من فئة الشباب العرب الذين يصل تعدادهم بحدود 150 مليونا (20% منهم عاطلون عن العمل و15% تحت خط الفقر)، كم واحد شاهد على شاشات التلفزة ما جرى في وسط بيروت يوم امس الاول؟
كان مشهدا محرشا للمخيلة الشبابية العربية وهي تمدّ النظر لقدام ،مثقلة بالأصوات والأيدي التي تشدّها من الخلف: شباب وصبايا يسهرون الليل في طقس نفسي مرتاح. يتبطحون على الارض وهم يلوحون بالأعلام وينشدون للاستقلال الذي يعني اسقاط الحكومة وكسر حيطان جمهورية الخوف. وكما يحصل في تلفزيون الواقع Reality T.V. الذي يلغي المسافة ما بين فوق وتحت، فقد سقطت الحكومة اللبنانية بعد ظهر نفس اليوم لتنفتح طاقات وسيعة تطل على مشهد اقليمي يترنّح تاركا لكل شاب عربي (وجلهم مقهور) ان يتمثل نفسه وهو يشارك بتغيير مماثل للواقع المحيط به، ثم اعادة بنائه حسب المساحة المعتمة التي ترمح بها خيالاته وغرائزه.
وحتى تأخذ لعبة «تلفزيون الواقع» مداها الكامل في تصوير حالة الترنح التي تعيشها المنطقة بأسرها، فان كاميرات الفضائيات (وهي تتنقل بين عشرات العواصم والمواقع، بكلفة يقال انها تصل احيانا ربع مليون دولار لنشرة الاخبار الواحدة)، هذه الكاميرات لم يفتها ان تستذكر مشاهد مماثلة من سقوط المؤسسات القديمة في بغداد وكييف وبرلين، وان تستحضر مشاهد راهنة لاعتصامات واضرابات وبيانات من القاهرة ودمشق، ومشاهد اخرى للركض السياسي المرعوب، ثم تنهيها بتفاصيل من التقرير السنوي الاخير للخارجية الأميركية عن حقوق الانسان، وعن حالة الأديان والأقليات في العالم العربي، بايحاءات تعطي الانطباع بأن احدا في هذا الاقليم لن يفلت مما بات يوصف بأنه تغييرات مستحقة.
هذا التحالف غير المكتوب، بين الفضائيات ومنظمات المجتمع المدني، في تفجير الدمامل وتقليب الاحجار وفي تحريك الشارع العربي وادارة عملية التغيير السلمي بالمنطقة.. فيه كلمة سرّ جرى اعتمادها منذ قمة تونس العربية العام الماضي. يومها اتفقت وجهات النظر الرسمية على تنحية مبدأ التغيير المفروض من الخارج (كالذي حصل في العراق)، لكنها لم تتفق على الاسلوب البديل لتنفيذ المطالب والرؤى الاميركية التي تكرست تحت مسمى «الشرق الاوسط الوسيع». واشنطن كانت تعرف بالضبط ما تريد حيث جمعت معها تآلف الدول الثماني الكبرى G8 لتقول في قمة سي ايلاند وبعدها في «منتدى الحرية» بالرباط وبدون مواربة: انتم في الشرق الاوسط تتفقون معنا بأن التغيير ضروري ومستحق، ونتفق معكم في ان هذا التغيير يجب ان يأتي من الداخل وليس على ظهور دبابات الاحتلال. ولذلك سنترك مهمة التحريك manipulation والتسخين، لمنظمات المجتمع المدني (المحلية) وللفضائيات (العربية). وسنوفر كل الدعم والتغطية السياسية لهذه الادوات المدنية كي تأخذ مداها بدون عرقلة من اجل تنفيذ برامج الاصلاح التي لا تستطيع او لا تريد الانظمة ان تنجزها طوعا.
وبالفعل جرى مضاعفة المخصصات المالية من اميركا ومجموعة الدول الثماني من اجل انشاء صحف وفضائيات جديدة ومن اجل رعاية انشطة منظمات ومراكز المجتمع المدني التي قفز عددها في المنطقة الى عشرات الآلاف. (بعض الارقام المالية لم تعد سرية حيث تتوفر على الانترنت). كذلك لم يعد مسؤولو الخارجية الاميركية يحرصون على اخفاء لقاءاتهم مع نخب المجتمع المدني في شتى العواصم العربية لابلاغهم بأنهم محميون: فالأجهزة لم يعد بامكانها ان تتصرف خشية المحاسبة من طرف الدول المانحة والتشهير امام كاميرات الفضائيات.
بعض الانظمة التي تصفها واشنطن بأنها تأخرت في تسديد كمبيالات الاصلاح المستحقة، اعتقدت انها برفضها لمبدأ «التغيير المفروض من الخارج» قد اشترت مهلة سماح أخرى. ولذلك بدأت بتطويع لغتها واولوياتها بخطوات تجميلية واحيانا بتنازلات سياسية. قبلت مبدأ «التغيير من الداخل» وشرعت بانشاء ورعاية منظمات مدنية تحت عباءتها. كما اصبحت تصطحب حلفاءها من قيادات قطاع الاعمال ليكونوا شركاء مع منظمات المجتمع المدني في مؤتمرات وندوات الاصلاح الاقليمية التي تنقلت خلال العام الماضي في حوالي ثماني عواصم اقليمية واصبحت نوعا من بيزنس التطوير على غرار بيزنس السلام وبيزنس مكافحة الارهاب. لكن وصفة الاصلاح الداخلي الموكل بكتابتها ثلاثي «الحكومات ورجال الاعمال والمجتمع المدني» في عشرات المؤتمرات الاقليمية والدولية وآلاف الورشات المحلية الصغيرة التي استهلكت مخصصات بعشرات الملايين.. بقيت وصفة عقيم. فقد سقط من كشوف الحضور في هذه الخلوات والورش، طرف رابع يفترض ان يشترك ويلتزم بتنفيذ برامج التغيير، وهو «تآلف قوى الشد العكسي» التي يتوزع منتسبوها ومتطوعوها في كل المواقع، وتمتلك من القوى والادوات ما يجعلها قادرة على تفشيش دواليب الاصلاح وعلى اطاحة رواد الانفتاح وهم في بدايات الطريق. هذا التآلف لقوى الشد العكسي التي تخترق المنطقة افقيا، لم تجر دعوته رسميا الى طاولات الحوار، ولذلك بقيت كل هذه المؤتمرات تراوح مكانها وتعيد استنساخ بياناتها الختامية بمفردات عبقرية توشك ان تصبح مستهلكة رغم جدّتها وصوابها.
ومع ذلك فان الانتصار الرائع الذي حققته المعارضة اللبنانية يوم امس الاول، والذي تتقاسمه ايضا منظمات المجتمع المدني بقيادة الفضائيات، هذا الانتصار يكتسب بعض اهميته من انه عمم رسالة وصلت لمائة وخمسين مليون شاب عربي محتقن.. رسالة تقول بأن سدود الخوف المتوارث تشققت وها هي مياهها تتسرب امامكم.. وان عملية التغيير التي تولاها الشباب في لبنان وظهرت حية على شاشات التلفزة هي مسألة سهلة شيقة وقابلة للانتقال بالعدوى.
وحتى لو لم تكن هذه الرسالة دقيقة، الا انها وصلت هكذا، وتعممت بقوة تأثير هائلة. فالفضائية المحترفة ذات الملاءة المالية المتجددة (حسب تعبير المدير العام التنفيذي لاحدى هذه القنوات) تشبه المولّد النووي الذي يمكن تشغيله لأغراض متفاوتة تتخذ بقرارات سياسية من الممولين. وفي هذا ما يفسر الارتفاع السريع في اعداد الفضائيات العربية الى قرابة 230 قناة مع نهاية العام الحالي، حيث هناك خمس او ست اجندات سياسية تتحكم بمخرجات هذه الحروب الفضائية المتقاطعة. وقد وصل التقاطع الخفي في بعض هذه الاجندات الفضائية ذروته الاسبوع الماضي بسلسلة من الاخبار والتقارير التي تضمنت ضربا متبادلا تحت الاحزمة، لم يستمتع بمتابعته سوى القريبون من الحلبة.
ما يراد قوله الآن هو ان برنامج التغيير واعادة الهيكلة في المنطقة (كما جرى تلزيمه لمؤسسات المجتمع المدني التي تقودها الفضائيات) يتضمن ما هو اكثر وأصعب من الذي جرى ويجري في بيروت. فبقية بنود برنامج التغيير لا تحظى حتى الآن بالاجماع الاقليمي والدولي الذي توفر لانتفاضة المعارضة اللبنانية. ولذلك فان القراءات في الذي بدأ في العراق وانتقل الى فلسطين ثم لبنان، هي قراءات متفاوتة تستوجب الاجتهاد:
* فاذا كان دقيقا القول بأن تغييب الرئاسات العراقية والفلسطينية السابقة (بالاحتلال او الاغتيال) كان جزءا من برنامج الانتهاء من النظم الانقلابية والقيادات العسكرية التي استنزفت المنطقة لخمسين سنة، فان هذا التتابع السريع سيفتح شهية مدمني الفضائيات لانتظار أين ستنتقل الكاميرات بعد بيروت.
* وفي ضوء تجربة الانتخابات العراقية التي يراد تعميمها على المنطقة كنموذج للديمقراطية التعددية والتمثيل النسبي للأعراق والطوائف والمذاهب، فان «احتكار» العرب السنة للسلطة في معظم عواصم الشرق الاوسط - كما تأسس وتواصل بعد انتهاء الحكم العثماني - لن يعود هو القاعدة. فلن يكون مفاجئا بعد الآن ان تناط رئاسة الحكومة في لبنان للشيعة - بدعوى طمأنة سوريا وهي تنسحب -. كما لن يعود مستغربا تكليف شخصيات مسيحية برئاسة الحكومة في بعض البلدان التي طالما تجنبت ذلك احتكاما لأعراف ليس لها نصّ دستوري.
* وفي موضوع «المرجعيات» التي تستخدم لتعضيد الشرعية والاستقرار، فقد استجد الكثير مما افرزته الحالة العراقية خلال العامين الماضيين وتحول الى اسئلة مفتوحة تتولاها منظمات المجتمع المدني والفضائيات على طول المنطقة وعرضها: من ذلك مثلا العلاقة بين القبيلة والدولة والمرجعيات الدينية، ثم العلاقة بين الأمن والسياسة، وكذلك حدود العلاقة بين «الداخل والخارج» في جملة من الموضوعات تبدأ من مفهوم وحقوق المواطنة، ومسألة رعاية الاقليات، وتنتهي بتمويل بعض ادوات التغيير في سعيها لخلق ثقافة مدنية بديلة تضع حدا للكثير من الاعراف الاجتماعية التقليدية.
- آخر تحديث :














التعليقات