ربما ان اكثر ما تتمناه الاوساط السياسية اليوم هو ان يكون اعلان الانسحاب السوري من لبنان نهاية لمشكلة وليس بداية لمشكلة اخرى، فقد بدا ان ثمة اختلافات (وليس خلافات) بين اقطاب المعارضة اللبنانية فور انتهاء الرئيس السوري بشار الاسد من خطابه، ففي الوقت الذي لم يعترض وليد جنبلاط على ما جاء في جوهر الخطاب، اعلنت اوساط اخرى، منهم الجميل وتويني، عن شكوك ملتبسة جاءت في مضمون هذا الخطاب، منها ان مصطلح الانسحاب الى الحدود السورية غير دقيق، وكان يجب ان يكون الانسحاب الى ما بعد الحدود، كما انه وبحسب هؤلاء لم يتم تحديد موعد للانسحاب، وخصوصا من مرحلة البقاع الى ما بعدها. الامر الآخر الذي نخشى ان يشق الصف اللبناني هو خروج تظاهرات ضد اخرى، وان كانت هذه هي سمة ديموقراطية لبنانية عريقة، الا انها حين تكون على سبيل التحديات والنكايات، فقد تؤدي الى نتائج غير محمودة، فالواقع يقول ان الشعب اللبناني قال كلمته في هذا الموضوع، وانتهى الامر، ولكن ايضا يجب الا تستثمر القوى السياسية والحزبية هذه الفورة الجماهيرية لصالح مكاسب ضيقة، بل يجب ان ينعم لبنان كله بوعي جماهيره بعيدا عن سماسرة السياسة الذين يتواجدون عادة في كل دول العالم في مثل هذه الحالات، ويقتنصون عاطفة الجماهير النقية لجعلها سلالم توصلهم الى مبتغاهم.
ولكن ايا يكن، فإن الانسحاب السوري من لبنان هو الخطوة الصحيحة لمستقبل البلدين، ومستقبل العالم اجمع، فمن الصعوبة بمكان ان تنشأ الاجيال على نزعات من الكراهية والاحقاد خصوصا في دول الجوار، فتوريث الضغائن من شأنه ان يعيق كل عمليات التنمية والاصلاح، ويوقف طموحات شعب بأكمله. ولكن في الوقت نفسه، فان هذا الانسحاب سيضع لبنان على مفترق طرق ومنعطف ليس سهلا، فقد يخشى اللبنانيون اليوم ان ينسحب الجيش السوري ويظل هناك جيش ظل، او من يجسد هذه القوة السورية التي كانت تهيمن على البلد، وبالتالي فالمشكلة لم تنته من اساسها، لذلك يحتاج لبنان في هذه الآونة اكثر من اي وقت مضى الى وحدة وطنية منسجمة مع تاريخ هذه الدولة العريقة، وتتطلع الى مستقبلها، وهذا يتأتى من التقاء اقطاب المعارضين والمؤيدين على صيغة واحدة، وان تكون هناك قناعة لدى الجميع بالوضع الجديد، والسعي الى بلورته لصالح الشعب الذي لاقى ما لاقاه منذ عام 1974 وحتى الآن.
بالمقابل، فإن بناء جسور ودية الآن مع سوريا هو اجدى من عمليات الاستفزاز التي قد تصدر عن كيانات سياسية او جماهيرية غير مقدرة لأهمية هذه العلاقات الودية في مستقبل الاجيال.
- آخر تحديث :














التعليقات