إسلام آباد- سامر علاوي: لم تكن مناطق القبائل الباكستانية المحاذية لأفغانستان تشكل أي قضية محلية أو دولية قبل أحداث 11 أيلول/ سبتمبر عام 2001 وما تبعها من الحرب الأمريكية على أفغانستان، لكنها أصبحت محط أنظار العالم وأحد المحكات الرئيسية لحكومة الرئيس الجنرال برويز مشرف أمام العالم خاصة الولايات المتحدة، ولا يخفي الخبراء الباكستانيون أن العمليات الجارية في قطاع وزيرستان الجنوبي منذ عام تقريبا لم تكن إلا نتاجا لضغوط أمريكية مباشرة تطورت في أكثر من مناسبة إلى استفزازات أحيانا وتهديدات أحيانا أخرى، حيث يتكرر خرق القوات الأمريكية في أفغانستان الأراضي الباكستانية، وتتواصل التصريحات الأمريكية التي تتحدث عن احتمال وجود أسامة بن لادن وقيادة تنظيم القاعدة وطالبان في الحزام القبلي الباكستاني، لكن المسؤولين الباكستانيين يغلّفون العملية العسكرية باهظة الثمن التي يقوم بها الجيش الباكستاني بالمصلحة الوطنية العليا، ويلقون باللائمة على من يصفونهم بالعناصر الأجنبية المتسللة للمنطقة وتمارس أعمالا مسلحة لا تتماشى مع القوانين الباكستانية، أو البروتوكول القبلي الذي لا يسمح باحتماء مطلوبين في هذه المناطق، وقد التقت “الخليج” بعدد من الخبراء المهتمين بما يجري على الساحة الباكستانية، وخاصة مناطق القبائل لمناقشة الموضوع، والاطلاع على حقيقة الوضع هناك ورصد رد الفعل الباكستاني على هذه الحرب الجانبية.
* فريد الله خان عضو مجلس الشيوخ الباكستاني السابق والممثل عن منطقة وزيرستان الجنوبية يؤكد أن هؤلاء المطلوبين لم يكونوا ضيوفا جددا على المنطقة، بل إن المؤسسات والمنظمات الدولية كانت توفر لهم الرعاية الكاملة أثناء الاجتياح السوفييتي لأفغانستان، وذلك في حديثه حول جذور المشكلة، مؤكداً أنها ليست مسألة عدة سنوات في مناطق القبائل أو في قطاع وزيرستان، وإنما تعود لحقبة الثمانينات وزمن الاجتياح السوفييتي لأفغانستان حيث كان هناك ثلاثة أو أربعة ملايين لاجئ في باكستان وأشرف المجتمع الدولي والأمم المتحدة على إقامة مخيماتهم، ولعبت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة دورا بارزا في ذلك، وقد تم قبول وضع اللاجئين والاعتراف به من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، التي كانت تقدم الدعم والتمويل، وتوفر المال والغذاء والاحتياجات اليومية.
ودخل مصطلح “الجهاد” للمرة الأولى في هذه الأيام ضد الاجتياح الروسي لأفغانستان، كما أن مصطلح الجهاد اعتمد من قبل المجتمع الدولي في أفغانستان، وقد طلب منا رسميا عدم التدخل في شؤون اللاجئين ومن كانوا يوصفون بالمجاهدين.
ويضيف فريد الله خان بأنه يتذكر أنه كان يوجد ما بين خمسين إلى ستين مخيما للاجئين في جنوب وشمال وزيرستان وحدهما، ولم نكن نعرف من كان يقطن هذه المخيمات سواء أكانوا شيشانيين أو أوزبكييم أو بشتونيين أو أفغان حيث إن المنظمات الطوعية الدولية كانت تعمل معهم، وتقدم لهم الغذاء والمال والدعم للجهاد، وبدأت المسألة منذ ذلك الوقت. ولا شك أن بين سكان مناطق القبائل أناس محافظون جدا، وهناك مجتمع محافظ وهم مسلمون، ومسلمون متحمسون، وهذا ينطبق على جميع مناطق القبائل، فالمشكلة بدأت منذ ذلك الوقت، ولكن بعد حادث نيويورك فإننا رأينا أن هؤلاء الناس دفعوا وتم تسليط الضوء عليهم وظهر مصطلح “القاعدة” بينهم، فأنا لم أكن أسمع باسم “القاعدة” إلا بعد حادث ضرب البرجين، ونعلم أنه كان هناك بعض العرب والمقاتلين أو المجاهدين الذين كانوا يعيشون في وادي تيرا في تلك الأيام، ولكننا لم نعرف أبدا أنهم من جماعة القاعدة، فقد كانوا يقدمون الدعم للاجئين المحليين، وكان هناك العديد من المنظمات غير الحكومية من مصر والسعودية وإندونيسيا ومن جميع أنحاء أوروبا وامريكا ومن أمريكا الجنوبية، وقد بدأ الأمر منذ ذلك الوقت، وعندما بدأت الهجمات على تورا بورا فقد تم دفع هؤلاء الناس وأصبحت ولايتا بكتيا وبكتيكا مسرحا للقبائل، ووضعها الجغرافي والبيئي يعتبر مثاليا للطبيعة القبلية في أفغانستان. وهاتان الولايتان تتشاركان الحدود مع منطقتي جنوب وشمال وزيرستان، وعندما دفع هؤلاء الناس لجأوا ثانية للمخيمات القديمة التي أقيمت من قبل المنظمات والهيئات الدولية.
استراتيجية العصا والجزرة
* ويشارك المهندس ظاهر شاه وهو شخصية مقربة من المؤسسة العسكرية ويقوم على تنسيق الجهود والمشاريع التنموية في مناطق القبائل في وجهة النظر هذه خاصة في ما يتعلق بالخلفية التاريخية للوجود الأجنبي في المناطق القبلية لكنه يصرّ على تطبيق السياسة الحكومية بكل تغيراتها وتقلباتها تمشيا مع السيناريوهات الدولية، ويقول: نحن جميعا نعلم أن هناك سياسة حكومية، فقد اجتاح الروس أفغانستان وكان علينا أن نؤمن مناطقنا، وأظهرت القبائل بطولة جلية، فهم الذين حموا البلاد وصدوا الهجمة على البلاد من قبل السوفييت وقاموا بعمل ضخم في هذا الاتجاه، كما وقفوا على ثغور باكستان منذ تأسيسها، ولكن هناك حقائق تغيرت بعد أحداث أيلول/ سبتمبر وتغير الوضع بشكل كامل، ومن كان هناك جاء إلى هنا إلى جنوب وزيرستان من أجل الحماية، وحاولت لحكومة في البداية إقناعهم، ثم لجأت للعمليات العسكرية التي استمرت قرابة عام كامل، وقد منحوا الفرصة وقيل لهم إن هناك معلومات بوجود أجانب يلجأون لهذه المناطق، وقد تم نفي ذلك من قبل السكان المحليين. وفي ما يتعلق بالعادات والتقاليد فقد تم استخدام الدبلوماسية في الحزام القبلي ودعيت المجالس للانعقاد وأعطيت مهلة زمنية، وقد أنذرت قبل عدة أشهر من أجل التأكد من أن هذه المخابئ لا تضم عناصر غير مرغوب فيها.
ويرى المهندس ظاهر شاه في التنمية مفتاحا للتغيير وهو أسلوب لجأت إليه الحكومة بعد أحداث 11 سبتمبر إلى جانب العمليات العسكرية، ويقول إن الحكومة اتبعت سيناريو مختلفاً في مناطق القبائل، ففي ديسمبر/كانون الاول 2001 كانت أول مرة تقدم فيها للقبائل عروض بهدف جعلها مفتوحة وجاهزة للتنمية، والأمر الثاني هو أن هذه المناطق يمكن لأي شخص أن يأتي إليها ويلتجئ إليها والقيام بالعديد من الأعمال قد لا تتوافق مع أمن باكستان، سواء في الداخل أو الخارج، وما قامت به الحكومة هو جعل الوصول إلى هذه المناطق ممكناً أولاً، وذلك بهدف دمج هذه المناطق والوصول إليها من خلال شق الطرق وتوفير الخدمات التعليمية للناس، ببناء المدارس وتوفير احتياجاتهم الأساسية، مثل المستشفيات والمياه وخدمات البنية التحتية الأخرى التي يحتاج إليها المجتمع، وقد أنجز عمل ضخم في هذا الإطار، وعندما نرى جميع هذه المناطق خلال السنوات الثلاث الماضية فإننا نرى الكثير من التطور قد تم في هذا الإطار، والآن يمكننا الذهاب الى هناك والاطلاع على التغيير الذي حدث. وفي البداية كانت هذه المناطق عمياء، وما لاحظناه أنه كان في البداية تردد ولا أقول إن التردد كان بسبب الإرهاب أو شيء من هذا القبيل وإنما بسبب طبيعة المجتمع الذي يعيش هناك، فهؤلاء يتبعون تقاليدهم ويحبون الطريقة التي اعتادوا العيش فيها، ولم يحبوا أبدا أن يأتي أحد خارج إرادتهم ويتدخل في شؤونهم، فقد كانوا مترددين، ولكن بعد إنشاء طريق بطول مئات الكيلومترات أصبح بإمكانهم الذهاب إلى المدن بسهولة ويسر، ويمكنهم نقل مرضاهم، فهناك نوع من التغييرات الإيجابية، وبذلك فإن هذه التطورات ساهمت بشكل غير مباشر في جعل هذه المنطقة آمنة، وبجعل هذه المنطقة آمنة فإنك تشعر أنك قمت بفعل شيء مهم.
الجهود السياسية أم الحسم العسكري؟
ولكن فريد الله خان يتردد كثيراً عند الحديث عن نجاحات الحكومة والجيش التي تحدث عنها المهندس ظاهر شاه، ويرى أن القضية الأفغانية والحرب الأفغانية نقلت من أفغانستان إلى وزيرستان، فهذه ليست قضيتنا، وكان علينا أن نواجه الموقف وندفع الثمن، وكان علينا أن نواجه وضعا صعبا، ولكن الكثيرين كانوا انخرطوا في هذه المسرحية أو ما يطلق عليه “الجهاد”، فكان المجاهدون الأجانب والمحليون والأفغان يحصلون على الأموال ويتلقون التمويل من الخارج، ففي السابق دعموا ماديا واليوم دفعوا عسكريا من أفغانستان إلى وزيرستان، والآن أصبحت القضية الأفغانية في وزيرستان.
ويضيف أن باكستان واجهت الكثير من الضغوط بعد عملية تورا بورا والأحداث التي أعقبتها، وطلب من باكستان إغلاق الحدود، وفي الحقيقة أن إغلاق الحدود من جهة أفغانستان مسؤولية المجتمع الدولي ومسؤولية القوات الدولية الموجودة في أفغانستان، ولكنهم بدلا من ذلك طلبوا من باكستان إغلاق الحدود وعدم السماح لهؤلاء الناس باجتياز “خط ديوراند” وهو ما يطلق على الحدود بين أفغانستان وباكستان، والسؤال هو أن لدينا من أربعة آلاف إلى خمسة آلاف مسلح في جنوب وشمال وزيرستان، ولا يوجد دولة في العالم يمكنها السماح لأي أجنبي بالإقامة في أراضيها من دون أوراق شرعية، لا يوجد اي دولة ترضى بذلك حتى الدول الإسلامية، فالحجاج الذين ينوون أداء الفريضة يتعين عليهم الحصول على فيزا للحج، لأن المملكة العربية السعودية لن تسمح لهم بالدخول من دون أن يكون لديهم جوازات سفر صحيحة وتأشيرة دخول شرعية، وهؤلاء الناس دفعوا من أفغانستان والتجأوا إلى جنوب وزيرستان وشمال وزيرستان، وما عرضته عليهم الحكومة هو أن هناك نظاماً للتسجيل والإقامة، وحتى الرئيس نفسه قال أكثر من مرة إننا مستعدون لتقديم السكن لهم على أن يقدموا أنفسهم للتسجيل وسنمنحهم الإقامات ونقدم لهم المساعدة والخيام ويمكنهم العيش في باكستان ولكن في أجواء سلمية وحياة سلمية، وعليهم ألا يهاجموا القوات الباكستانية أو القوات الأخرى عبر الحدود.
البعد الدولي والإقليمي
* الدكتور إعجاز جيلاني رئيس معهد “غالوب” لقياس الرأي العام في باكستان ورئيس دائرة العلوم الاجتماعية والسياسية في الجامعة الإسلامية العالمية يفضل وضع القضية في سياقها الاستراتيجي البعيد المدى المبني على التركيبة السياسية والاجتماعية للمنطقة والتداخلات الإقليمية والدولية فيها، ووصف باكستان بأنها دولة طرية، وهذا يعني أنها دولة سهلة ويستند ذلك إلى أن آلية الدولة وجهازها لا يمتلكان الضبط الكافي والسيطرة الكافية على السكان، ويعود ذلك لأسباب كثيرة مثل قلة المصادر ونقص في الإجراءات الشرعية في بعض الحالات، لتعزيز القوى الأخرى المواجهة في المنطقة مثل الدول الأخرى أو الجماعات الإجرامية المحلية والدولية وللقضاء على التجارة غير الشرعية والتي تتسبب بإضعاف سلطة الحكومة، ولذلك فإن هناك عدداً من الأسباب للإجابة عن السؤال لماذا هذه دولة طرية؟ فمن الصعب على الحكومة في الدولة الطرية السيطرة على الأعمال الصامتة لشعبها، أو الأعمال الصاخبة من الدول الأخرى، ولدى باكستان أسباب كافية، فالهند واحدة ممن يمكنها استغلال هذا الوضع، فالهند تشعر أن باكستان تخلق لها مشكلة في كشمير وإذا أرادت أن ترد فإنها تجد الوقت والظرف الجيد، والدول الأخرى وبالخصوص الاتحاد السوفييتي في وقته لم يكن سعيدا بدعم باكستان الجماعات المناهضة للاتحاد السوفييتي التي تقاتل في أفغانستان، ولذلك فإنهم سيستفيدون من الوضع الداخلي الباكستاني، والعراق وإيران كانا يخوضان حربهما وباكستان كانت دولة مجاورة لإيران، وباكستان كذلك لاعب مهم في المنطقة، وكان لإيران والعراق أسبابهما في خوض حربهما على الأراضي الباكستانية، وقد منحهما وضع الدولة الطرية هذه الفرصة، الولايات المتحدة تريد أن تخوض حربها ضد ما تقول إنه تهديد لها، ويمكن لها ذلك، فباكستان دولة طرية وهي تمنح الولايات المتحدة فرصة ممتازة لخوض حربها ومناهضي الولايات المتحدة لخوض حربهم كذلك، فالقضية في الأساس هي أن باكستان دولة طرية حيث الآلة الحكومية غير قوية بما هو كاف للسيطرة على الأعمال المشروعة وغير المشروعة وفقا لما يعتبره أناس مختلفون بطرق مختلفة الأسباب للذهاب بعيدا عن القانون.
وبما يعزز هذه النظرية التي راح إليها الدكتور إعجاز جيلاني دور الأجهزة الاستخباراتية العدوة والصديقة العاملة في الأراضي الباكستانية، لكن الدكتور برويز إقبال تشيما مدير معهد البحوث والدراسات السياسية في إسلام آباد يتناول الأمر بطريقة مختلفة، ويقول إن أنشطة الأجهزة التي يتم الإشارة إليها وبشكل خاص المخابرات المركزية الأمريكية بدأت عملها مع الاجتياح السوفييتي لأفغانستان وما تبعه من المقاومة الأفغانية. وجماعات المقاومة دعمت من قبل الكثير من المتعاطفين معها بما فيهم باكستان. وحتى قبل ذلك التاريخ فإن الأجهزة الأمنية الأفغانية مثل (خاد) كانت نشطة جدا في إقليم الحدود بشكل خاص، الأجهزة الأمنية يمكن أن تكون نشطة إذا كانت دولها راغبة في تأمين مصالح وتقوم باتخاذ الإجراءات المطلوبة، وأعتقد أن فريد الله محق فيما ذكره بأننا بعد الحرب السوفييتية في افغانستان تركنا ووجدنا أنفسنا لدينا حوالي خمسة ملايين لاجئ كنا نستضيفهم، وجميع الباكستانيين سواء كانوا يعيشون في مناطق القبائل أو في إقليم الحدود أو بلوشستان أو حتى في مناطق أخرى كانوا متعاطفين مع وضع اللاجئين وكانوا يقدمون لهم كل مساعدة ممكنة لجعل حياتهم سهلة قدر الإمكان في باكستان، وعندما تجد مثل هذا العدد من اللاجئين. ومن الواضح أن الحكومة الأفغانية كان لديها مخابراتها التي تراقب ذلك، وأجهزة المخابرات الأخرى كانت تتسلل وتراقب، ومن أجل الحفاظ على مصالحها كما ذكر فريد الله خان بأن العديد من هؤلاء دفعوا من أفغانستان واتخذوا من باكستان ملجأ لهم، وفي الحقيقة أنهم دخلوا لأنهم كانوا يتمتعون برعاية سابقة، والآن عادوا بسهولة، وكان محقا عندما قال إنه لا يوجد دولة في العالم يمكنها أن تتساهل مع أجانب بالدخول إلى أراضيها والعيش بصورة غير شرعية وبدون إشعار الحكومة.
ويؤكد فريد الله خان من خلال خبرته باعتباره أحد سكان بؤرة النار في منطقة “شكاي” التي كانت تعتبر معقلا للمسلحين الأجانب، أن الدور الدولي كان سببا في خلق المشكلة منذ الثمانينات، ولكن بعد تغير الأوضاع الدولية تغير وضع هذه المنطقة الصغيرة لتصبح أكثر المناطق خطورة في العالم من وجهة النظر الأمريكية. وقال: كما تعرفون انني أنتمي إلى منطقة تدعى شكاي، ووادي شكاي قبل هذه العمليات التي تمت في جنوب وزيرستان كان من أكثر المناطق خطورة في العالم حسب وجهة نظر المجتمع الدولي وأوروبا وأمريكا وغيرها، حيث كانوا ينظرون إليها على أنها المنطقة الأخطر، والكثير من هؤلاء المشاغبين لجأوا إلى هذه المنطقة، ومن اللافت أنه بعد هذه العمليات تحدثت إلى الناس في منطقتي، وقلت لهم إن توفير الملجأ للأجانب أمر مخالف لقوانين البلاد، ووقعنا اتفاقية مع الحكومة الباكستانية ومع حاكم الإقليم ومن خلال ممثليه السياسيين، وعرفنا كل شخص في وادي شكاي، وحاليا لا يوجد أي من المشاغبين يعيش في وادي شكاي وقد سلمنا حوالي 46 شخصا مطلوبا للحكومة، وبعض هؤلاء تم الإفراج عنهم من قبل قائد قطاع الجيش قبل عدة أيام في مجلس الجركة، وسلمنا جميع هؤلاء الذين يحتضنون الأجانب المشاغبين الذين يتورطون بأعمال ضد الدولة وأعمال تخريب للحكومة، وأعتقد أن اتفاقية شكاي وفرت أرضية جيدة لجميع مناطق القبائل، لأنه سمح بالبدء بمشاريع تنموية ضخمة، فقد بدأوا بشق الطرق، ولدينا فريق يعمل حاليا، ومع نهاية مارس/آذار سيعاود عمله مع تحسن الظروف الجوية وبدء ذوبان الثلوج، وقد أكملوا ثلاثين مشروعاً لخطط تزويد المياه، ولدينا 30 بئرا للري، وأقروا أربعة مستشفيات في المنطقة، ويقومون على مد الكهرباء للقرى، فيمكنك الآن مشاهدة الأماكن التي كان من المستحيل الوصول إليها في السابق، شكاي هي الآن بلدة نموذجية لمختلف مناطق القبائل، ومن دون الأمن والسلام فإنه لا يمكن التفكير في المشاريع التنموية، والقبائل ثمنوا ذلك عندما أدركوا أن عليهم أن يحصلوا على أكبر ميزانية ممكنة من الحكومة الباكستانية، وأنا على ثقة بأن بعض الطرق في وادي شكاي وجنوب وزيرستان سوف تستكمل قبل نهاية هذا العام، فهناك ثلاث خطط واحدة من الرئيس والثانية من حاكم الإقليم والثالثة هي برنامج قائد لواء الجيش في المنطقة ولدينا تمويل كبير.
ترويض القبائل
ومع انتشار الجيش الباكستاني في مناطق القبائل ظهر معه تخوف لدى القبائل التي تمتعت بسلطة حرة وفقا لأعرافها وتقاليدها لأن الهدف من وراء انتشار الجيش لم يكن مكافحة الإرهاب بقدر ما هو ترويض القبائل وتدجينها، ومن ذلك يقول الدكتور برويز إقبال تشيما إنه لا يوجد حكومة في العالم يمكنها أن تسمح للإرهابيين بالإقامة على ترابها، ومناطق القبائل جزء لا يتجزأ من باكستان وتشكل المنطقة الاتحادية الخامسة الأهم في جسم باكستان وتدار مركزيا من قبل الحكومة، فكيف يمكن للحكومة تجاهل الخارجين عن القانون ومن أعلنوا من المجرمين العيش في تلك المنطقة؟ ووفقا للاتفاق مع الحكومة فإنه لا يمكننا السماح للعناصر الخارجة على الدولة في مناطقنا، ولا يمكننا توفير ملجأ للمشاغبين وفقا للقانون وهذه الاتفاقيات وافق عليها محمد علي جناح مؤسس باكستان، ووفقا لهذه الاتفاقيات أعتقد أن القبائل لا يمكنها السماح لأي شخص غير مرغوب فيه في هذه المناطق.
تنازلات سيادية
* ويعتقد الدكتور إعجاز جيلاني أن أكبر ضرر لحق بباكستان بسبب عمليات الجيش في مناطق القبائل، والسيناريو في هذه المنطقة هو التنازل عن جزء من سيادة البلاد لجهة أجنبية وهي الولايات المتحدة، والسماح بتدخلها في شؤون البلاد الداخلية، ويقول: أعتقد أن هناك شعوراً قوياً بأنه تم التنازل عن سيادة باكستان، ان عدداً كبيراً من الناس لا ينظرون إلى العمليات التي اتخذت في مناطق القبائل على أنها تصرف مستقل، وهناك من يعتقد أن السبب وراء هذه العمليات والدافع الرئيسي وراءها ليس المتطلب الباكستاني، ولكن دعمت وحركت من أساسها وبطبيعتها لمصالح غير مصالح باكستان، وهذا شعور قوي وعلى الأقل نصف الشعب وأكثر يعتقد بأن العمليات اتخذت بالنيابة عن الولايات المتحدة وليس لأسباب باكستانية، وسواء أكان ذلك صحيحا أم لا فإنه يضعف شرعية الحكومة الباكستانية.
جميع الحكومات قد تقدم تنازلات بشأن سيادتها في مسائل مختلفة، فمناطق القبائل مثلا التي تعرف بشكل عام بأنها (علاقة غير) والتي تعني أرضاً أجنبية، لأنه عندما عرض البريطانيون مشاريع تنموية لهذه المناطق هذه رفضت المناطق هذه الأنشطة التنموية، ووصلت إلى تنازل بإدارتها بشكل مختلف عن باقي أنحاء البلاد، هذا النوع من التنازل السيادي لما يتعلق في بمناطق القبائل استمر حتى يومنا هذا، وعندما تقدم تنازلا لشعبك الذي تعرفه يختلف عن أناس لا تعرفهم، فتقديم تنازلات سيادية في باكستان للناس الذين يقطنون المناطق القبلية ينظر إليه من قبل الشعب الباكستاني بشكل مختلف عن تقديم تنازلات للولايات المتحدة. والحقيقة تبقى في أن سيادة باكستان تم التنازل عنها بالسماح لأجهزة أمن أجنبية وبالسماح لأفراد أجانب للعمل في أراضيها، ولذلك فإن المسألة سياسية جدا، وليست قضية يمكن عرضها بالأبيض والأسود، وإطلاق على طرف أنه شرعي وعلى الآخر أنه مشاغب، فهذا ليس نزاعاً بين من يتم التنازل عن السيادة له شرعيا وبين من يتم التنازل للسيادة له باعتباره مشاغباً.
أعتقد أنني وبصفتي باكستانياً لا ارغب أو أقبل المصطلحات الدعائية لطرف وأرفض المصطلحات الدعائية لطرف آخر، وقد وقعت باكستان في سباق مؤسف يمكن للكثير من المتحاربين خوض حربهم فيها، وهذا أكثر ما أغضب الشعب الباكستاني.
لكن الدكتور تشيما يدافع عن موقف الحكومة في السماح لأجهزة أمن أجنبية بالعمل في أراضيها ويقول إنه لا يوجد أي دولة تسمح لأجهزة أمن أجنبية بأن تعمل على أراضيها بالصورة التي تتحدث عنها، فأجهزة الأمن تعمل دائما في الخفاء، وبدون أي تصريح قانوني من قبل أي سلطة، وما أعنيه أن الحكومات لا تسمح بذلك، ودائما لا تخول غير أجهزتها جمع المعلومات، لأنه من دون هذه العمليات لم يكن بالإمكان معرفة عدد الذين قدموا إلى مناطق القبائل ومن دون جوازات سفر ومن دون سؤالهم أين يعيشون أو خلق مشاكل، هم لايخلقون مشاكل، فأجهزتك وحدها التي يسمح لها بالعمل وليس الأمر في أنك تفتح الباب للآخرين للقدوم والعمل، فلا أحد يمكنه القدوم، فأجهزتك وحدها التي يجب أن تعمل لأنها وحدها التي تقوم على حماية مصالح باكستان.
فتح المنطقة بالتنمية
المهندس ظاهر شاه توقع مستقبلا واعدا لمناطق القبائل نظرا للمشاريع التنموية والاقتصادية التي تفتتح في المنطقة للمرة الأولى في تاريخها ويؤكد خصوصية هذه المناطق بالقول: هناك سبع مناطق للقبائل المدارة من قبل الحكومة المركزية، وأود القول إن كل واحدة لها خصوصيتها، وعندما ننظر إليها من خلال خبرتنا وما شاهدناه في السنوات القليلة الماضية، فقد بقيت هذه المناطق مغلقة، ولم يكن السكان يريدونها كذلك، فالتضاريس الجغرافية قاسية جدا، ويحتاج الأمر إلى الكثير من الجهد لإيصال المواد من أجل بناء الطرق أو أي بنية تحتية يتطلبها المجتمع المعاصر مثل المستشفيات والمدارس وغير ذلك، فالنجاح في ذلك يعتبر مهماً في أي من المناطق القبلية، فمعظم مناطق القبائل ليس لديها البنية التحتية الأساسية، ففي البداية واجهت أعمال التنمية مقاومة والتردد كان طبيعياً ولكنهم عندما شاهدوا المشاريع التنموية تتطور، ومنح الناس فرصة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، فالأمر تغير، وفي الأساس نحن نبحث عن مختلف المصادر للقيام بالمشاريع المختلفة، مشاريع ضخمة تمكن الناس من الحصول على لقمة عيشهم، وتخلصهم من البحث هنا وهناك، فأعتقد أن شرب شيء مضر أمر غير مرغوب فيه، ففي “مهمند أجنسي” مثلا تمكنا من معرفة أن المنطقة غنية بمصادرها المائية بعد عمليات المسح والأبحاث التي قمنا بها، ووجدنا أن المنطقة مليئة بأنواع عالية الجودة من الرخام، فهناك أكثر من 350 مليون طن من مخزون الرخام، وعندما يبدأ البناء يمكن أن تفتح المجال للصناعة، وكذلك إذا ما تحدثنا عن منطقة خيبر، فلم يكن هناك أي شارع غير شارع “بيشاور لاندي كوتل”، ولكننا وصلنا الآن إلى وادي تيرا، والآن وصلنا إلى 75 في المائة من المنطقة، وعلينا أن نبقي على هذا التواصل والاتصال الأساسي، فهذا يساعدهم على الوصول للعالم، حتى يدركوا أنهم أناس، ويشعرون أن من مصلحتهم أن يكون لديهم مستشفيات ومدارس.
مناطق اقتصادية خاصة
الباحث الاقتصادي المعروف ووزير التجارة الباكستاني الأسبق الدكتور زبير خان يرى أن مناطق القبائل تصنف ضمن المناطق الاقتصادية الخاصة ويجب المحافظة على هذه الصفة لها، شأنها شأن المناطق الاقتصادية الخاصة في مختلف بلدان العالم. ويقول: دعني أضع الأمر في سياقه، فهذه مناطق القبائل، وفقا للدستور الباكستاني، لذا فإنها لا تخضع لنطاق قانون الجمارك والضرائب الباكستاني، فليس عليهم أن يدفعوا أية ضرائب كالتي تخضع إليها مختلف المناطق في باكستان، وهذا جزء من الدستور وحقهم الدستوري وليس أمرا غير شرعي، فيمكنك قيادة سيارتك غير المجمركة في جميع مناطق القبائل وهذا لا يعد غير قانوني، وهذا يعد من قبيل المناطق الاقتصادية الخاصة الموجودة في عدد من الدول، كما هو الحال في الصين، وهذا أمر عادي ولا يوجد فيه شيء غريب، والناس يتدفقون على هذه السوق لاعتقادهم أنها أرخص من الأسواق الأخرى، ولكنك لو ذهبت الآن إلى الأسواق في إسلام آباد أو لاهور أو كراتشي فإنك ستجدها متساوية مع أسواق كارخانه، فالأسواق مليئة بجميع السلع، وأحد أهم المؤشرات إلى أن التهريب تراجع كثيرا هو أن جميع المنتجين الدوليين الرئيسيين اصبحت لديهم وكالات رسمية في باكستان، ويتعاملون مع السوق الباكستانية من خلال الطرق الرسمية والقانونية، وفتحوا مكاتب ووكالات في باكستان لسبب وحيد هو أنه لا يمكنهم مجاراة السوق عن طريق التهريب، ولا يمكنهم المنافسة من خلال التهريب، فإن فارق السعر والأرباح لا يصل إلى قيمة تكاليف فتح محلاتهم الخاصة والإعلان عنها رسميا.













التعليقات