نصف مليون.. مليون.. مليون ونصف، هكذا اختلفت الارقام التي ادعت كل جهة انها عدد الجمع الحاشد في مظاهرة تأييد سورية التي غصت بها بيروت. ومن المؤكد ان المنظمين دائما يميلون الى المبالغة والخصوم يتعمدون الى التقليل، والسؤال ليس كم عدد المتظاهرين، بل في قيمة حضورهم السياسي، هل يمنعون الانسحاب السوري؟ هل يشلون قدرة مجلس الامن عندما يجتمع لاحقا لفرض عقوبات ان اصر على تطبيق كامل بنود قراره 1559، المتضمن ايضا نزع سلاح حزب الله؟ هل يعزز بقاء النظام السياسي كما هو برئاسة اميل لحود او من يخلفه؟
كانت بالتأكيد استعراض قوة، رغم تشكيك المعارضة بأن الناس جمعت من قراها كالخراف في حافلات، وزج بها في مظاهرة جهزت بالاعلام واليافطات، ورغم التشكيك في صدقية المظاهرة، الا انها كانت رسالة واضحة ووصلت، لكن الأهم من قراءة الرسائل هو قراءة النتائج. فلم تكن المظاهرات حائلا امام القضايا الحاسمة، ولم تكن التجمعات مهما كبرت قادرة على التغيير، وهذه البراهين. ففي الأزمة العراقية ابان اخر سنوات صدام حسين، ملأت شوارع المنطقة العربية والعالم ايضا مظاهرات حاشدة ترفض الحرب على العراق. كانت العاصمة الأردنية مكتظة بصور صدام المرفوعة وصور بوش المحروقة. في القاهرة لم تترك الجامعات والجوامع الدينية الكبيرة مناسبة الا ورفعت مكبرات الصوت بالدعوات نفسها، حتى الحكومة سيرت ذات مرة مظاهرة تقدمها وزراء نافسوا المعارضة في المعارضة. كانت باريس ولندن، وكذلك واشنطن، تزخر بمظاهرات ضخمة منددة ببوش ورافضة الحصار ثم الحرب. وعندما دقت ساعة الحسم لم توقف المظاهرات طائرات الشبح، وانهارت بغداد سريعا، وتبدد الحشد الرافض، ونسي الجميع القصة.
البرهان الآخر المظاهرات ضد بوش التي استبقت الانتخابات. عمت المدن الاميركية تجمعات صاخبة دفعت العديد من المراقبين الى القول انها نهايته. في الصباح رأى العالم ان الارقام المسجلة في صناديق الانتخاب تفوق الارقام المسجلة في المظاهرات، وفاز الرجل الذي واجهته اكثر مظاهرات اصطفافا في العالم.
الدرس الذي يمكن ان نتعلمه ان المظاهرات تعبر عن رأي، لكنها لا تغير كثيرا في السياسة، ومن الغفلة ان يصدق الساسة ان الاعلام والصور واليافطات وست ساعات سيرا على الاقدام ستغير كثيرا. واقع الامر اهم من وهم النظريات، وليس على الساسة اللبنانيين الا ان يقرأوا الأمور بصورتها الصحيحة.
قرار مجلس الأمن سيظل مشكلة كبيرة مهما كانت حجم الحشود الهاتفة ضده، لكن حشود القوات السورية المنسحبة من لبنان، هي التي عطلت الالغام الكبيرة، التي كان لها ان تنفجر دوليا على الأرض اللبنانية والسورية معا.