في زهوة ما يحاول البعض في العواصم الغربية تصويره على أنه انتصار (للحرية) و(الديمقراطية) في الشرق الأوسط الذي يقع المزيد من أقطاره تحت ظل احتلال عسكري غربي جديد، و تُسفَك دماء الآلاف من أبنائه دون أن تصل ألوان دمائهم إلى الصفحات الأولى من الإعلام الغربي تتهيج رغبات الحقد العنصري الدفين لدى السيناتور الجمهوري (سام جونسون) ضدّ العرب ليعبّر عنها بشكل علني يراوغ أقرانه في الكونغرس لاخفائها في تصريحاتهم المبطـّنة بعبارات (الحرية) و(الديمقراطية).
أثناء تجاذب الحديث بين الرئيس بوش والسيناتور جونسون خلال دعوة إفطار كان الرئيس بوش قد وجّهها إلى عدد من أقطاب الحزب الجمهوري عبّر جونسون عن رغباته الحاقدة: إنني أود أن أنطلق بطائرة إف 15 مزوّدة بقنبلتين نوويتين ثمّ أسقط إحداهما على سوريا فلا نحتاج إلى القلق في شأنها بعد ذلك !! وقد مثـّل هذا الحديث العفوي قرارة ما يفكـّر به جونسون والعديد من مخططي السياسة الأميركية حول الأهداف الحقيقية لهذه السياسة التي يتبعونها اليوم في الشرق الأوسط والتي تتحدّث عن الوطن العربي إما كمنطقة خالية من سكانها أو كمنطقة يرغبون لدوافع عنصرية تتعلق بالإيديولوجية الغربية السائدة أن تكون خالية من السكان كي يضعوا أيديهم على البلدان والموارد والحضارة والنفط والمياه والثقافة العربية ثمّ يتغنون بإنجاز (الحرية) و (الديمقراطية) تماماً كما قامت الولايات المتحدة على أنقاض حضارة سكان أميركا الأصليين.
حقيقة أن هذا التعليق قد صدر خلال تجاذب حديث عادي يجعله أشدّ خطورة لأنـّه يعبـّر عن فكرة متعايشة ومتجذرة في أعماق النخبة الحاكمة في أروقة السلطة الأميركية ممن يؤمنون (بالحل النهائي) لموقفهم من العرب. أوليس هذا هو المنطق الذي اتبعه هتلر وغيره من طغاة الإبادة العرقية، الذين عجزوا عن التعايش مع الآخر؟ ويأتي هذا التهديد النووي لسوريا ضمن التصعيد العدائي الذي تشنـّه إسرائيل والموالين لها في أروقة السلطة في واشنطن. و لم تكن هذه هي المقارنة الأولى بين ما ارتكبته الولايات المتحدة في الماضي وما يحلم الموالون لإسرائيل بارتكابه اليوم بحق العرب. ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر(أيلول) والجهود المخططة مسبقاً لإثارة الحنق ضدّ المسلمين في الغرب ظهرت بعض الأصوات والكتب التي تطالب بوضع المسلمين في مخيمات اعتقال شبيهة بتلك التي احتُجِـزَ بها اليابانيون في أعقاب الحرب العالمية الثانية. و من هنا أيضاً يمكن فهم السكوت المطبق والمريب عن حملات الإبادة الجماعية التي ينفــّذها شارون بحق الشعب الفلسطيني أطفالاً و نساءً ورجالاً فيما تغتصب آلته العسكرية وايديولوجية الاستيطان العرقية أرضهم ومياههم ومقدّساتهم وتاريخهم ومن أن الدعاية الضخمة المموّلة بسخاء من المخابرات الأميركية التي تتكلم عن (الحرية) و (الديمقراطية) وفق مخططاتها، فتوجّهها نحو سوريا ولبنان متى تشاء و تسخـِّر لذلك آلة حملة إعلامية مريبة بينما تقوم بتغطية المجازر والاغتيالات وهدم المنازل والتقسيم على أسس عرقية ودينية وطائفية في فلسطين حيث الاحتلال الإسرائيلي وحيث يتم تجاهل قضية (الحرية) و(الديمقراطية) تماماً. والغريب في الأمر أن العالم كلـّه تجاهل هذا التصريح النووي الخطير بينما ركـّـز اهتمامه على ربيع العراق الذي تطلع شمسه كل يوم على جثث عشرات العراقيين الذين أتى الاحتلال الأميركي (لتحريرهم) ومنحهم (ديمقراطية) تَنعُم بالاحتلال العسكري الأجنبي.
وبعد أيام فقط على إعلان سام جونسون عن رغبته النووية العنصرية تتقدم عضو مجلس النواب الأميركي إليانا روس ليتنن رئيسة اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط في المجلس بنص كامل أسمته مشروع (قانون تحرير لبنان وسوريا). والقارئ لنصّ هذا المشروع بدقـّة يرى أن إليانا روس تريد إلقاء قنبلة ذرية من نوع آخر على الشعبين اللبناني والسوري لتحرمهما من كلّ مقومات العيش الحرّ والكريم لا لذنبٍ ارتكبه هذان الشعبان بل لأن إليانا روس لتنن وزملاءها من الموالين لإسرائيل في الكونغرس يريدون ثني إرادة هذين الشعبين كي يخضعا لكلّ المخططات الإستيطانية التي تحيكها إسرائيل في المنطقة التي أصبح الموالون لإسرائيل في واشنطن يسارعون لوضع الختم الرسمي للولايات المتحدة عليها كي تخرج بمظهر دولي بعد ممارسة الضغوط المعهودة على (حلفائها) والأنظمة الموالية لها في المنطقة. وبينما يهدد أعضاء الكونغرس سوريا بالقنبلة الذرية بعد تغليفها بالطبع بعبارات (الحرية) و (الديمقراطية) تظهر وقائع الأحداث في فلسطين والعراق ولبنان أن ّالهدف الأساسي هو تمزيق العرب إلى كتل متصارعة يتنازعون على خطوط في الرمال أو على أقاليم شمالية وجنوبية ووسطى بعد أن يتم حرمانهم من السيادة وتـُفرَض عليهم أنظمة موالية ضعيفة تذعن للاحتلال الأجنبي وتكرر ما يقوله (الأسياد) في واشنطن ولندن والعواصم الغربية. بينما يبني الأوروبيون والأميركيون تجمعات إقليمية ضخمة تزيدهم قوة وازدهاراً وقدرةً على إبادة شعوبنا متى شاؤوا ذلك أو على الأقل التباهي بقدرتهم على القيام بذلك، وفي كل الأحوال تمكنهم من إلغاء كفاح شعوبنا من أجل الحرية وإعادتها إلى (ديمقراطية) و (حرية) و(سيادة) أنظمة ترضخ للاحتلال العسكري الغربي من جديد كي لا يسود في ديارنا سوى الذل والسجون والمجازر وكي لا تقوم لهذه الأمة قائمة بعد مئات السنين. ويتبعون من أجل تنفيذ هذا المخطط الأسلوب المعهود في الترهيب والترغيب مع تقسيم زمني واضح ومتدرّج فيهددون سوريا بعد ضمان وقوع الشعبين الفلسطيني والعراقي تحت قبضة احتلال دموي مهين ويمتدحون من يشارك في حملة التهديد هذه تحت طائلة المحاسبة بالعقوبات الدولية إن لم يعلنوا تخليهم عن الشقيق السوري هذه المرّة وإعلان ولائهم للسيد الأميركي أملاً بشفاعة تأجيل قدرهم المحتوم وما هو إلا تأجيل بسيط لأن القارئ السياسي لما تــُعلِن عنه واشنطن يُدرك أنها بصدد إحداث تغيير شامل ونهائي في الشرق الأوسط يستهدف كل الأنظمة العربية دون استثناء ولكن واشنطن وحلفاءها تستدرجهم نظاماً بعد آخر بتهمة مـُختـَلـَقَة أو ذرائع تنكشف بعد فوات الأوان أنّ لا أساس لها من الصحّة دون أن تستوقف البعض الدوافع والمخططات الحقيقية وراء هذا الاستهداف الكاسح والشامل للعرب في كافة أقطارهم.
إن من يقرأ مبررات الكونغرس لتقديم (مشروع تحرير سوريا ولبنان) يكتشف فوراً أن لا أساس من الصحّة لأية جملة وردت في بند تبرير مشروع القانون. فسوريا حاربت الإرهاب منذ الثمانينيات وتعاونت مع جميع الدول بما في ذلك الولايات المتحدة لإحباط أعمال إرهابية كانت ستزهق أرواحاً أميركية. وسوريا فتحت الباب لعملية سلام بنـّاءة وشاركت بها حتى تمّ إفشالها على يد اليمين الإسرائيلي. وكشفت الوقائع أن نتنياهو ثمّ باراك هما اللذان تراجعا عن تحقيق السلام قبل أن يقضي عليها نهائياً شارون. وسوريا اليوم تدعو إلى السلام الشامل والعادل في الشرق الأوسط ولا يوجد في أي من سياساتها ما يشكـّل تهديداً لأحد بل عوناً وشريكاً في ايجاد السلام الحقيقي القائم على العدل والشرعية الدولية والكرامة المتساوية للبشر. وسوريا هي التي وقفت ضدّ الحلول المجتزأة وقالت أن هذه الحلول لن يكتب لها البقاء لأنها لا تلبيّ طموحات الشعوب وهاهو التاريخ يثبت صحّة كلّ مقولاتها في المنطقة. فسوريا التي أهدت العالم أبجديته والتي انطلقت منها الأديان السماوية إلى العالم وضربت أنموذجاً للتعايش بين الأديان والأعراق لأنها مهد الحضارات الإنسانية تقول اليوم لأمثال سام جونسون وإليانا روس ليتنن إن النشوة النووية التي تدعوهما للتهديد باستخدام قوة السلاح والاحتلال ضدّها تعيد إلى الذاكرة تاريخاً يمتد قرناً من العدوان الغربي المتواصل ضدّها، فباسم الحضارة قصف الفرنسيون دمشق وأحرقوا البرلمان السوري وقضوا على أول دولة عربية في العصر الحديث ولكن في النهاية انتصرت سوريا مهما تراءى للآخرين ضعفها ضمن موازين القوى.
وعلى الأنظمة العربية أن تدرك أنّ الأسلوب الوحيد للخلاص المؤكد هو مقاومة العدوان الغربي المتواصل ضدّ العرب والتمسّك بالحقوق والسيادة العربية والشرعية الدولية والأسس السليمة لسلام عادل وشامل وتضامن عربي يؤسس لمستقبل حقيقي للحرية والديمقراطية للعرب جميعاً?

·