماذا تأخر العرب المسلمون وتقدم غيرهم؟gt;gt; الذي حاول شكيب ارسلان الاجابة عنه، لا يزال مطروحا بشكل اكثر إلحاحا. فقد بدا التخلف في القراءة النهضوية الطهطاوي، التونسي، الافغاني، عبده عارضا طارئا لا تلبث الامة ان تتحرر منه بمجرد زوال المانع المتمثل في الانحراف عن النص الديني، او في الاستعمار، او نتيجة اهمال العلم والاكتساب. لكن نكسة 1967 سرعان ما كشفت فداحة الهوة وبدا العارض والطارئ عميقين وبنيويين. وتتوالى النظريات والدراسات التي تحاول قراءة المجتمع العربي قراءة مختلفة عن القراءات النهضوية، فيرى هشام شرابي ان ازمة المجتمع العربي تكمن في بنيته الابوية البطريركية وان التغيير الجذري لهذه البنية هو الحل المنشود لاشكالية التخلف. وتشدد القراءة الثقافوية على ان مكمن ازمة المجتمع العربي في بنيته العقلية او الذهنية وفي طبيعة تفكيره، حيث رأى نصر حامد ابو زيد ان لحظة الغزالي في كتابه lt;lt;تهافت الفلاسفةgt;gt; هي لحظة الانكسار والانحدار التي كرّست طغيان الديني والفقهي على العقلي والفلسفي.
وفي حين ترى الدراسات الثقافوية ان الثقافة العربية تكرس الاستبداد وتحض عليه، ويذهب اليسار في بعض تلويناته الى ان ازمة العقل العربي تكمن في كونه غير قومي وغير علمي، يرى بعض الاسلاميين الحل في اعادة تشكيل العقل وفق المنهج الاسلامي. وفي مقابل هذا الطرح يقدم محمد أركون مشروعه الهادف الى اعادة تقييم نقدي شامل للموروث الاسلامي والى تحرير العقل من تراكمات هذا الموروث، كي يصبح عصريا وعقلانيا وتاريخيا، بما يمهد لحل ازمة المجتمع العربي في العمق. ويتوجه محمد عابد الجابري نحو نقد العقل العربي بوصفه جزءا اساسيا وأوليا من كل مشروع للنهضة، باعتبار العقل العربي في حالته الراهنة اكبر عائق امام النهضة.
إزاء هذه التفسيرات التي ترى الازمة في العقل العربي والخروج منها بالرهان عليه، يذهب التفسير الماركسي الى ان المخرج في اعادة الاعتبار للاشتراكية بوصفها رهان المجتمع العربي. أما برهان غليون فيرى من وجهة نظر سياسية اجتماعية ان ازمة المجتمع العربي إنما هي ازمة سياسية اجتماعية بدأت جذورها مع تكون الدولة العربية في المشرق العربي مطلع القرن العشرين وإخفاقها في انشاء الحداثة، ما أوصل المجتمع العربي الى نموذج مهزوم منهك والى قطيعة شبه كاملة بين الدولة والأمة.
ثمة مأزق ايديولوجي اذاً طاول الفكر العربي في جميع تياراته ولّد ارتدادا الى عصر النهضة يلتمس فيه الشرعية وامكانية استعادة حيويته وانطلاق النهضة العربية من جديد. من هذا المنظور بالذات طرح الفكر القومي تصورا للمستقبل العربي يقوم على اعتبار الوحدة معادلا للنهضة والازمة نتيجة حتمية للدولة القطرية. لكن الفكر القومي يسقط في أوهام أيديولوجية تستحيل معها اطروحاته بلاغة لفظية تتماهى فيها المتناقضات، ويغير المعنى الحقيقي للنهضة وتُطمس كل النكسات والنكبات التي منيت بها الأمة.
من هنا يدعو زيادة الى اعادة النظر كليا في فكر النهضة العربية ووضعه ضمن سياقه التاريخي الموضوعي، ما يوجب التمييز بين النهضة كمفهوم وتوجه، وبين المقولات النهضوية المرتبطة بزمانية محددة، ليخلص في النهاية الى ان lt;lt;النهضة الحقيقية تبدأ في اللحظة التي نعلن فيها نهاية استعادة عصر النهضةgt;gt;.
نخلص من كتاب رضوان زيادة بانطباع يؤكد الجهد الذي بذله المؤلف من أجل اعطاء صورة بانورامية شاملة لايديولوجيا النهضة في الخطاب العربي المعاصر وصوغ سؤال النهضة مجددا في سياقه التاريخي بعيدا عن الاوهام الايديولوجية المراوغة. يبقى ثمة ملاحظات على هامش الكتاب:
أ اعتبر زيادة ان المشاريع النهضوية هي مشاريع مزيفة للنهضة تسعى لاعطاء تبرير لمشروعية السلطة لانها من صنع السلطة وبإيحاء منها، وأنها توجهت الى الملك او الحاكم من موقع الناصح المرشد من دون اخفاء انحيازها وتملقها على حساب الرعية، إيمانا منها بأن التحديث لن يتم الا من فوق عن طريق السلطة السياسية. فمثقف النهضة في رأي زيادة كان في الغالب مستخدما من قبل السلطة، ومبشرا اكثر منه مستنيرا.
هذه الاستنتاجات فضلا عن كونها مجحفة وظالمة تبين عن جهل بالتوجهات الحقيقية لكثير من النهضويين. فإذا كان الكواكبي حقا مستخدما من السلطة مبررا لمشروعيتها، متملقا اليها، فلماذا إذا حكمته السلطة بالاعدام ولم ينجُ، الا بفعل الضغط الشعبي الكبير المؤيد له؟ لو قرأ زيادة lt;lt;طبائع الاستبدادgt;gt; بإمعان، حيث اعتبر الحاكم وأعوانه lt;lt;زمرة لصوصgt;gt; لأدرك رأي الكواكبي الحقيقي بالسلطة ولفهم سبب فراره الى مصر حيث لاحقته السلطة ودست له السم ليموت. واذا كان فرنسيس المراش الذي لم يأتِ زيادة على ذكره، مثقف السلطة ومستخدما لها، فلماذا استجار اذا بالحماية الفرنسية لينجو من الموت؟ من الواضح ان زيادة لم يقرأ قصائد المراش الشديدة الادانة للسلطة ومظالمها واستبدادها، كما لم يُعر اهتماما لموقفه المتميز من الرعية ودورها في السياسة. وإذا كان جبرائيل دلال الحلبي مثقف السلطة فلماذا اذاً نفي وسجن ثم أُعدم؟ وهل ما جاء في قصيدة lt;lt;العرش والهيكلgt;gt; للدلال، يندرج في تبرير مشروع السلطة؟ لكن يبدو ايضا ان زيادة لم يطلع على قصيدة مواطنه السوري وما تضمنته من ادانة حادة للحكام ورجال الدين والسلطة الاستبدادية عموما.
ب في رأي زيادة ان فكر النهضة نظر نظرة تبجيلية للغرب، وهنا ايضا يعرب المؤلف عن جهل بحقيقة موقف النهضويين، فهل كان بطرس البستاني مبجلا للغرب، وهل قرأ زيادة رأيه في التمدن الغربي؟ وهل كان كذلك موقف المراش الذي أدان ادانة حادة في قصائده ومقالاته في مجلة lt;lt;الجنانgt;gt; ما آلت اليه مدنية الغرب من حروب وتوحش وعبادة للمال واستبداد الاقوياء بالضعفاء، رغم اعجابه الشديد بإنجازات الحضارة الغربية في العلم والثقافة والاجتماع؟ وهل كانت كذلك ايضا مواقف احمد فارس الشدياق وعبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الافغاني في نقدهم اللاذع لمساوئ الغرب رغم تقديرهم لتقدمه وتفوقه في مجالات العلم والعمران والسياسة؟
هذا كله إنما يدل على قراءة مجتزأة لفكر النهضة العربية وإصدار احكام ايديولوجية متسرعة تسهم في انتاج تصورات خاطئة لحقيقة موقف النهضويين.
ج اذا كنا نتفق مع زيادة على ان فكر النهضة العربية ليس حلا سحريا وشافيا لعللنا الحاضرة، وان التاريخ لا يراوح مكانه، وأنه من الصنمية استنساخ مقولات النهضويين من دون إلمام بتاريخيتها وزمانيتها، واستدعاء عصر النهضة ليكون حاكما على عصرنا، إلا أننا في المقابل نرى ان الدراسات لفكر النهضة العربية لا تندرج كلها في السياق الذي تصوره زيادة، فإذا كان بعضها في حالة ارتكاس الى الماضي احتماء من حاضر مأزوم منهك، لكن كثيرا منها يخرج عن هذا الاطار، لما يراه من جدوى وأهمية في استعادة المقولات النهضوية لبث الروح والحيوية في اوصال حاضرنا المتهالك وتحدي جموده.
ان استنساخ مقولات النهضويين كما هي، ظاهرة مرضية مع ان كثيرا منها متقدم على ما هو مطروح على الساحة الفكرية العربية الراهنة لكن استدعاءها من اجل استئناف توجهاتها العقلانية والانسانية والتحررية والمنفتحة يجب ان تكون من مهمات فكرنا الراهن. فهل من المرضية والرجعية استئناف الرؤية النهضوية المتنورة للدين والمجتمع والمرأة والتقدم والعلاقة مع الغرب؟
اننا لا ندعو بالتأكيد الى اقتباس هذه الرؤية واستنساخها بالكامل، فالعالم والتاريخ تغيرا حتما وفي العمق، لكن التوجهات النهضوية الهادفة في جوهرها الى الخروج من القرون الوسطى باتجاه الحداثة، لا تزال على رأس مهمات الفكر العربي في مواجهة زحف الظلامية القروسطية المستجدة.
هذه الملاحظات تجعلنا نستنتج ان رضوان زيادة قرأ ايديولوجيا النهضة قراءة ايديولوجية. وهنا تكمن الاشكالات التي أحكمت مؤلفه.

رضوان زيادة، lt;lt;ايديولوجيا النهضة في الخطاب العربي المعاصرgt;gt;، بيروت دار الطليعة 2004.