عرجت حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” إلى مرحلة ما بعد عرفات مثقلة بهموم جسام وأزمات مزمنة لا سبيل إلى تجاوزها سوى التعلق بآمال عريضة وتطلعات طموحة صوب الإصلاح الداخلي على الصعيدين الفكري والمؤسسي، غير أن الحركة التي خرجت منهكة وجريحة من معركتي الانتخابات الرئاسية والبلدية مطلع العام الجاري، تشهد هذه الأيام ثالث اختبار وتحدّ عملي جاد لها في هذه المرحلة الفارقة، وهو ذلك المتمثل في تشكيل سابع حكومة منذ العام 1994 وأول حكومة فلسطينية بعد أن غيب الموت مهندس السياسة الفلسطينية وضابط إيقاع حركة فتح، قد اظهر وبجلاء كسابقيه تجذر عوامل وأبعاد أزمة حركة فتح.

لم يفصح تعثر رئيس الوزراء الفلسطيني احمد قريع في انتزاع موافقة المجلس التشريعي على تشكيلة حكومته الجديدة المقترحة والتي كانت تحتاج إلى تصويت 42 نائبا فقط لصالحها من بين 83 نائبا يشكلون إجمالي عدد أعضاء المجلس، عن أزمة وزارية تتصل بقريع أو بالسلطة الوطنية الفلسطينية فحسب، وإنما هو إفراز طبيعي وتخريج مباشر لأزمات مزمنة تضرب أطنابها في بنية وسياسات الحركة التي أضحت بمثابة الحزب السياسي الحاكم والمهيمن على مقاليد الأمور في الكيان الفلسطيني البازغ، لاسيما إذا تكشف لنا أن تكتل فتح، التي يعد قريع احد كوادرها، داخل المجلس التشريعي يبلغ 63 نائبا كان بمقدور ثلثيهم فقط منح الثقة لحكومته الفتحوية المقترحة في بادئ الأمر وتجنيب الحركة وإياه مهاترات سياسية لا طائل من ورائها سوى سكب المزيد من الزيت على أتون أزمات فتح المشتعلة منذ عقود بغير انقطاع.

فالحركة التي تأسست سرا في العام 1957 لتعبر عن نبض النضال الفلسطيني الشعبي ما كادت تدور عليها الدوائر، “إسرائيلياً” وفلسطينيا، الواحدة تلو الأخرى، حتى طفق بنيانها في التصدع تدريجيا، ما بدا يعكس ضعف مناعة ذلك البنيان ضد مكائد وضربات الخارج “الإسرائيلي” وصراعات ومهاترات الداخل الفلسطيني، فمن بين تداعيات العدوان “الإسرائيلي” الغاشم على لبنان في العام ،1982 برز الانقسام داخل الحركة بين كوادر تونس ورجالات الحركة في الأراضي المحتلة من الشباب الذين مثلوا الجيل الثالث الإصلاحي ممن امتلأت بهم سجون ومعتقلات الاحتلال؛ من أمثال محمد دحلان ومروان البرغوثي وغيرهما من الزعامات التي شكلت ما عرف باللجنة الحركية العليا والتحالف الوطني المعارض لسياسات كوادر تونس عبر ما سمي وقتها “بانتفاضة فتح”، وما إن ابرم اتفاق أوسلو وعادت كوادر تونس إلى غزة في العام 1994 لتحتكر مقاليد السلطة الوطنية الفلسطينية حتى تأجج الصراع واندلع الخلاف بينها وبين رجالات الداخل الذين وجدوا في أنفسهم الأحقية في تقاسم السلطة والنفوذ مع كوادر تونس بزعامة الرئيس الراحل عرفات.

وخلال الصيف الماضي، وقبل رحيل عرفات بأشهر قلائل، اندلعت انتفاضة فتحوية شعبية مصغرة شاركت فيها فصائل أخرى عديدة تندد بالفساد الذي استشرى بين رجالات فتح القابعين في مراكز السلطة على نحو مؤبد، موصدين أبوابها في وجه من لهم الأولوية من الكفاءات الفلسطينية الفتحوية أو حتى تلك التي حال استقلالها وعدم انتمائها لأي من الفصائل أو الحركات الفلسطينية دون تصعيدها سياسيا للمشاركة في صنع القرار الفلسطيني، وجاءت الانتخابات الرئاسية عقب وفاة عرفات لتوفر مناسبة مثالية للقوى الساخطة على النهج الفتحوي والتي زجت بالعديد من المرشحين لمنافسة أبي مازن وفي صدارتهم مروان البرغوثي مرشح اللجنة الحركية العليا الذي لم يثنه تسمية اللجنة المركزية لفتح لأبي مازن لخوض الانتخابات الرئاسية، عن المضي قدما في الترشيح، بل والمطالبة بتخصيص ستة مقاعد لحركته داخل اللجنة المركزية لفتح من إجمالي 81 مقعدا، و20 آخرين داخل المجلس الثوري البالغ تعداد أعضائه 129عضواً، وقبل أسبوع واجه قريع موجات شرسة من الهجوم والنقد من جانب بني حركته الفتحويين داخل المجلس التشريعي رفضاً لتشكيلته الحكومية التي ضمت في بادئ الأمر 24 وزيراً جميعهم تقريباً فتحويون أعضاء في المجلس التشريعي، باستثناء وزيرين فقط هما غسان الخطيب وزهيرة كمال، وهو ما كان يرى فيه قريع وسيلة لإسناد المهام الوزارية إلى عناصر تتمتع بخبرات وقدرات تعينها على التعاطي مع المهام الجسام التي تنتظرها كأول حكومة فلسطينية بعد رحيل عرفات وما لحق بذلك من تداعيات.

غير أن المجلس التشريعي وتحديداً كتلة فتح النيابية داخله قد ارتأت في هذا التشكيل الحكومي عودة للوراء، حيث يكرس هيمنة فتح على زمام الأمور في السلطتين التشريعية والتنفيذية على السواء، كما أن كون معظم الوزراء المرشحين أعضاء في المجلس التشريعي يعارض مبدأ الفصل بين السلطات ويسلب المجلس دوره التشريعي وسلطاته الرقابية على الحكومة، فضلاً عن أن الحكومة المقترحة تضم أسماء ثبت تورطها في قضايا فساد مالي وإداري، وأخرى تقبع في كراسي الوزارة منذ العام 1994 ولم تقدم شيئاً ملموساً للقضية أو للشعب الفلسطيني، بينما لا تبدو أسماء وزراء آخرين سوى أبناء كوادر فتحوية أو نواب بالمجلس التشريعي، أو حتى مستقلين على صلة وثيقة بقيادات فتح، الأمر الذي دفع ب32 نائباً من كتلة فتح النيابية بالمجلس التشريعي للاعتراض على تشكيلة الحكومة الجديدة، فيما اجتمع أكثر من ثلاثين آخرين في رام الله للتباحث بشأن تحري السبل الكفيلة بإزاحة أحمد قريع نفسه بعد أن حملوه مسؤولية الأزمة الوزارية بسبب إصراره على ترشيح أسماء فاسدة وعناصر غير مقبولة ولا يمكن أن تلبي مطالب الشعب الفلسطيني الذي شاطرت فئات عديدة منه كتلة فتح النيابية موقفها من الحكومة المقترحة. ومن جانبها، أبدت كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح استياءها الشديد من ترشيحات قريع وقدمت مذكرة لأبي مازن حملت مسمى “حلم الشهداء” طالبته فيها بالعمل على محاربة الفساد والمفسدين وتطهير السلطة الوطنية منهم، وتحري السبل الكفيلة بإقرار الديمقراطية وتكافؤ الفرص بين أبناء الشعب الفلسطيني، ورغم إعادة قريع تعديل تشكيلة حكومته المقترحة واستبعاده لجميع نواب المجلس التشريعي منها باستثناء نائبين فقط، هما نبيل شعث المرشح لنيابة رئيس الوزراء ووزارة الإعلام، وصائب عريقات المرشح للشؤون المدنية والمفاوضات، إلا أن ذلك التغيير لم يشفع له لدى معارضيه لاسيما أن شعث متهم في قضايا فساد، بينما يحتفظ عريقات بحقيبة وزارية منذ العام 1994 على نحو أثار اشمئزازا لكثيرين منه.

وفيما كان بعض الفتوحيين المؤيدين لقريع يبررون إصراره على إقحام نواب المجلس التشريعي في حكومته بغالبية 80% على الأقل، بتقاليد سياسية وقوانين انتخابية فلسطينية تم الاتفاق عليها منذ العام ،1994 وتدعو إلى ذلك صراحة، يحتج المعارضون بأن القانون الأساسي الفلسطيني ينص على وجوب استقالة أي وزير ينوي ترشيح نفسه لعضوية المجلس التشريعي، ويصر هؤلاء على أن تكون حكومة قريع جميعها من خارج المجلس التشريعي وألا يكون أي من وزرائها المرشحين متورطا في قضايا فساد، أو ممن يحتكرون المناصب القيادية في السلطة لفترات طويلة، الأمر الذي اجبر قريع وأبي مازن، الذي اتهمته أوساط مؤيدة لقريع بالعمل على إفشال مساعي الأخير والإطاحة به، على إنهاء الأزمة من خلال اقتراح حكومة لا ينتمي فيها لعضوية المجلس سوى أحمد قريع، ثم إجراء استفتاء داخل المجلس على كل وزير منها على حدة، وأن تكون هذه الحكومة انتقالية لحين إجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة المقررة في 17 يوليو/ تموز القادم.

ومما يبعث على الدهشة في واقع الأمر، هو أن جل الهجوم والانتقاد الذي انهال على قريع وحركة فتح إنما ينبع من داخل الحركة ذاتها، حتى الأزمة الوزارية الأخيرة لم تظهر معارضة المستقلين أو سائر الفصائل الفلسطينية الأخرى لترشيحات قريع بقدر ما برزت تشنجات كتلة فتح النيابية في المجلس التشريعي وكتائب شهداء الأقصى، وسواء فسر ذلك على أنه مجرد سباق أم تنافس شخصي داخلي على السلطة والنفوذ بين كوادر ورجالات الحركة فيما اصطلح على تسميته ب “حمى الاستوزار” داخل حركة فتح، أو فهم على أنه اعتراض فتحوي على شخص قريع وسياساته، فإن الماثل أمامنا حقاً هو أن ثمة تباعدا وتشظيا قد ضربا أطنابهما في أروقة الحركة حتى افقداها التواصل والتفاهم بين رجالاتها وكوادرها، الأمر الذي يفصح بجلاء عن أزمة بنيوية حقيقية تتمثل في غياب الإجماع داخل الحركة حول أهداف محددة، وعدم اتفاق كوادرها على حزمة محددة من السياسات والآليات الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف، فضلاً عن انسداد الاقنية وتآكل الجسور التي تضمن التماسك التنظيمي والاستقرار المؤسسي في جنباتها، وإذا ما حاولنا البحث عن الأسباب والعوامل التي أفضت إلى اندلاع تلك الأزمة الوزارية الفتحوية ذات الدلالات والمعاني البالغة الأهمية فيما يتصل بأزمة الحركة برمتها، فإنه يمكن تصور ما يلي:

- تملك الشعور بالفشل والإحساس بالانهزام من كوادر الحركة ورموزها، وهي حزمة الأحاسيس والمشاعر التي اشتدت وتيرتها مؤخراً في أعقاب الانتخابات البلدية الفلسطينية التي تراجعت خلالها مكاسب الحركة السياسية على مستوى البلديات في الضفة الغربية وقطاع غزة على نحو ملحوظ لمصلحة حركة حماس التي انتزع مرشحوها عشرات المقاعد التي طالما اعتبرت حكراً على مرشحي حركة فتح، بحيث يمكن القول إن خوض حماس لهذه الانتخابات قد زلزل عرش حركة فتح على مستوى البلديات مثلما جرى من قبل في أواسط ثمانينات القرن الماضي خلال الانتخابات الطلابية والنقابية التي كانت بمثابة إيذان بصعود نجم حركة حماس في سماء السياسة الفلسطينية، ولاشك أن مثل هذا التراجع الفتحوي أمام التصاعد الحماسي من شأنه أن يقض مضاجع كوادر حركة فتح في وقت تجرى الاستعدادات لإجراء الانتخابات النيابية الفلسطينية في 17 يوليو المقبل، ومع تعقد الأوضاع على صعيد العملية التفاوضية مع الجانب “الإسرائيلي” وتدهور المستوى المعيشي لأبناء الشعب الفلسطيني، تغدو فرص مرشحي فتح في هذه الانتخابات اضعف مقارنة بأية انتخابات أخرى سابقة، الأمر الذي دفع قريع على نحو هستيري لتكريس نفوذ الحركة داخل أجهزة السلطة وإحكام قبضة رجالاتها على مقاليد الأمور داخل المجلس التشريعي والحكومة الجديدة تحت شعار الاستفادة من خبرات وتجارب ومهارات كوادر فتحوية يمكنها أن تقود مسيرة الإصلاح في الداخل الفلسطيني وتستعيد الحقوق المسلوبة من المحتل “الإسرائيلي” عبر مفاوضات هم الأقدر على الاضطلاع بها، ظناً أنه بذلك يعزز من فرص الحركة في الاستحواذ على دعم وتأييد الشعب الفلسطيني الذي لن يجد بداً من التصويت لمرشحي فتح في الانتخابات البرلمانية المقبلة بعد أن يجد نفسه محاصراً ومحاطاً برجالاتها وكوادرها من كل اتجاه.

- ثمة تصور وهمي ينتاب العديد من الزعامات وكوادر العمل السياسي في عالمنا العربي، مؤداه أن من في السلطة يكون دائماً هو الأقدر على تقرير مصير الأمة، على اعتبار أن ما اكتسبه من خبرات ومهارات طيلة فترة بقائه فيها تؤهله للأداء على نحو أفضل وأكثر ايجابية وفعالية في مراحل وفترات مقبلة، ويبدو أن مثل هذا التصور قد علق بمخيلة زعامات حركة فتح وقياداتها القابضين على الأمور في السلطة الوطنية الفلسطينية منذ العام 1994 والرافضين إفساح المجال أمام غيرهم مخافة أن يفسد عليهم أعمالهم أو يعكر صفو إبداعاتهم عبر شق عصا الطاعة في صفوفهم على نحو يفضي إلى انفراط عقدهم وتشرذمهم، فهم يرون أنهم هم من بدأ المسيرة، وهم وحدهم القادرون على الوصول بها إلى نهاية الدرب وإعلان الدول الفلسطينية المستقلة، ولا يمكن لهم أن يسمحوا لسواهم بالتدخل ثم نسب أية نجاحات، قد تأتي بعد عقود من النضال والمثابرة تحت قيادتهم، وتوجيهها إلى أنفسهم، أو حتى يشاركهم في الاعتداد بها، وبالرغم مما قد ينطوي عليه هذا التصور من مغالطة وما يحمله في داخله من وصاية على جموع الشعب الفلسطيني ومصادرة لرغبة وقدرة أبنائه من سائر الفصائل أو حتى المستقلين في العطاء، إلا أنه يمثل لقادة فتح وكوادرها مسوغاً ومبرراً لاحتكار السلطة والاحتفاظ بها حتى آخر رمق.

إن المبلغ الذي بلغته أزمة حركة فتح في ضوء المخاض العسير لحكومة أحمد قريع مؤخراً، إنما يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن الركائز الأساسية الثلاث لشرعية الحركة قد اهتزت وتزعزعت، فثورياً، ذابت الحركة النضالية التي تشكلت من نبض الشعب الفلسطيني الصامد في جنبات وأروقة السلطة الوطنية، وتشتت مشروعها النضالي وخبت جذوته رغم بقاء الاحتلال وتباعد حلم الاستقلال، وأخلاقيا أسفر طول بقاء كوادرها في السلطة دونما آلية للمراجعة أو المساءلة عن تورط رجالاتها في قضايا فساد وإهدار للمال العام وإساءة استغلال المنصب، وباتوا موضع انتقاد الجميع بمن فيهم أعداؤهم في داخل البلاد وخارجها، وسياسياً تآكل أنجاز أوسلو بعد أن تفرغ الكيان الفلسطيني من أي مضمون للسيادة، وغدت السلطة الوطنية أشبه بعصا أو سكين تسلطها قوات الاحتلال على رقاب المناضلين الفلسطينيين، بعد أن اختزلت مهامها في كبح جماح المقاومة المشروعة ضد المحتل الغاشم.

من هنا تبدو الحاجة ماسة أمام قياديي فتح وكوادرها من أجل المراجعة وإعادة ترتيب الأولويات لئلا تحيد الحركة عن الدرب وتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فتنشغل بمغانم واهية ومكاسب وهمية تستعيض بها عن المغنم الحقيقي الذي طالما سالت من أجله دماء بنيهم وذويهم، واستخدمت قوى البغي والطغيان أبشع السبل وأشرس الوسائل لطمسه وتضييعه، ولعل الفرصة لا تزال أمام الفتحويين بعد انقشاع أزمة قريع الوزارية لإثبات أنهم أهل لكل ما فيه الفلاح من اجل ذويهم وقضيتهم.