لم يرتكب وزير الإعلام ا لسوري مهدي دخل الله خطأ استراتيجياً، عندما بادر بُعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري الى القول: "هذا حصل لأن قواتنا العسكرية خرجت من بيروت".
خدش عاطفة اللبنانيين. صحيح. لكن عين دخل الله كانت تنظر مباشرة الى أصحاب العقول الباردة في لبنان والعالم العربي والى المحللين الاستراتيجيين في دول القرار، حيث يصل الضغط على دمشق لتترك لبنان الى ذروة غير مسبوقة من جهة ولا تتطابق مع القناعة السورية السابقة بأن مطلب خروجها الكامل من "القطر اللبناني" مجرد مناورة لا مصلحة للولايات المتحدة الأميركية بتجسيدها على أرض الواقع، من جهة اخرى.
إلا ان دول القرار لم تلتفت الى معاني كلام دخل الله، فرفعت حدة مطالبها الى حدها الأقصى. دخل نائب وزير الخارجية السورية وليد المعلّم على الخط وأبلغ من يهمه الأمر ان قيادته ستسحب قواتها الى البقاع في خطوة اولى. كان في الإعلان السابق للتنفيذ الكثير من الايحاء المرتبط بنظرية دخل الله. ارتجف المستوى الأمني في إسرائيل حيث بدا رئيس مجلس الأمن القومي غيدرا ايلاند يقود حملة لتثبيت الوجود السوري في لبنان. جورج بوش لم يلتفت الى ما يحصل في تل أبيب فالتصفيق الذي يناله كلما أتى على ذكر لبنان الحر والسيد المستقل في بلاده وفي أوروبا جعله يترحم على تحضيراته لحربه على نظام صدام حسين، فزاد اقتناعاً بالضغط على سوريا مدعوماً أوروبياً وعربياً، فالعالم توحّد بعد اغتيال الرئيس الحريري.
الرئيس بشار الأسد استكمل ما مهّد له وليد المعلّم في 24 شباط الماضي. ولكن العين سوف تبقى على رسالة دخل الله والسؤال الكبير الذي يضج في كل الأوساط: ماذا سيحصل بعد تنفيذ ما أعلنه الأسد؟
الأحلام الوردية ممنوعة، أقلّه في المرحلة الحالية. سوريا تترك مواقعها ولكن لا تأخذ معها الإشكاليات اللبنانية التي نمت تحت أنظارها. مزارع الاضطراب لم يتم ردمها ولم يُسمح بإعادة تأهيلها. المتضررون من أي انكفاء في الهيبة السورية داخل لبنان يسارعون الى جبهات إرباك الداخل. كل ما كانت اليد الحديدية السورية تمنعه من التحرك بدأ يتزحزح.
مسيرة استعادة لبنان ذاته طويلة. تجربة عودة سوريا الى مواقع تخرج منها، بلا رضاها، معروفة بتفاصيلها، على مدى السنوات العشرين الماضية. التعلق الاستراتيجي السوري بالمدى اللبناني ثابت. حاجة النظام الى لعب دور إقليمي كبير لا جدال حوله، وقد قالها الرئيس الأسد قبل أيام بأنه ستأتي الساعة التي يدرك فيها الجميع ان الحل الناجع للاستقرار في المنطقة هو عند سوريا.
حكومياً
وعلى هذا الأساس، ماذا ينتظر لبنان على المدى القريب؟
سياسياً، يُنتظر ان تتكتل الموالاة مدعومة من "حزب الله" لتفويت فرصة ذهبية على المعارضة التي ستكون من دون شك منتعشة، الأمر الذي سيقود البلاد مجدداً الى رؤية حكومة مواجهة داخلية في السلطة التنفيذية لا تقف عند خاطر بكركي ولا تأبه لإرادة الناس ولا تمس بشعرة واحدة من رؤوس قادة الأجهزة الأمنية المطلوب إقالتهم، وتأخذ التحقيق في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري الى النظرية المفضلة لديها أي العملية الانتحارية غير آبهة بما سوف ينتهي اليه فريق الخبراء الدوليين الذي يتم تحضير جملة اتهامات له بأنه يعمل بانحياز تحت الضغط الدولي، تماماً كما كان يتهم صدام حسين فرق التفتيش الدولية.
ولا يُستبعد في هذا السياق ان ينتظم هجوم من فئات موالية على بكركي استكمالاً لما بدأه سليمان فرنجية الذي لقي دعماً فورياً من "وعد ـ حبيقة" ومن كتائب ـ بقرادوني، مع تنامي نغمة قوى مؤيدة لسوريا بهدف إلغاء الطائفية السياسية على اعتبارها من الإصلاحات الملحوظة في وثيقة الوفاق الوطني التي بسبب بنودها كانت إعادة الانتشار السوري.
وإذا كانت ثمة رغبة متوافرة في بعبدا لمواجهة هذا المشروع الذي يركز نفسه في "لقاء عين التينة"، فإن رئيس الجمهورية إميل لحود سيكون، أقلّه من الآن حتى الانتخابات النيابية أسير الأكثرية النيابية المتوافرة عند أصحاب هذا المشروع وسط رغبة لدى فئات في المعارضة للإطاحة به بعدما جاء تمديد ولايته رغماً عن إرادتهم.
ميزان الطائف
وهذا المشروع تستحيل مواجهته دستورياً في المرحلة القريبة المقبلة، لذلك يفترض ان يكون الرد في نوعية سلوكيات القوى المعارضة من أجل تخفيف ما يمكن ان يعتمل من ردات فعل عند الفئات الشعبية التي تستثار بالتحريض الطائفي نظراً لتدني ثقافتها السياسية، الأمر الذي من شأنه ان يرفع اتفاق الطائف في شقه الداخلي الى مستوى القداسة، فلا يفتئت أحد على صلاحيات أحد كما كان يحصل بين العامين 1998 و2004.
"الخريطة الأصولية"
ولا ينطلق هذا الحرص على موازين القوى الداخلية من فراغ، بل ثمة من يُراهن على ان يؤدي ترك القوات السورية لمواقعها بعد تنفيذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري الى اطلاق يد بعض التنظيمات الأصولية الاسلامية في بعض المناطق اللبنانية وفي بعض مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، خصوصاً وان استنفار هذه التنظيمات وصل الى حدّه الأقصى بعد توجيه أصابع الاتهام اليها بجريمة "سان جورج"، من جهة وخضوع بعضها الآخر لتوجيهات عدد من الأجهزة الأمنية العاملة في لبنان، من جهة اخرى.
ويقود ذلك الى وجوب البحث الهادئ في مصير السلاح الفلسطيني في المخيمات الذي لا يزال حتى الساعة خطاً أحمر في التفكير الاستراتيجي اللبناني ـ السوري المشترك.
وعلى هذا الأساس، يفترض استعادة ما سبق وقاله أحد أعمدة النظام السوري اللواء بهجت سليمان في 15 أيار 2003 من انه لن يكون بمقدور الأميركيين في حال اغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية وخروج الجيش السوري من لبنان، منع الفلسطينيين من الخروج من الأراضي السورية والتوجه الى لبنان وتكرار تجربة الانتقال من أحراج جرش وعجلون في الأردن العام 1971 الى جنوب لبنان وخلق وجود فعّال وقوي لهم هناك، بل أقوى مما كان عليه في الفترة المحصورة بين ذلك العام والعام 1982.
ويضيف سليمان: "حجة سوريا جاهزة، وهي انه لا وجود للمنظمات الفلسطينية التي يتهمها الأميركيون بممارسة الإرهاب على أراضيها، اما وجودها على الأراضي اللبنانية فهو أمر لا علاقة لها به طالما لا وجود لقواتنا فيها، وبالطبع فإن أكثر ما يمكن ان يثير القلق ليس بوجه عناصر هذه المنظمات، بحد ذاته، الى الأراضي اللبنانية، بل ان يعقب هذا التوجه ظهور خريطة جيوسياسية بتضاريس أصولية في منطقة الجنوب تضم الى جانب "حزب الله" اللبناني حركتي "حماس" و"الجهاد الاسلامي" الفلسطينيين (...)".
"الوقاية الانكليزية"
ولكن كيف تكون مواجهة هذه الاحتمالات الخطرة الهادفة الى إظهار ان الوجود السوري في لبنان هو في خدمة الاستقرار اللبناني؟
الجواب عن هذا السؤال لا يزال قيد البحث الفعلي في الكواليس اللبنانية والدولية، وان بات مؤكداً ان تداعيات اللجوء الى "نظرية الفوضى" سيرتد سلباً على الفلسطينيين وعلى "حزب الله"، خصوصاً مع تعريف الإرهاب الذي اعتمده القرار 1566 المدرج تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ومسارعة وزير الخارجية البريطانية جاك سترو الى التلويح بإمكان إرسال فريق من القوات الدولية لحفظ السلام الى لبنان.
وثمة من يعتقد ان الفلسطينيين الذين كواهم التدخل في الشأن اللبناني حتى العام 1982 سينتظمون في الحياة الوطنية ويضغطون من أجل تحسين ظروفهم الانسانية حتى يتمكنوا من العودة الى ديارهم أو يوافقوا على أي تسوية دولية لأوضاعهم، خارج إطار التوطين في لبنان.
أما "حزب الله" الذي يحمل راية تحرير الجنوب، فلن يكون مبدئياً فصيلاً في اضطرابات يمكن ان تتسبب بتدمير لبنان، بل هو يخوض حوارات مع قوى أساسية في البلاد تمكنه من الاحتفاظ بسلاحه حتى استعادة لبنان حقوقه في مزارع شبعا، من جهة وتمنع لبنان من الذهاب الى أي تسوية مع إسرائيل خارج المعادلة العربية والإقليمية المتكاملة. وبالتالي تفويت فرصة على تكرار تجربة 17 ايار 1983 ومن ثم الانقلاب عليها.
الجيش اللبناني
ولا يمكن في هذا السياق، إهمال الدور المناط بالجيش اللبناني، لكبح جماح أي مجموعة يمكن ان تخرج عن استراتيجية الدولة الأمنية، إلا ان العين يجب ان تبقى مسلّطة على ما يمكن ان يصيب هذه المؤسسة من رذاذ الاحتدام السياسي بين الموالاة والمعارضة، خصوصاً وان التجارب الأخيرة التي خرج منها الجيش أقوى مما كان حين أدخل اليها، بيّنت ان ثمة من يريد إقحامه في التجاذبات الداخلية لإسقاط هيبته وحصانته، بعدما تمّ حرمانه من القوة التي كانت ترفده بها خدمة العلم.
هل الغد اللبناني القريب يدعو إلى الهلع؟
ليس بالضرورة، ولكن لا بدّ من أخذ الحيطة والحذر، طالما ان المشهد مكشوف بوضوح.
- آخر تحديث :














التعليقات