أحمد الربعي
لم يكن القاتل يعلم أن الضحية سيكون حاضرا ومتوقدا وموحدا للناس في قبره مثلما كان في حياته. لم يكن القاتل يتخيل أن الناس ستصلي عليه على طريقة كل الأديان، وستبكيه بكل الألوان. لم يكن القاتل يدري أن البلد الذي كان مقسما بين شمال وجنوب أصبح أرضا واحدة، وأن البلد الذي كان موزعا إلى أديان وطوائف قد أصبح أمام قبره يرفع هلاله وصليبه. يأتي اللبنانيون من أعالي الشمال، كما يأتون من أقاصي الجنوب، وتؤذن من أجله المساجد، مثلما تقرع الكنائس أجراسها!
منظر العجوز الذي يقرأ القرآن بجانب قبره امتزج بصورة الطفل الذي يضع شمعة عليها صورة السيدة العذراء على القبر نفسه. يا الله، كم كان الراحل كبيرا في حياته، وكم كان كبيرا في مماته.
بكته أسر كثيرة، وفقراء متعففون كثيرون، وطلبة ضمتهم مؤسسة الحريري ليدرسوا في أصقاع الدنيا من دون أن يسأل أحد عن دينهم، أو طائفتهم أو منطقتهم، بكته دور الأيتام والعجائز الذين كان يساعدهم على الاستمرار في الحياة بكرامة.
زرع رفيق فحصدت البلاد ما زرع. فالخير يثمر الخير، وكأنه يستحضر ما قاله إيليا أبو ماضي..
سـبيل العز أن تبني وتعلـي ولا تقنع بأن سواك يبنـــي
فمن يزرع لكي يجنـي سواه يعش ويموت من يحيى ليجني
بكته بيروت.. هذه العروس الجميلة التي كلما تزينت وتعطرت جاء اللصوص وقطاع الطرق محاولين تخريب عرسها. وكلما تحدت وقاومت وبنت، جاء من يريدون هدم مبانيها. اللصوص يخافون هذه المدينة، فهي لها طقوس خاصة في العناد. قهوة مقاهيها لها طعم خاص. اللبنة والزعتر و«الكِبة النية» لها طعم خاص. الساحل الذي يحتضن المدينة. والجبل الذي يحيط بها برفق لهما طعم خاص. ملابس الناس الممتدة من كفر شوبا وكفر حمام، والمارة في بعلبك وطرابلس والجبل وزغرتا وجونيه لها لون خاص. مدينة الغرباء والمشردين والمبدعين، وصحافة الرصيف الجميل، وطن من لا وطن له. وصوت من لا صوت له. ومحطة حرية جميلة. هذه هي بيروت. ولذلك يخافون منها. ولذلك قتلوا واحدا من أجمل فرسانها.
المهم انهم حاولوا أكثر من مرة، لكنهم لم يخضعوها. بيروت ليست عاصمة لبنان، بل هي عاصمتنا جميعا، من البحر إلى البحر. مهمة حمايتها، وحماية أطفالها وأرزها، هي مهمتنا جميعا.
بيروت كانت مزدانة منذ خلقها الله، والغريب أنها الآن تزدان أكثر بقبر فارسها الراحل!!
هل رأيتم مدينة تزدان أكثر بشاهد قبر؟!














التعليقات