ربما رأي المراقب أن أهم المتغيرات السياسية في الأسبوع الماضي في منطقتنا التي تستميت دفاعا عن كل ماهو قديم، ربما رأي أن قرار جماعة حماس بالاشتراك في الانتخابات التشريعية القادمة في فلسطين، هو أهم المتغيرات علي ساحة الصراع العربي الإسرائيلي بما يتضمنه من اتجاه جديد لحماس تتحول فيه من الشرعية الثورية الي الشرعية الدستورية، أي تنتقل من مفردات السلاح الي مفردات السياسة بعد أن اكتشفت من خلال خوضها للمعركة الانتخابية للمجالس الشعبية وفوزها الواضح فيها، أن مفردات السياسة هي القطار الوحيد الذي يمكن ركوبه في هذه المرحلة من التاريخ للوصول الي القوة والتأثير في مجتمعهم وهو بالضبط ما تريده قيادات المجتمعات في طول التاريخ وعرضه. هو تحول إيجابي صحيح جدير بالاعتبار. وهو تحول صعب للغاية عند تنفيذه علي الأرض، غير أنه حتمي وقد اتخذ في وقته المناسب تماما بعد أن فاتت فرصة اتخاذه منذ عشرة أعوام. وهو ما يذكرني بمناقشة علي الفضائية الكويتية في ذلك الوقت بين السيد خالد مشعل المسئول السياسي لحماس وبين أحد نشطاء السلام المصريين قال له فيها: يا سيدي.. أنت تكثر من الكلام الآن عن الشعب الفلسطيني وتتكلم باسمه، بينما هناك قيادة شرعية له علي الأرض مسئولة عنه.. إنزلوا الي الشارع ياسيدي واحصلوا علي أصوات الناس واحكموهم وتكلموا باسمهم.. من الخطر أن تتنازع الشارع قيادتان.. لأن المركب اللي فيها ريسين تغرق..

غير إني أتصور أنه قد حدث تغيير أكثر أهمية في آليات التفكير عند رجل الشارع الفلسطيني، وهو تلك المظاهرة التي قدرت وكالات الأنباء عدد المشاركين فيها بعدة مئات، واصطدموا بجهاز الأمن الفلسطيني عندما حاولوااقتحام المجلس التشريعي الفلسطيني. لم ترفع المظاهرة شعارات حماس أو الجهاد أو فتح أو بقية التنظيمات التي يحار العقل في معرفة عددها أو توجهاتها، بل شعارا جديدا تماما يعبر عن واقع قديم ومؤلم، كانوا يطلبون فرصة عمل. والجملة الوحيدة التي نقلتها كاميرات وكالات الأنباء كانت، احتلال.. استغلال.. فقر. وهي ثلاث كلمات عبرت في بلاغة وصدق عن الواقع الفلسطيني. الواقع الذي حركهم ودفعهم للخروج. معاناة الفلسطينيين هنا عجزت عن التنكر في هيئة شعار سماوي أو أرضي فأفصحت عن نفسها بلا مواربة. هم بوصفهم مواطنين وبشر وليس أعضاء في جماعات، يعانون من الاحتلال والاستغلال والفقر. وهذه المظاهرة هي إعلان واضح وقوي عن رغبتهم الأكيدة في التخلص من كل ذلك. ولا أعتقد أنه يوجد علي الأرض من ينكر عليهم ذلك.

أما الشعار المجسد الذي هزني تماما والذي يتسم بالأصالة والمعاصرة فهو ذلك المتظاهر الشيخ الذي أمسك بحلة فارغة ورفعها عاليا ولأنه لا يعرف لغات أجنبية في مواجهة وكالات الأنباء الغربية، لذلك تكلم بلغة الإشارة المفهومة لكل سكان الأرض فأخذ يحرك أصابعه في الحلة ثم يشير الي فمه، كانت الرسالة واضحة: يا سكان الأرض.. ليس لدينا ما نأكله.

لو طلب مني أن أشرح لطلبة السنة الأولي في أي معهد للعلوم السياسية معني " العمل السياسي" لعرضت عليهم شريط المظاهرة وقلت لهم: السياسة هي العمل بكل جد علي أن تمتلئ هذه الحلة. هذا الرجل العجوز الذي شاهدتموه ومعه الحلة الفارغة،

هو مجال تفكيركم ، فكروا في شئ واحد، أن يعود هذا الرجل الي البيت بعد ساعات من العمل الشاق، فيجد هذه الحلة علي البوتاجاز، يتصاعد منها البخار وقد امتلأت بالخضراوات واللحم ، والي جوارها حلة أخري بها الأرز بينما انشغل أحد أفراد البيت بإعداد طبق السلاطة، نسيت أن أقول لكم أن الرجل قبل عودته، اشتري بعض الفاكهة من محل قريب. هذا هو بالضبط المشهد الذي لا يجب أن يفارق خيالكم وأنتم تتفاوضون مع كونداليزا رايس وشارون وبقية الجماعات السياسية في بلادكم وبلاد الآخرين ومع الجن الازرق أيضا. هذا هو المشهد الذي يجب أن تعملوا من أجله. وبعد أن تمتلئ بطون أعضاء هذه الأسرة بطعام العشاء، سيكون من السهل عليكم أن تفكروا في تعليمهم ورفع مستوي معيشتهم الي الدرجة التي يصلون فيها الي التفكير في قضاء الويك إند في ضاحية قريبة. أن تخلقوا في كل لحظة فرصة عمل جديدة للناس ، هذه هي مهمتكم الأولي وليست الأخيرة بالطبع.

كل قرار سياسي لا يؤدي في النهاية الي حلة ممتلئة علي البوتاجاز هو قرار لا يعبر عن متطلبات البشر، وإذا كانت هناك قطعة من الأرض تعرضت لكل شعارات التاريخ وتجاربه فلا شك أنها أرض فلسطين، ولكن تذكروا أنه بعد انتهاء كل الشعارات ظهر هذا الشعار الصادق.. الحلة الفارغة والرجل يمسح جدرانها بكفه ثم يضعها علي فمه.

قولوا لي، من علي الأرض من بين المؤمنين والكفار إذا كان لهم وجود، من لايشعر بالتعاطف مع مشهد العجوز والحلة؟ مع الاعتذار لرواية همنجواي.. العجوز والبحر.

الزعيم الثوري ينشغل عادة بإطعام الناس شعارات ساخنة حريفة، يستمدها من مطابخه علي الأرض أو في السماء، وقد تصلح هذه المواد الغذائية لفترة من الوقت، غير أنها تؤدي عادة الي حالة من التعاسة والضياع تدفع الناس الي العنف، أما الزعيم السياسي فصورة الحلة الفارغة تطارده وتدفعه للعمل الشاق. وهو أيضا يعلم أن الطريق الذي ينتهي بحلة ممتلئة لابد أن يمر عبر مؤسسات عدة، جهاز أمني يعمل عند الدولة ويأتمر بأمرها، مؤسسة عدلية لا تعرف التربح أو الخوف، فصل صارم بين السلطات، حرية سياسية واقتصادية، علاقات قوية وطيبة بالجيران، علاقات قوية ومنفتحة ببلاد العالم كلها، ثم الشجاعة اللازمة لمراجعة قيم المجتمع السائدة والتخلص من الضار منها.

لست أري مبررا في هذه المنطقة الغنية لأن يجوع شخص ما لأي سبب من الأسباب، هذا أمر يجب أن يشعرنا جميعا بالإهانة.