ثمة أبعاد كثيرة للمسيرة المليونيّة التي جرت أمس في ذكرى مرور شهر على جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فهي في آن ردّ على مسيرة الثلاثاء الماضي وعلى ما سعى بعضهم اليه استنطاقاً سياسياً لهذه المسيرة، وهي تدل على مناخ سياسيّ آخذ في التحوّل، بعد الانتقال الفعلي إلى ما بعد الحقبة السورية، وهي تمثل القاعدة الجماهيريّة للمعارضة ومشروعها السياسي.. ويمكن ان تشكل مشهدا متكاملاً مع مشهد الاسبوع الماضي بمعنى من المعاني ومن ضمن ظروف محددة.
ردّ على تظاهرة رياض الصلح... لماذا؟
هي أولاً ردّ على التظاهرة التي دعا اليها الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله باسم "الاحزاب القوى اللبنانية" للأسباب والاعتبارات الآتية:
1 ـ اعتبر منظمو مسيرة الأسبوع الفائت انّها تعكس وجود الأكثريّة الشعبية في مكان محدد، الى جانب "الموالاة" وسوريّا، ومن هذا المنطلق راحوا يضعون شروطا تحت عنوان عدم وضع شروط، وسعوا الى التصرف من موقع تمثيلهم لأكثريّة مفترضة.
2 ـ أراد المسؤولون عن مسيرة الأسبوع الفائت ان يختتم المشهد بـ "صورة" تتحدث عن عملاق شعبي في مقابل معارضة لا تملك من القوة الا صوتها. وأبلغ مثال على ذلك ما قاله مسؤول في الحزب الأكبر الذي قامت التظاهرة السابقة على اكتافه من انّ هذه التظاهرة هي الأضخم ولن تقوم اخرى بحجمها الا اذا نظم الحزب نفسه واحدة مشابهة في المستقبل.
3 ـ وكانت رغبة منظمي مسيرة الاسبوع الماضي واضحة في ما سموه اخراج موضوع جريمة اغتيال الرئيس الحريري من "التداول والتوظيف" السياسيين من دون وجود أساس حقيقي لهذا الأمر، واخراج العناوين التي تنادي بها المعارضة من دائرة التأييد الشعبي المتنامي، في محاولة لقطع دينامية التغيير عند نقطة محددة.
4 ـ وشكلت المسيرة نفسها رافعة لاعادة تعويم السلطة، فجرى الاستقواء بها لاعادة تكليف عمر كرامي بتشكيل حكومة ما بعد 14 شباط، وكرامي نفسه استقوى بها للحديث عن حكومة اتحاد وطني على قاعدة انه يمثل الاكثرية والمعارضة تمثل الاقلية. وأخذ اميل لحود نفَساً منها مستقوياً على البلد ومدافعاً عن التمديد وعن النظام الامني الذي رعاه ومهدداً بالقمع مجدداً، ظناً منه انه يمكنه ان يستعيد روحاً فقدها، وانه يمكنه ان يعيد التذكير بنفسه فيما عزله اللبنانيون قبل ان يقرروا مصيره... قريباً جداً كعنوان لنهاية مرحلة.
5 ـ لكل الاسباب والاعتبارات السابقة، شكلت مسيرة الاسبوع الماضي استفزازا لفئات كبرى من المجتمع اللبناني، في احد وجوهها الرئيسية، كما شكل احتضانها لاقليات ميكروسكوبية في بيئاتها استفزازاً ايضاً.
اذاً، انّ المسيرة المليونيّة أمس هي ردّ على التظاهرة السابقة لاعادة الامور الى نصابها، اي الى المناخ المتحوّل لصالح المعارضة، وعلى كل حال قد لعبت الاعتبارات المشار اليها آنفاً دوراً كبيراً في "تحريض" اللبنانيين على النزول بمئات الآلاف الى ساحة الشهداء امس.
المؤشر الاكبر الى مرحلة ما بعد الوصاية السورية
واذا كان مما لا شك فيه ان المسيرة المليونية رد شعبي سلمي ديموقراطي على تظاهرة اخرى اريد توظيفها سياسياً ضد المعارضة ولـ"خطف" البلد الى "الوراء" أي إلى ما قبل 14 شباط، فإن مسيرة يوم امس كانت المؤشر الاكبر والاضخم في السياسة على انتقال المزاج الشعبي اللبناني الى مرحلة ما بعد الانسحاب السوري من لبنان، وعلى ان مرحلة جديدة بدأت بالفعل، هي مرحلة ما بعد الوصاية السورية.
والى جانب كونها رداً شعبياً سلمياً ديموقراطياً على المفاعيل السياسية لتظاهرة "ساحة رياض الصلح" ومؤشراً على الانتقال الشعبي الى مرحلة ما بعد الانسحاب السوري، فان المسيرة المليونية تمثل القاعدة الجماهيرية للمعارضة المتعددة التيارات ومشروعها.
المعارضة ومشروعها
ومشروع المعارضة لم يعد بحاجة الى شروح طويلة، وهو يرتكز على الآتي:
أ ـ الانتهاء مما يمت الى مرحلة الوصاية السورية بصلة، اي تنفيذ الانسحاب السوري العسكري والمخابراتي الكامل بسرعة وقبل الانتخابات، وتفكيك الجهاز الامني الذي سطا على الحياة السياسية والدستورية في البلاد بوصفه مدخلاً الى الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد من جهة وممراً لا بد منه نحو انتخابات حرة وديموقراية من جهة ثانية.
ب ـ الذهاب الى الانتخابات وقد تحرر سياقها من الضغوط المخابراتية لانتاج مجلس نيابي يعكس توازن القوى السياسي الحقيقي في البلد.
ج ـ تشكيل حكومة اتحاد وطني بعد الانتخابات وفي ضوء نتائجها، تتولى وضع اتفاق الطائف موضع التنفيذ. والحديث هنا عن ان المعارضة تريد الاستئثار بالسلطة، هو حديث تحريضي ضد المعارضة، لانه يتناقض مع كلامها الصريح عن حكومة اتحاد وطني في ضوء التوازن السياسي الذي لا يفترض عملاً اقصائياً ضد اي طرف ذي واقع تمثيلي شعبي حقيقي. صحيح ان المعارضة تريد تغييراً على مستوى السلطة السياسية لكن هذه السلطة كي تبقى وفاقية بحسب الميثاق الوطني والدستور لا يمكن ان تكون سلطة ممثلة للمعارضة وحدها، في ضوء التركيبة الطائفية ـ المناطقية لهذه المعارضة.. الا اذا حصلت تطورات اضافية سريعة على مستوى البنى الطائفية والسياسية بعد الانسحاب السوري الكامل.
د ـ ان للحوار الذي يمكن ان يقوم قبل الانتخابات، لكن بصورة رئيسية بعدها، وظيفة محددة: فمن جهة لا بد من انتاج الحاضنة اللبنانية لاتفاق الطائف، البديلة من الوصاية السورية، وهذه الحاضنة لا يمكن ان تتشكل الا من الاكثريات السياسية في طوائفها، ومن جهة ثانية لا بد من الاتفاق على تنفيذ الطائف، وهو مشروع المعارضة لان الطائف هو البرنامج المتضمن لكل شيء من العلاقات الداخلية والصلاحيات الدستورية، الى المسألة الوطنية وموضوع المقاومة، وصولاً الى العلاقة اللبنانية ـ السورية.. ولان الطائف يمثل البرنامج الذي جرى اجهاض تنفيذه في الحقبة السورية، وهو الاتفاق الذي يكرّس لبنان بلداً ذا نظام ديموقراطي لا يستوي مع الدولة المخابراتية.
ان مشروع المعارضة اذاً، هو تأكيد الطابع المتغير لتوازن القوى السياسي لترجمته على مستوى تركيبة السلطة وتوازناتها لوضع اتفاق الطائف موضع التنفيذ بـ"شراكة" اطراف من خارج المعارضة او هي خارجة المعارضة الآن، عبر تحكيم المقياس الديموقراطي.
ولعل السؤال في ضوء ما تقدم هو عن مشروع الآخرين وليس مشروع المعارضة، علماً ان ثمة نقاطاً لا بد ان يناقشها الحوار، وتتصل بأمور عديدة من بينها دور لبنان في المنطقة والعالم وموقعه في "النظام العربي" والتزاماته في الصراع مع اسرائيل وغيرها، كما ثمة نقاط تتعلق ببناء الدولة في المرحلة التالية... ودائماً انطلاقاً من نصوص الطائف و"روحه".
التكامل؟
وعلى هذا الاساس، اي على اساس ان المسيرة المليونية تصويب لـ"مكان" المزاج الشعبي، ومؤشر على الانتقال الى مرحلة ما بعد الانسحاب السوري، وانها القاعدة الجماهيرية للمعارضة ومشروعها بما في ذلك تغيير توازن السلطة... يمكن لهذه المسيرة ان تتكامل مع قوى رئيسية في تظاهرة الاسبوع الماضي. بكلام آخر، ان تعامل القوى الرئيسية في تظاهرة رياض الصلح بـ"موضوعية" مع التطورات وادراكها ان التغيير دينامية لا بد ان تصل الى اهدافها، وان السلطة ـ الظل للوصاية السورية لم يعد ممكناً ومقبولاً ان تستمر، ان تعاملاً من هذا القبيل يفتح الباب ليس امام الحوار فقط، بل امام شراكة حقيقية في قيادة البلد.. وعندئذ لا يعود للحديث عن الاكثرية والأقلية جدوى في حد ذاته