اذا استسلم النظام السوري للارادة الدولية, على نمط معمر القذافي, كما تفيد الاحتمالات الآتية, او اذا تم ضربه عسكريا وإسقاطه على النمط العراقي ¯ الصدامي, ماذا سيكون مصير القوى الموالية لهذا النظام في لبنان, وعلى رأسها »حزب الله« وزعيمه السيد حسن نصرالله?!
السؤال الآن مطروح بحدة بعد خطاب الرئيس الاميركي بوش اول امس والذي تعهد فيه بإطاحة أنظمة الطغاة في الشرق الاوسط. وأغلب الظن أن السيد حسن لديه هذه الاستنتاجات, وينتظر هذه الاحتمالات الخطرة, خصوصا وأنه من الرجال الذين امتازوا بالتفكير الستراتيجي, والذي بموجبه أنشأ شبكة من الارتباطات تمتد من الضاحية الجنوبية لبيروت وصولا الى طهران مرورا بدمشق.
والسيد حسن نفسه, وبسبب الفطنة السياسية الموفورة له, شن هجوما صاعقا على الولايات المتحدة, وتوعدها بهزيمة منكرة لو اقتربت بأساطيلها من لبنان, وآثر لهذه اللهجة التهديدية أن تكون صدامية النكهة دون اعتبار الى ماذا أوصلت لهجة صدام, وماذا حققت له من كرامة موفورة, وعرش مكين.
هذه اللهجة المتعنترة, والمتحرشة, والمدعية لقوة لا وجود لها, يبدو أنها لاتزال مستطردة, كثقافة, منذ أيام الطغيان القومجي في الخمسينات والستينات الى أيامنا هذه, على الرغم من الهزيمة المروعة التي تحققت لمروجي هذه الثقافة أمام اسرائيل عام 1967 .
صحيح أن اللهجة الناصرية المتعنترة قد انقشعت عن الذهنية العامة في مصر, الا أنها لم تنقشع عن ذهنية النظام السوري على رغم سقوط صدام حسين ونهوض العراق الديمقراطي الجديد بجواره. فبيئة هذا النظام, وبتمادي الغش وغسل الادمغة, لاتزال على وضعها الهزيل. فالشعار الذي كان يردده طلاب المدارس السوريون في الخمسينات »شدوا العزيمة يارجال بلادي بفيتنام راح نص أميركا ونحن حنكمل على الباقي«, تردد على لسان السيد حسن نصرالله في الحشود الموالية للنظام السوري في لبنان, فهو هدد بتدمير أساطيل أميركا باعتبارها النصف الناجي من حرب فيتنام الذي ندب نفسه, بالوعد والوعيد, للاكمال عليه وإزهاقه.
هذا كلام حرام أن يتردد في الاذهان الرشيدة لانه يهدد الشعبين اللبناني والسوري في حياتهما, بحكم الفارق الرهيب في موازين القوى, وبحكم استعراض قوة لا يملكها »حزب الله« ولا حتى النظام السوري نفسه الذي حشد الناس لشكره وإعلان الوفاء له, وتنظيم تشييع مشرف لقواته في وسط بيروت.
السيد حسن نصرالله أطلق كلاما, من خارج وعيه وإدراكه, ومن وراء قدراته على تحليل الواقع, وتنكرا لرؤيته الستراتيجية, استفز به القوى الكبرى في هذا العالم, بل القوة الوحيدة الكبرى في هذا العالم, ولم يقنع الشعوب العربية او يطمئنها, وهي الشعوب التي قرأت جيدا تجربة كوسوفو ويوغسلافيا القديمة, وتجربة تحرير أفغانستان والعراق, وتقرأ الآن بشغف انتفاضة الاستقلال والحرية في لبنان, وتتطلع اليها كنموذج مطلوب للاحتذاء. وشعب لبنان, ومعه الشعوب العربية وصلها ايضا كلام السيد الامين العام, وعرفت أن الرجل ليس بحجم تهديداته, وأنه يواجه قوة اذا قالت فعلت.
بهذا المعيار يكون التهديد موجها للداخل اللبناني, وبالذات للمعارضة الديمقراطية في لبنان, بقصد الترهيب, والاخضاع, والالغاء اذا أمكن ذلك, ويكون بالمناسبة الصدى لصوت النظام السوري, والواسطة له.
وليس لدينا أي ذرة من وهم أن السيد حسن نصرالله يدرك تماما أن الأزمة لم تعد أزمة النظام السوري في لبنان مع الرافضين لوجوده, بل بين هذا النظام والمجتمع الدولي بأسره.
وعلى صعيد هذا المجتمع فقد اتخذ قراره 1559 لاخراج سورية من لبنان, ويضغط لتنفيذه فورا ومن دون مماطلة. كما يعرف أمين عام حزب الله, أن تحشيداته وتهديداته, ولهجته الصدامية العالية والمتعنترة, لن تؤبد الوجود السوري في لبنان, ولن تؤخر انسحاب القوات السورية من لبنان, ومعها أجهزة المخابرات وكل أدوات التسلط على الشعب اللبناني. وبهذا المعيار الحقيقي يصبح مفهوما أن أزمة النظام السوري لم تعد مع الشعب اللبناني, ولو كانت كذلك لجعلوا بيروت وصيدا وطرابلس حماة أخرى جديدة تفترس فيها جنازير الدبابات لحوم البشر, وتهدم مدافعها بيوتهم فوق رؤوسهم..مشكلة النظام لم تعد مع الداخل اللبناني بل مع القوى العالمية.
من هنا لانتصور أن ذهن النظام السوري سيشتغل على موجات حزب الله, ويرقص على صوت أمينه العام الهادر.. فهذا النظام محشور الان في الزاوية, ومصيره أصبح مطروحا بجدية كاملة, وعليه أن يفكر بتسريع انسحابه من لبنان, على نحو مانرى, او الاستسلام للارادة الدولية على نحو مافعل معمر القذافي في ليبيا.
خيار العقل والتعقل سيكون خيار النظام السوري في آخر المطاف. فهو أولا عليه أن ينقذ نفسه وشعبه, وثانيا أصبح يدرك أن الفاسدين والمفسدين, أمنيا واقتصاديا إنما ارتكبوا ما ارتكبوه باسمه, وتحت مظلته, بل ويدرك أكثر أن من تظاهروا للاعراب عن الوفاء له يعرفون أنه سينسحب من لبنان, وأن انسحابه استحقاق دولي واجب التنفيذ, وأن هناك لبنانيين لا يريدونه, هم في طليعتهم, وأن كل من احتشد لاجله لم يطلب له الا الخروج المشرف من لبنان وليس الاستمرار فيه.
الافضل الآن أن تتراجع الاستفزازات, وأن يظل الجميع, هنا وهناك, يرفعون العلم الوطني اللبناني, ويخرجون كوامنهم الحقيقية, وهم بلا شك يريدون أن يروا وطنهم لهم سيدا حرا مستقلا, وأن سورية لن يكون لها نفوذ فيه الا من ضمن علاقة متكافئة بين دولتين.
غير ذلك, من تهديد ووعيد واستدراج لاساطيل لن يفيد لا حزب الله, ولا لبنان ولا سورية ولا ايران, فهذه الاساطيل حين ستأتي لن يقدر السيد حسن نصرالله على مواجهتها, ولن يستطيع الفاسدون المفسدون الوقوف في وجهها, ولو كان هذا الامر ممكنا لما سقط صدام حسين وانتهى في حفرة, وهو زعيم خطابات التهديد الذي وعد الاميركيين بقطع رؤوسهم لو اقتربوا من أسوار بغداد, فكانت النتيجة أن رأسه وحده هو الذي قطع.
- آخر تحديث :













التعليقات