يُثير السخرية هذا النحيب من مخاطر وقوع البلاد في فراغ دستوري بعد سقوط حكومة عمر كرامي في الشارع، لأنه يوحي بأن الحياة الدستورية كانت قبل ذلك مقبولة ومعقولة.
وهذا الايحاء يجافي الحقيقة كلياً، لأن لبنان يعيش منذ سنوات طويلة أزمة دستورية عميقة، تمَّ تستيرها بالصمت قبل التمديد ثم تمّ تظهيرها بالاعتراض بعد التمديد ليصار الى فضحها بصخب بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
في واقع الحال، إن المتغيّر الوحيد بعد سقوط حكومة كرامي يتمثّل في اضطرار اللبنانيين، للمرة الأولى منذ العام 1995 إلى مواجهة حقيقة أزمتهم الدستورية المتمادية، بعد ما تم تجاوز كل الخطوط الحمراء بفتح لبنان أمام الإرهاب المنظم الذي مدّ مخالبه الى "صِمام الأمان"، وهو الدور الذي أجاده الشهيد رفيق الحريري لحماية النظام من جنون أهل النظام، حتى لفظه النفس الأخير.
وثمة من يعتقد أن الخطيئة الكبرى التي يمكن ان يرتكبها الساعون الى بناء مستقبل معافى، تتمثل بالمسارعة الى إعادة عقارب الساعة اللبنانية الى الوراء، أي الى تلك الحقبة التي يُقدّم فيها السياسي مواقعه الشعبية ومبادئه الأخلاقية ليغطي الحاكم الفعلي المتحرك بحرية في ما سماه يوماً وليد جنبلاط "العالم السفلي".
ويدعو أصحاب هذا التوجه الى إبقاء الأمور على حالها، إذا لم تتبلور مبادرة إنقاذية حقيقية تحظى بموافقة القيادة السورية، لأن تجميد الأمور حيث وصلت اليه اليوم سيجعل الحاكم الفعلي يواجه، للمرة الأولى، الشعب اللبناني والمجتمع الدولي والعالم العربي، وجهاً لوجه، مما يُسهّل سقوطه ويؤسس لنهج جديد يكفل وضع البلاد على سكة المستقبل بدل إبقائها في هذا المنحدر التدميري.
ولا بد في هذا السياق أن يعمد أصحاب النيات الحسنة الخائفون مما يسمّى الفراغ الدستوري الى إجراء بحث معمق في الأسباب التي أوصلت البلاد الى انفضاح أزمتها الدستورية حتى يُحسنوا التخطيط للمستقبل ووصف العلاجات الشافية التي قد تصل الى مستوى فرض مجموعة من العمليات الجراحية.
وفي جردة أولية على الأزمات المتلاحقة في لبنان يتبيَّن، أن الحياة الدستورية بدأت تتعرض لهزات غير قابلة للتصحيح، منذ أن قررت الأجهزة الأمنية فرض مرشحها في رئاسة الجمهورية.
مأساة النظام الديموقراطي
ففي العام 1995 وبعد التمديد للرئيس الياس الهراوي قطعاً للطريق أمام وصول العماد إميل لحود الى رئاسة البلاد، بدأ بعض الأجهزة الأمنية التغلغل في الديموقراطية اللبنانية، فكان أن غذت هذه الأجهزة المعارضة المرتبطة بها بتخيلات عن عمليات فساد حتى تصورها هذه المعارضة التي يتقدمها نجاح واكيم وكأنها حقيقة ساطعة، وبذلك بدا كل انجاز تقوم به الحكومة مجرد غطاء لعملية فساد كبرى، لا بل ان الأنظار تحولت عن شق أوتوستراد حيوي في منطقة جسر الباشا في الحازمية الى ضجّة غير مسبوقة على مصير شجرة في تلك المحلة.
وفي العام 1997، دخلت هذه الأجهزة على خط الاتحاد العمالي العام وحاولت ان تفرض مرشحها آنذاك الياس أبو رزق الذي كان رأس حربة في مخطط محاربة ما سمي الفساد مما أدى لاحقاً الى انهيار فاعلية هذا الاتحاد والى افتقاد العامل اللبناني الى مؤسسة قادرة ان تحمي مكتسباته الحقيقية بسبب تحوله الى أداة طيّعة بيد "الدولة الأمنية".
ولم تبق الأمور عند هذا الحد، بل تم استغلال بعض المآسي الإنسانية وبعض الملفات الجنائية لشن هجوم عنيف على السلطة السياسية من دون مرتكزات حقيقية، وبهذا المعنى كان الاستغلال المعيب لملف الطفلة ناتالي دباس التي توفيت في مدرسة الجمهور، وكان تشويه سمعة عدد من السياسيين المعارضين في ما اصطلح على تسميته آنذاك بملف "الدعارة الراقية"، وكان تزوير اعلامي لمعطيات ملف قتل الموظف في وزارة المالية رأفت سليمان للنيل من وزراء يحيطون بالرئيس رفيق الحريري ويشكلون سداً امام سيطرة العسكر على الحياة السياسية، وكان الهجوم الاستخباراتي على مكتب وزير الدولة للشؤون المالية آنذاك فؤاد السنيورة لفرض تعديلات على احتساب تعويض كبار الضباط في القوى المسلحة مما يؤمن لهؤلاء تعويضات خيالية وصلت الى مليار ليرة لبنانية للبعض منهم، ومئات ملايين الليرات للبعض الآخر.
انتصار "الدولة الأمنية"
وفي خريف العام 1998 نجحت هذه الأجهزة في ترئيس العماد إميل لحود على الجمهورية، فكان الانتقام من أركان الدولة السياسية، بدءاً بالهجوم على وليد جنبلاط مروراً بفتح ملفات تمت فبركتها لمقربين من الرئيس رفيق الحريري، وصولاً الى محاصرة رئيس مجلس النواب نبيه بري.
إلا ان هذه الهجمة مُنيت بهزيمة كبيرة عندما انتفض عليها اللبنانيون في الانتخابات النيابية في العام 2000.
وهنا اقترفت "الدولة السياسية" خطأ استراتيجياً كبيراً، عندما قررت ان تتصالح مع "الدولة الأمنية" وتشارك واياها في حكم البلاد عبر ائتلاف حكومي، لانه سرعان ما اشتد عود هذه الدولة الأمنية بدعم سوري واضح ومباشر، فكان الانقلاب على الانتخابات في اعتقالات السابع من آب 2001 بداية وكانت العودة عن قانون اصول المحاكمات الجزائية في مجلس النواب، وكان التراجع عن الاصرار على وجوب تنظيم التنصت على المكالمات الهاتفية، وكان القبول بحذف فرض التمانع القانوني بين الوظيفة القضائية وبين الوظيفة الوزارية في مشروع قانون تنظيم القضاء العدلي، وكان كل ما كان.
نموذج "غسيل القلوب"
وقد أدّى هذا الصراع المتمادي بين "الدولة السياسية" من جهة و"الدولة الامنية" من جهة ثانية إلى أزمة مالية خطرة تمثلت في نيسان العام 2002 في افتقاد الخزينة العامة الى ما يمكن ان يعينها على سداد رواتب الموظفين العموميين، فلجأ الرئيس الحريري بصورة عاجلة الى ماليزيا حيث مدّه صديقه مهاتير محمد بوديعة عاجلة قيمتها ثلاثمائة مليون دولار اميركي مكّنت لبنان من الصمود الى حين انعقاد مؤتمر "باريس ـ 2" الانقاذي في تشرين الثاني من ذاك العام.
وتحت وطأة مخاطر الازمة المالية أزيحت "الدولة الامنية" الى هامش الحياة السياسية للمرة الأولى منذ العام 1998 وجرى ما سمي آنذاك "غسيل القلوب" بين لحود من جهة وبين الحريري من جهة ثانية بواسطة وزير الداخلية يومها الياس المر.
عاش "غسيل القلوب" حتى ثبوت نجاح "مؤتمر باريس ـ 2"، فبدأ هجوم "الحلفاء" على الرئيس لحود "الذي تخلى عن خطاب القسم ودخل في صفقة لنيل مكتسبات من عمليات الفساد" كما روّجت آنذاك "الدولة الأمنية" التي قبضت على مخرِّب قطاع الخلوي جان لوي قرداحي، وصنعت منه بالتزوير بطلاً من أبطال المحافظة على المال العام.
وانتصر منطق "الدولة الامنية" وعاد لحود الى سجنها بعدما تلمس انّ ثمة دعماً سورياً لعودة الخلافات بينه وبين الحريري.
وهنا كان الخطأ الاستراتيجي الثاني، اذ ان "الدولة السياسية" صمتت عن اسقاط مشروع موازنة العام 2003 الذي ضمّنه وزير المال آنذاك فؤاد السنيورة المرتكزات الاصلاحية التي تم تقديمها الى المشاركين في مؤتمر باريس ـ 2.
حاول الرئيس الحريري الخروج من السلطة بسبب ما حصل، ولكنه وجد نفسه وحيدا في الساحة ووجهت اليه نصائح مدعومة بقصف "تلفزيون المستقبل" بأن يصبر ويصمد ويستمر في موقعه.
ونتج عن هذا التحول عودة "الدولة الامنية" بقوة الى الساحة لتمهيد الطريق امام تجديد ولاية الرئيس لحود، فكان التخوين هنا وكان تزوير استطلاعات الرأي هناك وكان التهديد هنالك، ففرض التمديد ثلاث سنوات بعدما حاولوا بتقليص المدة الجديدة الى نصفها، تخفيف حدة الغضب اللبناني والدولي.
مع التمديد نشأت ازمة دستورية حادة، تمثلت في استقالات من الحكومة بداية وفي رفض المشاركة في اي حكومة جديدة لاحقاً.
كان الرئيس الحريري يتعهد، مرة جديدة اصلاح ذات البين بين السلطة من جهة وبين المعارضة من جهة أخرى، حين تفاجأ مع الوسط السياسي اللبناني ومع المجتمع الدولي بانفجار كاد يودي بحياة البرلماني العريق مروان حمادة.
قرار الاستشهاد
في تلك اللحظة بالذات اعتبر الحريري ان التسوية بين "الدولة الامنية" و"الدولة السياسية" مستحيلة، خصوصا بعدما اطلع عشية انفجار الاول من تشرين الاول 2004 على التركيبة الحكومية المطلوب منه ترؤسها، فطوى الصفحة وخرج من السلطة واستودع الله اللبنانيين، وحمل كفنه على يده في مسيرة البحث عن السيادة والاستقلال والحرية والديموقراطية.. فتم اغتياله، على الرغم من اعتداله.
وقد ازدادت حدة الأزمة الديموقراطية مع تشكيل حكومة كرامي التي أسقطها الشارع، ذلك ان هذه الحكومة تمّ تشكيلها من مجموعة ذات تمثيل مصطنع وأخذت على عاتقها "عسكرة البلد"، فكانت النتيجة ان من يملكون فيها تمثيلاً حقيقياً عجزوا عن الاستمرار بعدما تكبدوا خسائر تاريخية يستميل ترميمها في المستقبل القريب ولعلّ الوزير سليمان فرنجية هو النموذج الأبرز في هذا السياق.
مجلس الأمن المركزي
وكان واضحاً ان حكومة كرامي هي مجرد واجهة سياسية لـ"الدولة الأمنية"، ولعلّ ما حصل في اجتماع مجلس الامن المركزي، بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري أهم دليل على ذلك.
ويروي مصدر واسع الاطلاع ان وزير الاعلام ايلي الفرزلي والعدل عدنان عضوم اعترضا على ابلاغ اللبنانيين ان الاغتيال تم بواسطة عملية انتحارية كما تكهن أحد رؤساء الأجهزة الأمنية، ولكن ثمة قصاصة ورق تمّ تمريرها على الوزيرين جعلتهما يندفعان في المؤتمر الصحافي الى تبني هذا التكهن والدفاع المستميت عنه لدرجة لم يدرك الفرزلي ان يميّز في انتقاء تعابيره لاحقاً بين "العملية الانتحارية" وبين "العملية الاستشهادية".
وعلى هذا الأساس، هل يمكن القول إن لبنان يعيش فعلاً اليوم حالة استثنائية اسمها الفراغ الدستوري الناشئ عن عدم تشكيل حكومة تخلف حكومة عمر كرامي؟
بالتأكيد لا، فالفراغ الدستوري حاصل أصلاً، والخسارة الفعلية من الواقع الراهن لا يتحملها اللبنانيون، انما "الدولة الأمنية" التي تحتاج الى واجهات دستورية لتمرّر عبرها ما تحتاجه من قرارات ولتغطي خلالها على ما تقوم به من أفعال، وبغياب هذه الواجهة سوف تضطر للعمل سافرة الوةه، وسوف تحتاج الى مَنْ يوقع لها قرارات فلا تجده.
حكومة جديدة؟
نعم، ولكن على قاعدة أن تكون حكومة تملك القدرة أن تحكم بدل أن تكون دُمية ثمة من يتحكّم بها
- آخر تحديث :













التعليقات