لا يبدو حتى الآن للأسف ان دمشق بصدد التعامل مع معطيات التداعيات المتلاحقة البالغة الخطورة التي أفرزتها وتفرزها جريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري على مستوى جسامة هذا الحدث الذي بات يهدد سوريا ولبنان معاً على أكثر من صعيد رسمياً وشعبياً.
ثمة أربعة أبعاد رئيسية على الأقل تفرض استثنائية الحدث من حيث حجم خطورته بما يتوجب على دمشق قراءتها قراءة تمحيصية دقيقة غير عادية مختلفة عن كل قراءاتها لأحداث العنف والاغتيالات السابقة.

* البعد الأول: يتعلق بشخصية المغدور الحريري كشخصية غير عادية ليست ذات وزن مهم ومؤثر في الساحة الداخلية فحسب بل وبما كان يتمتع به من علاقات وطيدة على الصعيدين العربي والدولي، فبالإضافة الى علاقاته الطيبة التي نسجها من موقع منصبه الرسمي السابق تربطه علاقات شخصية متميزة مع رموز ودوائر وشخصيات متعددة نافذة في عالمي المال والسلطة، سواء على المستوى العربي أو على المستوى الدولي فهو يختلف عن رؤساء الحكومات في بلاده السابقين بأنه ليس مجرد رئيس حكومة سابق بل هو ايضاً رمز من رموز رجال الأعمال الكبار في العالم وهذا عنصر من العناصر الضاغطة على دمشق بلا شك.

* البعد الثاني: خطورة الأزمة الداخلية اللبنانية التي لأول مرة تحتدم وتتفاقم على هذا النحو الاستثنائي التاريخي غير المسبوق منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل نحو 15 عاماً والذي يكاد يتمحور الآن حول قضية واحدة هي الموقف من الوجود السوري.

ويمكن القول ان ثمة مظهرين بالغي الخطورة والدلالة على قوة الموقف الرافض للوجود السوري:

1 المسيرة الجنائزية الجماهيرية خلف جنازة الحريري التي تخللتها الشعارات المنددة بقوة بالوجود الأمني السوري والمطالبة بانسحابه والتي قدرها العديدون بمليون شخص واعتبرت الأكبر منذ جنازة عبدالناصر.

2 المظاهرة الحاشدة التي نظمتها المعارضة والتي قدرت بربع مليون متظاهر واعتبرت الأكبر منذ انتهاء الحرب.

* البعد الثالث: دخول الأزمة اللبنانية في شكل من أشكال معترك التدويل وصراع الإرادات على خلفية القرار 1559 المطالب بالانسحاب السوري، وحيث أضحت المطالبة بهذا الانسحاب تحظى بشرعية دولية ضاغطة تقودها الولايات المتحدة ومن خلفها القوى الكبرى المؤثرة في القرار الدولي ولا سيما فرنسا.

ومن ثم فمن الخطورة بمكان ان تتعامل دمشق مع جميع هذه المعطيات الجديدة بنفس القواعد والشعارات التي اعتادت التعامل معها في أحداث العنف والاغتيالات السابقة كالاكتفاء فقط بإلقاء المسؤولية على “اسرائيل” أو محاولة الالتفاف على مطلب الانسحاب بإجراءات “إعادة الانتشار” التي سئم اللبنانيون منها.

إن ثلاثين عاماً من الوجود السوري في بلد عربي مضطرب مترع بالمشكلات المزمنة والأزمات المعقدة المتشابكة الأبعاد محلياً وإقليمياً وعربياً ودولياً كافية جداً للتعجيل بالانسحاب، وكل يوم جديد تتأخر فيه القيادة السورية عن الإقدام على خطوة شجاعة كهذه تضيق معه مساحة المناورة أمامها للبحث عن خيارات تأجيل الانسحاب أو البحث عن بدائل تحفظ ماء الوجه مع الانسحاب.

الشعب اللبناني يكاد يكون هو الشعب العربي الوحيد الذي نعم بعد استقلاله بنظام سياسي ليبرالي تعددي لا يعتمد في قوته وأسلوب حكمه على “المخابرات” بصرف النظر عن بعض الفترات الاستثنائية الطارئة أو كل ما يمكن أن يقال عن مساوئ هذا النظام وثغراته وإخفاقاته، وهنا بالضبط يكمن سر حساسيته المفرطة التي تفاقمت من الوجود العسكري السوري مقروناً بثقل نفوذ جهاز الاستخبارات والذي بات يتدخل أو يفرض وصايته على كل صغيرة وكبيرة من شؤون لبنان الداخلية.