لا يزال الكلام الذي أدلى به الرئيس عمر كرامي بُعيدَ تكليفه تشكيل الحكومة، موضع نقاش و"تفنيد" في الأوساط السياسية عموماً والمعارِضة خصوصاً، نظراً الى "الخطورة" التي ينطوي عليها من زوايا نظر عدة.
فهو وقبل أي شيء أعلن قبولاً مشروطاً للتكليف، أي أنه ربط موافقته على تشكيل الحكومة بأن ينجح في تأليف ما يسمّيه "حكومة اتحاد وطني". وإذا كان هذا الأمر يحتاج الى قراءة دستورية لمعرفة ما إذا كان يجوز في الأصل لمن تسمّيه أكثرية نيابية لترؤس الحكومة أن يضع شرطاً من هذا النوع، لا سيما أن في ذلك سابقة دستورية (وسياسية)، فيما المعروف أن من حقّ من تسمّيه الأكثرية النيابية الاعتذار عن قبول التكليف.. فإن الخطورة تكمن في أن كرامي الذي يعلن قبولاً مشروطاً بالتكليف إنما يضع شرطاً مانعاً لقيام حكومة جديدة.
"حسن النيّة" غائب عند الرئيس المكلّف
وإذا جرى افتراض "حسن النيّة"، فإن كرامي الذي استقال قبل نحو عشرة أيام من إعادة تكليفه، ويعرف أنه كان سيعاد تكليفه، يُفترض أنه يمتلك من المعطيات ما يجعله قادراً على تحقيق الشرط الذي وضعه كي يصبح لاغياً بالفعل. والحال ليس كذلك للأسباب الآتية:
أولاً ـ أكد كرامي في إعلان قبوله التكليف أنه آتٍ بأكثرية نيابية كانت متوافرة لحكومته السابقة قبل أن يستقيل، وأنه آتٍ من الأكثريّتين السياسية (لقاء عين التينة) والشعبية (مسيرة الثلاثاء)، وبالتالي ليس ثمة مأزق يواجه تأليف الحكومة إذا كان منطق الرئيس المكلّف صحيحاً.
ثانياً ـ لم يستطع كرامي أن يعرض على المعارضة أي "جاذب" لاستقطابها الى الحكومة، فلا هو وافقَ على لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومطلب لجنة التحقيق الدولية هو في الأصل مطلب عائلة الرئيس الشهيد وقد دعمته المعارضة، وتلقّى دعماً إضافياً من مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني أول من أمس، ولا هو وافق على زحزحة الرؤوس الأمنية من مكانها كي يُساعد على جلاء الحقيقة من ناحية وكي يحدّ من السطوة الاستخباراتية على السلطة من ناحية ثانية.
ثالثاً ـ ان كرامي الذي يزعم النطق باسم أكثرية حاسمة والذي لا يستطيع أن يقدّم عرضاً للمعارضة قبل تشكيل الحكومة، مكتفياً بدعوتها الى الحوار داخل الحكومة بعد تشكيلها، إنما يضع شروطاً على المعارضة هي شروط القبول بأنه يمثّل الأكثرية والقبول بالخضوع كأقلية للأكثرية والقبول باستئناف الحياة السياسية من حيث توقّفت في 14 شباط الماضي أي على قاعدة سطوة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
رابعاً ـ والعجيب أن كرامي يحمّل المعارضة بعد ذلك مسؤولية ما يسمّيه "الخراب" إن هي رفضت الانضمام الى "حكومة اتحاد وطني" برئاسته، وعلى الشروط التي يضعها جوهرياً.
الاعتراف بضرورة "الغطاء"
من المعارضة وتهديدها بالفوضى!
إذاً ليس ثمة حسن نيّة في ما يطرحه الرئيس المكلّف. والمفارقة في ما يقوله ويُعلنه هي أنه إذا كان مقتنعاً الى هذا الحد بأن انضمام المعارضة الى الحكومة هو شرط أو ضرورة لقيامها، فيجب أن يكون مقتنعاً بتقديم "تنازلات" إليها، وإذا كان مقتنعاً بأن لا حكومة لا تُوافق المعارضة عليها فمعنى ذلك أنه لا يستطيع الاستقواء عليها باسم "أكثرية نيابية ـ سياسية ـ شعبية".
وليس على كرامي إذا كان يريد حكومة تحظى برضى المعارضة سوى أن يوافق على مطالبها الثلاثة الرئيسية لتكون هذه المطالب عنوان البرنامج الذي ستنفّذه الحكومة أي لجنة التحقيق الدولية وإقالة مسؤولي الأجهزة الأمنية تفكيكاً للنظام الاستخباراتي المستولي على السلطة الفعلية في البلاد، وتحقيق الانسحاب السوري العسكري والأمني الكامل قبل الانتخابات النيابية. فإن هو وافق على هذه المطالب، ليس بالضرورة أن تشترك المعارضة بممثلين مباشرين عنها في الحكومة، بل تعطي عندئذ "إشارة انطلاق" الحكومة الجديدة. أمّا في حال العكس فما على كرامي إلاّ أن يشكّل حكومته على أساس "الأكثرية النيابية ـ السياسية ـ الشعبية" التي يقول أنه يمتلكها وينطق باسمها.
بيت القصيد: محاولة تأجيل الانتخابات
إذاً، ان خطورة كلام كرامي متعددة الأوجه. وأخطر وجوه هذا الكلام أنه إذ يضع شروطاً عملية على المعارضة ويضع شرطاً مانعاً لقيام حكومة جديدة في ظل عدم قدرته على الاقتراب من مطالب المعارضة، هو أنه يحمّل المعارضة مسؤولية ما لا تتحمّله في وقت ليس ثمة مأزق دستوري يقف في وجه قيامه بتشكيل الحكومة.
غير أن ما وراء هذا الكلام الخطير، لا يتأخر كرامي عن كشفه، إذ يهدّد بتأجيل الانتخابات النيابية إن لم تقم "حكومة الاتحاد الوطني". ولعلّ هنا بيت القصيد. كيف؟
صحيح أن المعارضة تريد انتخابات مسبوقة بالخطوات التي دعت إليها والمشار إليها آنفاً بما في ذلك حصول الانسحاب السوري العسكري ـ الاستخباراتي قبل الانتخابات مما يُفهم منه أن لا انتخابات قبل ذلك، لكن كرامي برفضه التجاوب مع مطالب المعارضة كي تشكّل هذه المطالب برنامجاً للتنفيذ الفوري، إنما يصرّ على بقاء الوضع على ما هو عليه كي تجري الانتخابات في ظلّه ويعاد على أساسه ترتيب "بيت قوى الخط"، ويقول أن الانتخابات يجب أن تسبق الانسحاب السوري. وعملياً، يرفض كرامي التجاوب مع مطالب المعارضة بأحد هدفين: إما لتحصل الانتخابات على الشروط القائمة حالياً، وإما تأجيل الانتخابات.
بكلام آخر، بدلاً من أن يوافق كرامي على "تعجيل" الخطوات الضامنة لحكومة قادرة على الحكم من ناحية والضآمنة لمناخ انتخابي سليم من ناحية ثانية، يهدّد بـ"تأجيل" الانتخابات، الأمر الذي يتناقض مع الادعاء بوجود الأكثرية السياسية والشعبية في مكان معيّن.
"حكومة الاتحاد الوطني" في ضوء الانتخابات
وهكذا يسعى الرئيس المكلّف الى تحميل المعارضة مسؤولية عدم قيام "حكومة اتحاد وطني" لا تتوافر شروط قيامها، ومسؤولية تأجيل الانتخابات أيضاً. وإذا كانت "اللعبة" التي يحوكها كرامي مكشوفة أمام الجميع، وأمام المعارضة، فإنها مع ذلك خطيرة وسيتحمّل هو نفسه مسؤوليتها. والمسؤولية هنا هي عن عدم تأمين الانتقال بيُسر من مرحلة الى أخرى لن تبدأ فعلياً إلاّ بعد الانتخابات. ذلك أن الرئيس المستقيل ـ المكلّف يدرك ومعه مركز القرار السوري، أن الانتخابات ستشكّل المدخل الى إعادة تشكيل سلطة ما بعد الانسحاب السوري، وأن "حكومة الاتحاد الوطني" لن تتشكّل بوصفها كذلك إلاّ بعد انتخابات حرة ونزيهة تظهّر توازن القوى السياسي الجديد.
وإذا كان من الواضح أن كرامي ومَن قرّر عودته والفريق الداعم له هم أصحاب المصلحة في تأجيل الانتخابات في مقابل وضوح حقيقة أن لا مصلحة للمعارضة بتأجيلها، وإذا كان ما يؤسف له هو أن سوريا و"سلطتها" في لبنان تأنسان أكثر للتعامل مع الضغوط الدولية المرشّحة لمزيد من التصعيد في الأيام المقبلة بدلاً من التنازل للبنانيين، فإن الاعتصام الذي دعا إليه "تيار المستقبل" وأعلنت المعارضة دعمه بعد ظهر غد، ربما يكون بعده كلام آخر.
التخابث
لا يزال كلام كرامي ينتمي الى المماطلة والتخابث. والغريب هو اعتباره أن عناوين مثل لجنة التحقيق الدولية وتفكيك الجهاز المخابراتي وتحقيق الانسحاب السوري قبل الانتخابات، لا تزال مصنّفة عناوين يجري حوار بشأنها داخل مجلس الوزراء ليحسم الموقف بشأنها بمنطق الأكثرية ـ التي ليست أكثرية ـ والأقلية ـ التي لم تعد أقلية ـ بينما هي عناوين للتنفيذ. فكرامي الذي قال في بيان استقالته في الجلسة النيابية في 28 شباط الماضي أن موقف شقيقة الرئيس الحريري، النائب بهية الحريري شكّل عاملاً رئيسياً من عوامل استقالته يرفض مطلب لجنة التحقيق الدولية الذي دعمته مرجعيات روحية وسياسية لا علاقة لها بالمعارضة، وكرامي الذي يرفض التوافق المسبق حول مصير قادة الأجهزة الأمنية يبدو في مواجهة مطلب ديموقراطي صرف ليس للمعارضة فقط بل هو مطلب لبناني عام لتحرير الحياة السياسية والدستورية من سطوة الأمن والاستخبارات، ويرفض أن يتحقق الانسحاب السوري الذي بدأ فيما كان كرامي يطالب بعدم حصوله وسيستمر من دون أن تراجعه دمشق فيه.
أراد كرامي أو لم يُرِد، هو من يتحمّل المسؤولية ولن ينفعه إلقاؤها في وجه المعارضة.