تركي علي ربيعو
من وجهة نظر بعض الباحثين (أشير الى كتاب السيد ولد أباه عن الإشكالات الفكرية والاستراتيجية للحادي عشر من أيلول وما بعده)، انه يمكن رصد مدرستين في الفكر السياسي والاستراتيجي الأميركي، الأولى هي المدرسة الانعزالية أعرق هذه المدارس، التي ترى أن أميركا أفعى وليس فارساً، أفعى متكورة على نفسها ولكنها جاهزة للدفاع عن نفسها، وقد سبق للرئيس الوسيم بيل كلينتون أن عبر عن هذا الاتجاه بقوله: ليس بإمكاننا أن نستجيب لكل مأساة في كل زاوية من هذا العالم، وأردف ولكن هذا لا يعني أنه يتوجب علينا ألا نفعل شيئاً لأحد".
حتى في عز أحداث الحادي عشر من أيلول الذي اعتبر حداً فاصلاً مع المدرسة الانعزالية، راح باتريك بوكانان المرشح للرئاسة عدة مرات، يسخر من حرب بوش الصليبية على الإرهاب، فليس من المعقول أن يهدد فتيان تورا بورا مستقبل حضارة نهاية التاريخ وما فعلوه لا يزيد عن كونه مناوشة في الوقت الضائع.
من وجهة نظر نعوم تشومسكي في كتابه المهم "النزعة الإنسانية" العسكرية الجديدة، أن قول الرئيس كلينتون السابق ما هو إلا "تهرب جبان" وشاهد على سياسة الكيل بمكيالين. يقول: إن النقطة التي أثارها كلينتون تتسم بشيء من الفضيلة، وذلك أن أتقى الأتقياء، لا يستطيع أن يهتم بكل مشكلة في العالم، ولو كانت هناك دولة قديسة في هذا العالم (إن كان تصور وجود "دول أخلاقية" أمراً ممكناً) فسيكون عليها هي نفسها أن تنتقي وتختار. ولكن الرئيس، والمعلقين الصحافيين الكثر الذين يكررون هذه النقطة، أخفقوا في أن يضيفوا بأن "الأوقات" التي "يكون فيها غض النظر أمراً غير ذي خيار" إنما هي أوقات محددة تماماً. وهذا المبدأ ينطبق على "الأزمات الإنسانية" بالمعنى التقني، أي عندما تتعرض مصالح الأقوياء للخطر. وبناء عليه، فإن المذابح التي حدثت (تيمور الشرقية، كولومبيا، أكراد تركيا، لاوس، كمبوديا) لا ترقى بحسب "الإنسانيين" الجدد الى مستوى "الأزمات الإنسانية" ولهذا فإن غض النظر عنها وعدم الاستجابة لها، هما بالتأكيد من ضمن الخيارات، إن لم يكونا أمرين واجبين".
أما المدرسة الثانية فترى أن أميركا فارس وليس أفعى، وأن على الفارس أن يمتطي صهوة حصانه لينشر رسالة أميركا الخالدة في جميع أنحاء العالم. والأهم أن يفرض أجندة أميركا على العالم. من هنا السعي الى بناء قوة عسكرية مؤهلة كما ترى غونداليزا رايس لضمان استمرار وتوطيد النفوذ الأميركي. من هنا أيضاً هذه الآمال العريضة التي يبنيها المحافظون الجدد على رسالة أميركا الخالدة في التنوير ونشر الديموقراطية والمحمولة على أجنحة القاذفات العملاقة لحلف الناتو. وهذا ما يثير إعجاب وزير الخارجية الأميركية السابق كولن باول المحسوب على الحمائم في "قدرة الناتو الهائلة على تغيير العالم".
في مقال حديث بعنوان "الى أين يتجه العالم" دشنت به الدورية العربية الجديدة "قضايا عالمية" التي تصدر في لندن عن جريدة "الشرق الأوسط" والتي يشرف عليها ما يسمى "الليبراليون العرب الجدد" راح باول يبني آمالاً كبيرة كما أسلفت على "قدرة الناتو الهائلة في تغيير العالم كما حدث في أفغانستان وفي العراق"، ولا يفوت باول أن يبني على الجهود الكبيرة وعلى "الاشتراك الفعال الذي يقوم به الناتو في الإعمار في العراق".
إن ما يسميها باول "قدرة الناتو الهائلة على تغيير العالم" هي التي تجعل من أميركا فارساً لا تكمن وظيفته بنشر التنوير والإعمار، بل بقهر العدو "فقد وضع القدر على عاتق أميركا الالتزام بقهر العدو"، فهذا هو قدر أميركا وهذه هي رسالة أميركا التي أوحت بها السماء لقادة حلف الناتو الذين عليهم أن يقودوا "المرحلة الجديدة" التي يحتار السيد كولن باول بتسميتها، ولكن تباشيرها تلوح بالأفق، وهنا تكمن المفارقة والسخرية، فهناك أكثر من مليون إنسان في العراق وأفغانستان كما يقول باول يهنئون أنفسهم على "شروق شمس الحرية"؟.
لا يأبه السيد باول الذي لم يمل من كثرة الثناء على رئيسه وتمسيح الجوخ له وكأنه من وزراء دول شرق المتوسط على حد تعبير عبد الرحمن منيف، أقول لا يأبه بأعداد العراقيين الذين قتلهم الحصار ولا يأتي على ذكر أولئك الذين قضوا نحبهم على أعتاب الآلهة الجهنمية لحلف الناتو وقوات التحالف التي استخدمت كل قنابلها الذكية والغبية لإبادة الشعب العراقي كخطوة أساسية في نشر الديموقراطية، وما يدهشه فقط، هو قدرة الناتو الهائلة على تغيير العالم وإدخال العالم عنوة الى جنة الديموقراطية الأميركية، ولو بضربات الهراوة.
إنها النزعة "الإنسانية" العسكرية الجديدة التي تطل من وراء هذا الخطاب الزائف ومن أمامه، والتي كثيراً ما تحتمي بمعادلات مستحيلة الحل: يروي نعوم تشومسكي في إطار نقده اللاذع للنزعة الإنسانية لحلف الناتو، ما جرى في الصومال، فبحسب المجلة الأميركية الشهيرة فورين بوليسي قتل ما بين 7000 الى 10000 صومالي بينما فقد أربعة وثلاثون جندياً أميركياً. وأنه وبحسب مراسل لوس أنجلس تايمز أن جنود البحرية الأميركية غادروا الصومال تحت غطاء وابل من الرصاص بنسبة بلغت ما يقارب 100 طلقة مقابل طلقة واحدة من الجانب الآخر. وأن القيادة الأميركية لم تحص الإصابات بين الصوماليين. فليس من وظيفتنا "أن نعد الجثث.. فهذا لا يهمني" كما قال الجنرال أنتوني زيني. فطوبى لمن يلتقي قدره مع قدر الفارس الأميركي؟.














التعليقات