عندما كان الرئيس بوش في أوروبا كرّر في خطابه الرئيسي عن السياسة الخارجية الذي ألقاه في بروكسيل فقرة وردت في خطابه عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس الأميركي، يشير فيها الى ما يتوقع من دور مصري في قيادة مسيرة الديموقراطية وسعودي في توسيع المشاركة في العملية الديموقراطية التي يريدها للشرق الأوسط.

وسجلت في هذه الزاوية ان الفقرة تكررت وعلقت عليها، كما علّق عليها غيري، خصوصاً في مطبوعات المحافظين الجدد الذين فهموا من كلام الرئيس انه يتوقع مزيداً من المصريين والسعوديين، أي انه غير راضٍ عما تحقق حتى الآن، أو انه يراه غير كافٍ.

كانت هناك فقرة اخرى في الخطاب الأوروبي مرت مروراً عابراً، وأعتقد انها تستحق مراجعة أوسع هي “يجب ان تنهي الدول العربية التحريض في وسائل اعلامها، وأن تقطع التمويل العام والخاص للارهاب، وان توقف تأييدها التعليم المتطرف، وتقيم علاقات طبيعية مع اسرائيل”.

وبالنسبة الى الكلمات الأخيرة، فالعلاقات الطبيعية ستتبع قيام دولة فلسطينية مستقلة، كما يريد الرئيس نفسه، ولن تسبقها، وكل حديث غير ذلك خرافة ومضيعة للوقت والجهد.

غير انني أريد ان أركز على التحريض، فقد سمعنا عن الموضوع الى درجة اننا بدأنا نصدقه، ولا بد من ان هناك تحريضاً أسبابه تعود الى الاحتلال الاسرائيلي ووحشيته واستمراره، قبل أي شيء آخر، غير ان النقطة الأهم هي ان كره السياسة الأميركية، أو معارضة الرئيس بوش شخصياً، ليست وقفاً على العرب، فهي تلف العالم كله، وحصة العرب منها أقل من الآخرين. ومع ذلك فالادارة الأميركية ووسائل الاعلام الغربية المحسوبة على اسرائيل تتعامل مع الموضوع وكأنه خصوصية عربية أو اختصاص.

عندما كان الرئيس بوش في بلجيكا انتشرت في المراحيض العامة ملصقات تظهر صورة لبوش ووراءه العلم الاميركي, وعليها عبارة “بوّل عليّ”. وما كنتُ لأشير الى هذا الموضوع لولا ان الدكتور بول بيليين، وهو صحافي وكاتب بلجيكي، نشره في “ويكلي ستاندارد” الناطقة بلسان المحافظين الجدد، والتي تحمل لواء الدفاع عن جورج بوش وادائه، وتمارس التحريض الآخر، أي التحريض على العرب والمسلمين.

الملصقة البذيئة لم تكن من صنع معارض فوضوي، بل جاءت فكرتها من لوران وينوك، رئيس الاشتراكيين الشبان، أي فرع المستقبل في الحزب الاشتراكي المشارك في الحكم الذي مثله في استقبال جورج بوش في المطار نائب رئيس الوزراء يوهان فاند لانوت. ولم يعتذر أحد من الحزب عن انتشار الملصقات، ولم يبعد نفسه عنها. وقالت وزيرة العدل لوريت اونكلنكس، وهي من أقوى شخصيات الحزب الاشتراكي، انها كانت تفضل لو انها استقبلت جون كيري. وقيل لها ان كلامها غير ديبلوماسي، وردت: “لا. هذا شعوري”.

مرة اخرى، نحن نتحرج من طرح مثل هذا الموضوع في تعليق والبلجيكيون يمارسونه وهم يستضيفون الرئيس الأميركي، وما كنتُ لأشير اليه أصلاً لولا ان جماعة جورج بوش هم الذين نشروه احتجاجاً على مدى معارضة أميركا وكرهها في أوروبا.

وبلجيكا بالتأكيد ليست حالة استثنائية في أوروبا، ورئيس وزراء سلوفاكيا ميكولاس جوريندا شكا، وبوش في عاصمة بلاده، من تحامل صحافة بلاده على جورج بوش وتصويرها له كداعية حرب يريد غزو ايران بعد العراق بسبب برنامجها النووي. ونقل رئيس الوزراء الى مجموعة من صحافيي بلاده ان الرئيس بوش شكا اليه من تحامل الصحافة عليه في موضوع ايران وعدم نقلها صورة حقيقية للموضوع.

جوريندا، في صحيفة “واشنطن تايمز” الليكودية الموالية للادارة، قال انه “صدم” لأن “سي إن إن” و”بي بي سي” “تظهران فقط ان جنوداً أميركيين يقتلون عراقيين. ولكن لا أحد يظهر كيف قتل صدام حسين ألوفاً من الشعب العراقي”.

هذا أسوأ دفاع ممكن عن أميركا واحتلال العراق، فما يقول رئيس وزراء سلوفاكيا هو ان قتل صدام العراقيين يبرر ان يقتلهم الأميركيون. وأنصح الرئيس بوش بالابتعاد عن هذا الحليف، أو ينصحه بأن يخفف من تأييده، فقد كان الواجب ان يركز على ايجابية اسقاط صدام حسين التي تبقى ايجابية على رغم كل المصائب اللاحقة.

نحن معشر العرب والمسلمين، ليست لنا مشكلة مع جورج بوش والادارة الأميركية، وانما مشكلتنا مع اسرائيل. اما مشكلة الرئيس الأميركي فهي مع شعبه وحلفائه قبل ان تكون معنا. وبعد بلجيكا وسلوفاكيا أستطيع ان أنقل عن “نيويورك تايمز” وصفها السفارة الأميركية في حي ماي فير الراقي وسط لندن بأنها تشبه معسكراً مسلحاً، فهي محاطة بحراس مسلحين على مدار الساعة, وأسوار تشبه ما نرى في افلام الخيال العلمي. ولرئيس بلدية لندن كن لفنغستون رأي معروف في جورج بوش لن أكرره هنا. (طلب الرئيس بوش 600 مليون دولار لبناء سفارة / قلعة في بغداد).

في الولايات المتحدة نفسها وصفت “لوس أنجليس تايمز” الراقية سنوات جورج بوش الأربع الاولى في الحكم بأنها “رئاسة ساقطة” وأعطت افتتاحيتها أسباب هذا الحكم. وبعد فوز الرئيس تحدى المعلق الليبرالي المشهور بول كروغمان في “نيويورك تايمز” النتيجة في مقال بعنوان “لا استسلام” أمام مشاريع الرئيس المحافظة.

وأسوأ ما يمكن ان يصيب أي رئيس هو الهزء به، وثمة كتب عن اخطاء الرئيس، وكان عندي تقويم للسنة الماضية، كل صفحة تسجل عبارة عجيبة له، مع تاريخ قولها ومناسبته.

وبعد فوزه تلقيت بالبريد الالكتروني ما لا يحصى من الحملات عليه مثل صورة له يرفع بيده اليسرى ثلاثة أصابع ويقول مبتسماً “أربع سنوات أخرى”، وعدداً هائلاًً من صور الأميركيين يرفعون لافتات تعتذر للأميركيين وشعوب العالم عن فوز بوش، وواحد يقول: “آسف جداً. حاولت جهدي”، وآخر “49 في المئة منا لم يصوتوا له” وغيره بلغات أجنبية وعلى لسان الباندا، وكله يعتذر جداً.

نحن لم نفعل شيئاً من هذا، وحتى صدام حسين نفسه، وبعد ان طرد من العراق ودمرت أرتال من جيشه على الطريق، لم يفعل أكثر من وضع صورة العلم الأميركي وجورج بوش الأب على مدخل فندق الرشيد في بغداد ليدوس عليها الداخلون والخارجون. وهذا أهون مما فعل الاشتراكيون البلجيكيون الحلفاء. والرئيس بوش سيخدم نفسه وبلاده والعالم اذا بدأ بأوكار الكره الأكبر، قبل ان ينتقل الى أوكاره الأقل عندنا. وأكمل غداً.