عصام الشيخ: مشروع الجزيرة الزراعي يمثل الحلم القومي للسودان.. الكل يتحدث عنه بعشق غير عادي واحترام شديد.. فهو يمثل لهم أول استفادة حقيقية لمياه حوض النيل ومواسم الفيضان.. بدايته كانت مع إنشاء خزان ستار عام ..1925 التاريخ يشير إلي الصعايدة المصريين الذين ساهموا في إنشائه وفي حفر ترعتي المناقل والجزيرة. هكذا تحكي "الجدة" لأحفادها قائلة كان الصعايدة يحفرون بالفأس ويحملون المقاطف لحفر الترعتين ولما لا. فعندما تذهب إلي مواقع المشروع المختلفة تشاهد بوابات حجز المياه والاخمام بنفس الطابع والتصميم الهندسي الموجود في قناطر محمد علي وخزان اسوان وقناطر اللاهون "الفيوم" أيضاً نلاحظ نفس التصميمات علي طول مجري الترعتين مشابها إلي حد كبير إن لم يكن مماثلاً لقناطر الحجز بالوادي والدلتا.
"الجمهورية" استطاعت بتسهيلات قدمتها بعثة الري المصرية بالسودان ان تتجول داخل أراضي المشروع الذي يمثل جزءاً من تاريخ السودان الحديث بعد الاستقلال لتصبح أول جريدة عربية غير سودانية ترصد هذا الحلم القومي. السودانيون استطاعوا ان يرتفعوا بحجم المساحات المروية "المنزرعة" من 800 ألف فدان إلي 2.1 مليون فدان بتنفيذ العديد من المشروعات التي أقامتها الحكومة علي مدار السنوات لزيادة الرقعة الزراعية لتصبح كما تشير المراجع سلة غذاء الوطن العربي وهي حقيقة ولكنها تحتاج إلي قليل من الجهد وكثير من الاخلاص.. وكما تشير الأرقام فهناك مشروعات الرهد مساحتها 300 ألف فدان بولايتي الرهد والجزيرة عام 1979 حلفا الجديدة بولاية كسلا عام 64 لزراعة 450 ألف فدان السوكي بولاية سنار عام 71 لزراعة 90 ألف فدان. سكر الجنيد بولاية الجزيرة عام 61 لزراعة 38 ألف فدان. سكر شمال غرب ستار "بولايتي الجزيرة وستار" عام 74 لزراعة 50 ألف فدان.. سكر كفاته بولاية النيل الأبيض عام 76 لزراعة 90 ألف فدان.. وأخيراً سكر عسلاية النيل الأبيض عام 77 لزراعة 35 ألف فدان.. لتصبح اجمالي المساحات المنزرعة بالسودان علي طول مجري النيلين الأبيض والأزرق وفروعهما حوالي 4.2 مليون فدان لتصبح السودان بهذا تمتلك أكبر مساحة مروية من بين الدول الافريقية جنوب الصحراء.
الأرقام السابقة تعكس أهمية الرصد والمتابعة داخل المشروع الذي يستغرق رحلة الوصول إليه حوالي ثلاث ساعات من العاصمة الخرطوم حيث يقع داخل ولاية الجزيرة وهي في نفس الوقت معقل أنصار الحركة المهدية وهذه المدة الزمنية تضعك عند أول نقطة داخل المشروع وهي قنطرة حجز الكيلو 57 التي تحجز مياه ترعة الجزيرة الرئيسية قبل توزيعها داخل الأراضي من خلال الاخمام وقناطر الحجز والترع الفرعية التي تقوم بتوزيع مياه الري المناسبة لنوعية المحاصيل علي مدار السنة الزراعية التي تبدأ من يولية كل عام وتنتهي في يونية من العام التالي وهي عكس السنة الزراعية بمصر التي لا تتوقف علي مدار العام.
13 قسما
المهندس أحمد حماد مدير عمليات ري شمال الجزيرة هو أول مسئول سوداني تقابلنا معه.. يقول ان المشروع ينقسم إلي 13 قسما فرعيا ويضم عددا من المصارف الزراعية والترع الفرعية وتحصل علي المياه من النيل الأزرق أمام خزان ستار والذي يصل المنصرف منه حوالي 16 مليون متر مكعب يوميا لترعة الجزيرة و14 مليونا لترعة المناقل وتتم الزراعة وفقا لظروف كل منطقة من مناطق المشروع وبالتنسيق مع مديرية الزراعة حيث تتم زراعة القطن طويل التيلة شمال الجزيرة وقصير التيلة جنوب ووسط الجزيرة بالاضافة الي بقية المحاصيل مثل الذرة والبقوليات والخضراوات والفاكهة والقمح الذي يعتمد علي جودة الطقس
50% مساحات منزرعة فقط
يضيف ان المساحات المنزرعة في الشتاء تصل الي 800 الف فدان ترتفع في الصيف الي 2 مليون و100 الف فدان وفقا للتصميم مع ملاحظة ان موسم الزراعات الصيفية والشتوية يختلف عن مصر ومن هنا تظهر اهمية التكامل والتعاون لتوفير الاحتياجات الغذائية للبلدين وبصفة عامة فان هناك مشكلة تحد من المساحات المنزرعة التي لاتزيد علي 50% سنويا وذلك بسبب القدرة الاستيعابية لشبكات الري القائمة والمصممة منذ بداية المشروع والتي لم يتم تطويرها حتي الآن.
يشير المهندس حماد إلي أن مشكلة الاطماء هي عقبة امام امكانية التوسع واستكمال المساحات التي يمكن زراعتها خاصة وان الاراضي خصبة بشكل يفوق توقعات الخبراء ناهيك عن وجود ثلاثة مصارف زراعية رئيسية فقط لخدمة المساحات المنزرعة التي تروي بالراحة وهذه المصارف تعيد المياه الي النيل في حالة الامطار اما المصارف الفرعية فهي تفرغ مياهها علي النيل ونحن نحاول الاستفادة من موسم الامطار في الري التكميلي وان كان سقوطها اثناء موسم الزراعة لايسمح لنا بالتخزين ويتم الصرف علي النيل مباشرة.
الري المصري يسجل
وحول متوسط استهلاك الفدان من المياه يوضح المهندس امين جهاد ان المتوسط يصل الي 420 مليون متر مكعب في الزرعة الواحدة. وان كانت هذه الكميات تتناقص في بعض الفدان. ومايتم صرفه واستخدامه يقوم الري المصري بتسجيله تنفيذا لاتفاقية مياه النيل عام .59
يضيف ان اراضي الجزيرة كلها مؤجرة من قبل الحكومة للمزارعين .. وتورث لابنائهم .. وحاولنا تنفيذ نظام روابط مستخدمي المياه في اطار الاتجاه إلي الخصخصة أو مشاركة المزارعين مع الدولة في تحمل جزء من تكاليف الصيانة وتطهير الترع والمصارف منذ بداية التسعينات حيث كان يتم تحصيل حوالي 10 آلاف جنيه سوداني للفدان الا ان هذه التجربة فشلت تماما ولم تستمر اكثر من 3 سنوات لان هذه الرسوم كانت تسدد للولاية التي تتبعها الاراضي وهي غير مسئولة وفقا لطبيعة النظام السياسي عن القيام باعمال الصيانة والتشغيل حيث تقع هذه الاعمال علي عاتق الحكومة المركزية بالخرطوم وهي المسئولة عن توفير الاستثمارات لهذه الاعمال بما فيها الإحلال والتجديد للمنشآت التي انتهي عمرها الافتراضي.
فترة التخزين
اما المهندس حسن عمر بله المسئول عن قسم البساسيتنا "احد اقسام ترعة الجزيرة" فيشير الي ان شهري سبتمبر واكتوبر يمثلان فترة اقصي الاحتياجات للزراعة المروية والتي يتم توفيرها من خزان ستار ولكن تبقي مشكلة الاطهاء التي تحول دون انطلاق المشروع وظهور آثاره الايجابية علي المواطن السوداني والدول العربية حيث لايتوقف الاطماء علي المجري الرئيسي للترعة فقط ولكنه ايضا يؤثر علي الترعة الفرعية اذ تهدر كميات كبيرة من المياه نتيجة نقص عرض قطاع هذه الترع نتيجة الطمي ولذا تصبح هناك ضرورة لعمليات التطهير المستمرة والتي تحتاج إلي معدات وامكانيات وهي غير متوفرة نتيجة تعدد المسئوليات بين الحكومة المركزية والولايات.
يضيف المهندس بله ايضا هناك صعوبة في القيام بعمليات غسيل للتربة "الاراضي الزراعية".
وهي ضرورية نتيجة استخدام الأسمدة والمبيدات عكس زراعة الأرز بمصر التي تساعد في عمليات غسيل التربة وعموماً فإننا نبدأ عمليات التخزين لمياه الفيضان من شهر سبتمبر كل عام.
وعن طبيعة عمل مهندس الري يقول المهندس عثمان صادق سليم ان المهندس يتلقي طلبات المياه التي يحتاجها المزارعون بالمشروع من قبل مفتش الزراعة الذي يقوم بدوره بتحديدها مع المزارعين بعد الاتفاق علي نوعية المحاصيل والمساحات المنزرعة.. ثم يقوم مهندس الري بتجميع تلك الطلبات من الترع الفرعية المشرف عليها وارسالها الي مدير عمليات الري الذي يبلغها إلي المستوي الأعلي حيث يبدأ صرف المياه خلف الخزانات خاصة وان ري الأراضي يتم بأسلوب الانحدار الطبيعي من الجنوب إلي الشمال لتصل إلي كل قسم من الأقسام المكونة للمشروع والذي يتكون من حوالي 100ألف فدان. وبداخل ترع رئيسية وأخري علي الزراعة المطرية.. وتختلف الاحتياجات المائية من شهر لآخر طبقاً لنوع المحاصيل وطبيعة المناخ.
رحلة المياه
يشير المهندس عثمان مساعد المدير لعمليات ري جنوب الجزيرة الي أن هناك محطات ري عائمة من الكيلو صفر حتي الكيلو 41.5 وتستغرق رحلة المياه من خزان ستار الي الكيلو 58 حوالي 8ساعات و3ساعات عند الكيلو 77 وهي بداية كل من ترعتي المناقل والجزيرة- أي أن رحلة المياه تستغرق حوالي 11ساعة في حالة التصرف المتوسط- أما في فترة أقصي التصرفات فإن الرحلة تستغرق 21ساعة نتيجة زيادة عرض المسطح المائي. ويتم التحكم في قناطر الجر عن طريق المجاري "يدوياً" حيث لم يدخل حتي الآن نظام التحكم الالكتروني- وبمعني آخر فإن رحلة المياه تستغرق مابين 3. 4أيام في التصرفات العادية أما في التصرفات العالية فإنها تستغرق حوالي يومين لتنتقل المياه إلي كامل أراضي المشروع.
يعود بنا المهندس حسن بله ليوضح لنا الجهود التي تبذلها الدولة لضمان استقرار الانتاجية الزراعية وتنوع المحاصيل ومواجهة مواسم الفيضان وتخزين المياه فيقول هناك 4خزانات رئيسية علي نهر النيل وفروعه تساعد في التحكم والسيطرة علي كميات المياه للاستفادة منها في الزراعة والصناعة وتوليد الكهرباء والنقل النهري حيث يوجد خزان ستار علي النيل الأزرق ويسمح بتخزين 37مليار متر مكعب في خزان جبل الأولياء علي النيل الأبيض وأقامته الحكومة المصرية لتخزين مياه الفيضان لحسابها منذ عام 1937- ولكن بعد انشاء السد العالي أصبح ملكاً للحكومة السودانية ويستخدم في حفظ مناسيب المياه
ولا يستفاد منه في التخزين- ثم خزان خشم القرية "نهر عطبره" وانشيء عام 64 وسعته التخزينية الحالية 0.6 مليار متر مكعب سنويا بينما كانت سعته التصميمية 3.1 مليار والسبب في نقص السعة هو كميات الطمي الواردة مع الفيضانات واخيراً خزان الروصيرص علي النيل الارزق وانشيء عام 66. وتبلغ سعته التخزينية الحالية حوالي 2.2 مليار وتم تعليته لمضاعفة طاقته التخزينية لتصل الي 7 مليارات ولكن تبقي مشكلة الاطماء.
واستكمالاً لحكاية الخزانات يشير المهندس معتصم العوض محمد مدير خزان سنار إلي ان الخزان يتكون من 80 فتحة سفلي و120 باب مفيض ويسمح بمرور المياه خلال موسم الفيضان وبعد انتهاء الموسم نبدأ في تخزين المياه من منتصف سبتمبر عندما يصل الوارد من مدخل النيل الارزق إلي 350 مليون متر مكعب يومياً وذلك وفقا لمقياس الترع - وهو اهم مقياس لأنه يرصد الوارد من الهضبة الاسيوية وتصل التصرفات اليومية خلف الخزان حوالي 10 ملايين متر مكعب خلال موسم الفيضان ترتفع الي 800 مليون في فترة أقصي الاحتياجات خاصة وان هناك نوعين من التصرفات الاول لاغراض الري والشرب والصناعة والاخر للحفاظ علي مناسيب النهر كما يتراوح التصرف المائي خلف الخزان إلي 3 ملايين متر مكعب يومياً في فترة أقل الاحتياجات و5.30 مليون في فترة أقصي الاحتياجات.
وحول مشكلة الأطماء التي تعاني منها الخزانات السودانية يقول المهندس معتصم من الصعب حسم تلك المشكلة لان حركة الاطماء تختلف عن نهر إلي آخر وتحتاج إلي رصد ومتابعة مستمرة وتقنيات فائقة الجودة لان سلوك النهر متغير ومتباين وترويض هذا السلوك يحتاج إلي تكلفة عالية ويكفي ان نعرف حجم المشكلة اذا علمنا أن كمية الطمي بخزان الروصيرص في الفترة من 1966 حتي 2004 بلغت مليار متر مكعب والتي كان يمكن ان تصبح مياها.
وفي النهاية كان لابد من التعرف علي وجهة نظر المهندس كمال علي وزير الري السوداني الذي أكد في تصريحاته للجمهورية انه مع بداية الخصخصة لنظم الري آلت أعمال التشغيل والصيانة لمحطات الطلمبات بالنيلين الازرق والابيض والرئيسي للولايات. وبقي الاشراف الفني للوزارة التي تتولي في نفس الوقت تنفيذ عمليات التشغيل والصيانة للمشروعات القومية مثل الجزيرة والمناقل والرهد وحلف الجديدة والسوكي باجمالي مساحات 3 ملايين فدان.. بالاضافة الي مشروع كنانه الكبري "مساحته مليون فدان" . والمرحلة الثانية لمشروع الرهد نصف مليون فدان" وتنفيذ خزان الحمدأب لتوليد الكهرباء بطاقة قدرها 240 ميجاوات وكذلك تنفيذ امتداد مشاريع سكر غرب ستار وكنانه "70 الف فدان".
تجميع مياه الامطار
يضيف: تقوم الوزارة بتنفيذ 12 مشروعاً صغيراً بالولاية الشهابة وولاية نهر النيل. وتنفيذ مشروعات الامن الغذائي بالولايات في مساحة 50 الف فدان علاوة علي مشروعات صغيرة بوسط السودان "30 الف فدان". واستكمال مشروعات سندس وارز ابو قصبه والبساطة والمره. كما تقوم بتنفيذ السدود بالولايات مثل كردفان ودارفور لتجميع مياه الامطار في الاودية بغرض توفير مياه الشرب من الزراعة..ويشير وزير الري إلي أن الحكومة تدرس حالياً اعادة النظر في قضية الخصخصة وكيفية الاستفادة من مبادرة التعاون بين دول الحوض لحل المشاكل التي تواجه الري بالسودان وايضاً كيفية الحفاظ علي بنية النهر وحل مشكلة الأطماء خاصة وان السودان تستضيف مكتب حماية بيئة حوض النيل التابع للمبادرة والمسئول عن توفير الدراسات الفنية والهندسية الخاصة بدراسة مشاكل حوض النيل وحمايته من التلوث.














التعليقات