فجأة تحرّك جبل الجليد.
حتى أسبوع خلا، كانت السلطة ترفع لافتات التحدي كيفما نطقت. استجمعت كل قواها ونزلت الى ساحة رياض الصلح رافعة على عاتق "حزب الله" و"حركة أمل" الى مقدمة المفجوعين على استشهاد الرئيس رفيق الحريري كل من تولى، عشية اغتياله مهمة تلاوة "قرار الاتهام" بحقه، بدءاً بوئام وهّاب وصولاً الى طلال ارسلان، استعملت هذا الحشد الذي تخيلت ان تجميع نصفه عصي على المعارضة اللبنانية وحقنت به عضل الرئيس عمر كرامي ليستقوي بـ"نواب الريموت كونترول". كما وصفهم يوماً النائب الموالي انطوان حداد.
رفضت كل بحث في إمكان اللجوء الى لجنة تحقيق دولية. قالت انها "لن تقتل نفسها من أجل المعارضة" إذا رفضت الانضمام الى حكومة اتفاق وطني. اعتبرت رؤساء الأجهزة الأمنية ومعهم النائب العام التمييزي عدنان عضوم فوق كل سؤال، حضّرت نفسها للانقضاض على اعتصام ساحة الشهداء. رهبت العائلات "برذيل" يُلقي قنبلة على أولادهم إن شاركوا في مسيرة "الولاء للبنان والوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري".
فجأة تغيّر كل شيء. تحرّك جبل الجليد، لم يتهاوَ بعد.
عمر كرامي لن يُشكل إلا حكومة تضم المعارضة، وهو ينتظر إنضاج الظروف المؤاتية. "لقاء عين التينة" يجمد التظاهر في المناطق بعدما ألغى كرامي تظاهرة طرابلس التي سبق له وأرجأها أسبوعاً فيما كان نجيب ميقاتي يقاطع الاستشارات النيابية ويستلهم صمت الرئيس رفيق الحريري في ضريحه. المسارعة الى اقتراح لجنة تحقيق دولية ـ لبنانية مشتركة. تأكيدات ان رؤساء الأجهزة "أصبحوا قيد البحث". دخول السيد حسن نصرالله على الخط للمطالبة بمحاكمة رؤساء الأجهزة أمام الأجهزة المختصة في القضاء اللبناني وتشكيل لجنة تحقيق عربية تستعين بخبرات دولية لكشف حقيقة اغتيال الرئيس الحريري. ظهور المدير العام للأمن العام جميل السيد باسم جميع رؤساء الأجهزة لإعلان تقديم إدعاء على أنفسهم أمام النيابة العامة التمييزية المطلوب تغيير رئيسها بالأصالة.
انه فيتزجيرالد...
ماذا حصل حتى انتقلت السلطة وأجهزتها كما الموالاة وقادتها من موقع "الصامد المتعنّت" الى موقع الراضخ للحلول الوسطى؟
تظاهرة "الولاء للبنان والوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري" بالجماهير الاستثنائية التي شاركت فيها مهمة، لكن تقارير الأجهزة الأمنية تُدرك ان الشارع لصيق الى حد كاسح بالمعارضة وان ما كان يحول دون وصول حشود كبيرة في أوقات سابقة يعود الى ما يتم اتخاذه من تدابير كمنع التجمعات وقطع الطرق واصطناع زحمة سير خانقة على كل مداخل العاصمة.
كما ان المطالبة بإقالة رؤساء الأجهزة الأمنية والتعرّض لهم باتهامات تراوح بين التورط بالحد الأقصى والإهمال بالحد الأدنى، ليست جديدة، بل تعود الى ساعات تلت استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط الماضي، في حين ان صور هؤلاء ظهرت للمرة الأولى، في اعتصام الثامن والعشرين من شباط الماضي الذي سقطت الحكومة تحت ضوضائه.
إذاً، المسألة ليست في الشارع فحسب بل هي تتمركز في مكان آخر.
أين؟
بين يدي رئيس لجنة تقصي الحقائق في قضية اغتيال الحريري الايرلندي بيتر فيتزجيرالد الذي ما كاد يستقل طائرته تاركاً بيروت حتى طارت كل ثوابت السلطة:
ـ رئيس الجمهورية إميل لحود لن يقف "حجر عثرة" أمام التحقيق الدولي، سرّبت أوساط مقربة منه.
ـ "القوة الثالثة" التي كانت ترفض التعرض لرؤساء الأجهزة الأمنية بدأت تقود حملة ضدهم على قاعدة "عدم جواز أن يقف بعض الموظفين عائقاً دون خلاص لبنان".
ـ عمر كرامي يريد توافقاً على اطاحة "هؤلاء الموظفين"، قبل ان يقدم على تشكيل الحكومة التي تم تكليفه بترؤسها.
ـ السيد حسن نصرالله دافع عن رؤساء الأجهزة ولكن على قاعدة محاكمتهم أمام القضاء اللبناني.
ـ اللواء جميل السيد المعروف بحنكته وسعة اطلاعه يهجم الى الأمام ملتقطاً مخرج السيد نصر الله معلناً عداءه لقوى سياسية في المعارضة والموالاة في آن رابطاً مصيره ومصير زملائه بمصير السلطة نفسها، فسقوطهم يفترض الانتصار على السلطة التي أوصلتهم الى مناصبهم، بمعنى آخر فإن الغالبية التي مددت للرئيس اميل لحود في قصر بعبدا هي التي أطالت أمد وجودهم على رأس الأجهزة الأمنية، وتالياً فخروجهم يقتضي إما اسقاط هذه الغالبية النيابية وإما تراجع هذه الغالبية عن قرارها التمديدي.
التقرير: حقائق وتوقعات
وبناء على هذه التراجعات المفاجئة في سلوك السلطة، وفي طروحات قادة الموالاة، يصبح السؤال مشروعاً عما يمكن أن يكون قد اكتشفه "الثعلب الإيرلندي" في بيروت ونقله الى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان؟
وفق مصادر واسعة الاطلاع، فإن أنان سيعرض تقرير بيتر فيتزجيرالد على مجلس الأمن الدولي يوم الخميس المقبل الواقع فيه 24 آذار 2005.
المعلومات المتوافرة من الامانة العامة للأمم المتحدة تؤكد أن أنان سوف يعتمد تقرير فيتزجيرالد حرفياً ولن يتصرف به قيد أنملة.
وهذا يعني أن أنان يريد تحييد نفسه بشكل كلي عن الوقائع التي سوف يحتويها التقرير، لتكون تقنية مئة في المئة ولا يشوبها أي شبهة سياسية، الأمر الذي يحول دون هجوم الجهة المتضررة من التقرير على ما سوف ينتهي اليه بحديثها عن خلفيات سياسية.
ومنطقياً، فإن الجهة المتضررة التي سوف تحاول استغلال البعد السياسي لتخفيف وطأة المعطيات التقنية هي تلك التي ستظهر كأن لها ضلعاً ما بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، سواء بالتحريض عليه أم بخلق الظروف المؤاتية لاغتياله أم بالاستسهال الأمني لحماية المجرمين في مرحلة التحضير أم بالتلاعب بالأدلة لإخفاء المعالم التي يمكن أن تقود الى الجهة المنفذة.
وفي هذا السياق، يلفت انتباه المراقبين أن أحداً في لبنان لم ينف صحة ما قاله النائب محسن دلول عن خفض عدد حراس الرئيس رفيق الحريري قبل فترة وجيزة على اغتياله، كما أن النفي الذي تمت صياغته حول معلومات الصحافي البريطاني روبرت فيسك في بيروت بيّن وجود بلبلة لدى المسؤولين في لبنان، إذ أنه جرى التركيز على نفي فيتزجيرالد أن يكون قد تكلم مع فيسك ولم يتم التطرق الى الجوهر المتمثل لصحة المعلومات التي أوردها عن اقتناع المحقق الدولي بوجود تلاعب بالأدلة.
السلطة القلقة
وهذه الصورة المتكاملة تعني ان السلطة في لبنان تترقب بقلق كبير ما سوف يصدر عن بيتر فيتزجيرالد بداية وما سوف يتخذه من قرارات مجلس الأمن الدولي لاحقاً، ولذلك هي تسعى بالممكن الى "تدوير الزوايا" واستباق المفاجآت السلبية واستدعاء المعارضة بلطف الى "الفخ".
وفي حال صحت التوقعات التي تحيط بتقرير فيتزجيرالد، فإن مجلس الأمن سيبحث جدياً في انشاء محكمة خاصة بالمسؤولين عن الأعمال الإرهابية التي أدت الى اغتيال الرئيس الحريري و18 لبنانياً آخرين وسبق لها واستهدفت النائب مروان حمادة ونتج عنها مقتل مرافقه غازي بو كروم.
واذا سلك مجلس الأمن في هذا الاتجاه، فإنه يصبح حينها ممكناً تشكيل لجنة تحقيق دولية منبثقة عن هذه المحكمة، تماماً كما سبق وحصل بالنسبة للمجازر في كوسوفو ورواندا بحيث يتولى المدعي العام التابع للمحكمة الدولية مهمات التحقيق ويحيل من يثبت تورطهم على المحاكمة.
وليقرر مجلس الامن ذلك يفترض ان يوفر له فيتزجيرالد مجموعة من المعطيات المهمة التي تبين ان السلطة اللبنانية غير مؤهلة، على خلفية سياسية، لاستلام هذا الملف وكشف الحقائق المتصلة به.
أهلية السلطة وملف الحريري
وشرط عدم الاهلية السياسية لا يتوفر الا اذا ثبت الآتي:
1 ـ وجود خيط سياسي يربط محاولة اغتيال مروان حمادة باغتيال الرئيس رفيق الحريري كالقرار 1559 مثلاً.
2 ـ عدم سلامة التحقيقات في قضية حمادة اخفاء للأدلة واستبعاد الشهود وتصفية المشتبه بهم.
3 ـ الطبيعة التحريضية لحملات التخوين التي كانت تستهدف الرئيس رفيق الحريري ومصدرها وخلفيتها السياسية والأمنية والاستخباراتية.
4 ـ الوسيلة المبتكرة في تفجير موكب الرئيس الحريري والجهات المنظمة التي يمكن ان توفرها.
5 ـ التهاون في توفير الحماية الرسمية له في ظل مناخات تبين انه كان مستهدفاً بدليل الحملات المعادية له من جهة وبدليل محاولات تطويقه سياسياً وقضائياً وانتخابياً من جهة أخرى.
6 ـ الخلفية التي دفعت موفد الامين العام للامم المتحدة الى بيروت ودمشق لتنفيذ القرار 1559 تيري رود لارسن الى تحذير الرئيس الحريري، قبل ايام على عملية الاغتيال، من امكان عودة مسلسل العنف والاغتيال الى الساحة اللبنانية.
7 ـ التلاعب بالأدلة في مسرح الجريمة.
8 ـ تضليل الرأي العام بشأن الطريقة التي تم فيها التفجير.
أبواب الجحيم
وفي حال توفرت هذه الاثباتات على انعدام الاهلية السياسية لتسليم الملف الى السلطة اللبنانية، فان مجلس الامن سيجد نفسه مضطراً لتشكيل المحكمة الخاصة وبالتالي يصبح جميع المسؤولين الامنيين وبعض المسؤولين السياسيين الذين تسقط حصانتهم فوراً عرضة للاستدعاء الى التحقيق الدولي.
وعلى هذه الخلفية، تحرك جبل الجليد ولكن امكان تهاويه رهن بما سوف ينطق به تقرير فيتزجيرالد، الخميس المقبل. فاذا سارت امور السلطة على خير ما يرام انطلقت نحو تثبيت مواقع رؤساء الاجهزة الامنية وسارعت النيابة العامة التمييزية الى اتخاذ قرار بعدم مسؤوليتهم عما حصل في 14 شباط الماضي واستقوى الرئيس عمر كرامي وشكل حكومة مواجهة "بلا معارضة وبلا من يتعبون"، أما إذا تبين العكس وخرجت مؤشرات لغير صالح السلطة فان ابواب الجحيم ستستدعي شياطينها.
حتى أسبوع خلا، كانت السلطة ترفع لافتات التحدي كيفما نطقت. استجمعت كل قواها ونزلت الى ساحة رياض الصلح رافعة على عاتق "حزب الله" و"حركة أمل" الى مقدمة المفجوعين على استشهاد الرئيس رفيق الحريري كل من تولى، عشية اغتياله مهمة تلاوة "قرار الاتهام" بحقه، بدءاً بوئام وهّاب وصولاً الى طلال ارسلان، استعملت هذا الحشد الذي تخيلت ان تجميع نصفه عصي على المعارضة اللبنانية وحقنت به عضل الرئيس عمر كرامي ليستقوي بـ"نواب الريموت كونترول". كما وصفهم يوماً النائب الموالي انطوان حداد.
رفضت كل بحث في إمكان اللجوء الى لجنة تحقيق دولية. قالت انها "لن تقتل نفسها من أجل المعارضة" إذا رفضت الانضمام الى حكومة اتفاق وطني. اعتبرت رؤساء الأجهزة الأمنية ومعهم النائب العام التمييزي عدنان عضوم فوق كل سؤال، حضّرت نفسها للانقضاض على اعتصام ساحة الشهداء. رهبت العائلات "برذيل" يُلقي قنبلة على أولادهم إن شاركوا في مسيرة "الولاء للبنان والوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري".
فجأة تغيّر كل شيء. تحرّك جبل الجليد، لم يتهاوَ بعد.
عمر كرامي لن يُشكل إلا حكومة تضم المعارضة، وهو ينتظر إنضاج الظروف المؤاتية. "لقاء عين التينة" يجمد التظاهر في المناطق بعدما ألغى كرامي تظاهرة طرابلس التي سبق له وأرجأها أسبوعاً فيما كان نجيب ميقاتي يقاطع الاستشارات النيابية ويستلهم صمت الرئيس رفيق الحريري في ضريحه. المسارعة الى اقتراح لجنة تحقيق دولية ـ لبنانية مشتركة. تأكيدات ان رؤساء الأجهزة "أصبحوا قيد البحث". دخول السيد حسن نصرالله على الخط للمطالبة بمحاكمة رؤساء الأجهزة أمام الأجهزة المختصة في القضاء اللبناني وتشكيل لجنة تحقيق عربية تستعين بخبرات دولية لكشف حقيقة اغتيال الرئيس الحريري. ظهور المدير العام للأمن العام جميل السيد باسم جميع رؤساء الأجهزة لإعلان تقديم إدعاء على أنفسهم أمام النيابة العامة التمييزية المطلوب تغيير رئيسها بالأصالة.
انه فيتزجيرالد...
ماذا حصل حتى انتقلت السلطة وأجهزتها كما الموالاة وقادتها من موقع "الصامد المتعنّت" الى موقع الراضخ للحلول الوسطى؟
تظاهرة "الولاء للبنان والوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري" بالجماهير الاستثنائية التي شاركت فيها مهمة، لكن تقارير الأجهزة الأمنية تُدرك ان الشارع لصيق الى حد كاسح بالمعارضة وان ما كان يحول دون وصول حشود كبيرة في أوقات سابقة يعود الى ما يتم اتخاذه من تدابير كمنع التجمعات وقطع الطرق واصطناع زحمة سير خانقة على كل مداخل العاصمة.
كما ان المطالبة بإقالة رؤساء الأجهزة الأمنية والتعرّض لهم باتهامات تراوح بين التورط بالحد الأقصى والإهمال بالحد الأدنى، ليست جديدة، بل تعود الى ساعات تلت استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط الماضي، في حين ان صور هؤلاء ظهرت للمرة الأولى، في اعتصام الثامن والعشرين من شباط الماضي الذي سقطت الحكومة تحت ضوضائه.
إذاً، المسألة ليست في الشارع فحسب بل هي تتمركز في مكان آخر.
أين؟
بين يدي رئيس لجنة تقصي الحقائق في قضية اغتيال الحريري الايرلندي بيتر فيتزجيرالد الذي ما كاد يستقل طائرته تاركاً بيروت حتى طارت كل ثوابت السلطة:
ـ رئيس الجمهورية إميل لحود لن يقف "حجر عثرة" أمام التحقيق الدولي، سرّبت أوساط مقربة منه.
ـ "القوة الثالثة" التي كانت ترفض التعرض لرؤساء الأجهزة الأمنية بدأت تقود حملة ضدهم على قاعدة "عدم جواز أن يقف بعض الموظفين عائقاً دون خلاص لبنان".
ـ عمر كرامي يريد توافقاً على اطاحة "هؤلاء الموظفين"، قبل ان يقدم على تشكيل الحكومة التي تم تكليفه بترؤسها.
ـ السيد حسن نصرالله دافع عن رؤساء الأجهزة ولكن على قاعدة محاكمتهم أمام القضاء اللبناني.
ـ اللواء جميل السيد المعروف بحنكته وسعة اطلاعه يهجم الى الأمام ملتقطاً مخرج السيد نصر الله معلناً عداءه لقوى سياسية في المعارضة والموالاة في آن رابطاً مصيره ومصير زملائه بمصير السلطة نفسها، فسقوطهم يفترض الانتصار على السلطة التي أوصلتهم الى مناصبهم، بمعنى آخر فإن الغالبية التي مددت للرئيس اميل لحود في قصر بعبدا هي التي أطالت أمد وجودهم على رأس الأجهزة الأمنية، وتالياً فخروجهم يقتضي إما اسقاط هذه الغالبية النيابية وإما تراجع هذه الغالبية عن قرارها التمديدي.
التقرير: حقائق وتوقعات
وبناء على هذه التراجعات المفاجئة في سلوك السلطة، وفي طروحات قادة الموالاة، يصبح السؤال مشروعاً عما يمكن أن يكون قد اكتشفه "الثعلب الإيرلندي" في بيروت ونقله الى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان؟
وفق مصادر واسعة الاطلاع، فإن أنان سيعرض تقرير بيتر فيتزجيرالد على مجلس الأمن الدولي يوم الخميس المقبل الواقع فيه 24 آذار 2005.
المعلومات المتوافرة من الامانة العامة للأمم المتحدة تؤكد أن أنان سوف يعتمد تقرير فيتزجيرالد حرفياً ولن يتصرف به قيد أنملة.
وهذا يعني أن أنان يريد تحييد نفسه بشكل كلي عن الوقائع التي سوف يحتويها التقرير، لتكون تقنية مئة في المئة ولا يشوبها أي شبهة سياسية، الأمر الذي يحول دون هجوم الجهة المتضررة من التقرير على ما سوف ينتهي اليه بحديثها عن خلفيات سياسية.
ومنطقياً، فإن الجهة المتضررة التي سوف تحاول استغلال البعد السياسي لتخفيف وطأة المعطيات التقنية هي تلك التي ستظهر كأن لها ضلعاً ما بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، سواء بالتحريض عليه أم بخلق الظروف المؤاتية لاغتياله أم بالاستسهال الأمني لحماية المجرمين في مرحلة التحضير أم بالتلاعب بالأدلة لإخفاء المعالم التي يمكن أن تقود الى الجهة المنفذة.
وفي هذا السياق، يلفت انتباه المراقبين أن أحداً في لبنان لم ينف صحة ما قاله النائب محسن دلول عن خفض عدد حراس الرئيس رفيق الحريري قبل فترة وجيزة على اغتياله، كما أن النفي الذي تمت صياغته حول معلومات الصحافي البريطاني روبرت فيسك في بيروت بيّن وجود بلبلة لدى المسؤولين في لبنان، إذ أنه جرى التركيز على نفي فيتزجيرالد أن يكون قد تكلم مع فيسك ولم يتم التطرق الى الجوهر المتمثل لصحة المعلومات التي أوردها عن اقتناع المحقق الدولي بوجود تلاعب بالأدلة.
السلطة القلقة
وهذه الصورة المتكاملة تعني ان السلطة في لبنان تترقب بقلق كبير ما سوف يصدر عن بيتر فيتزجيرالد بداية وما سوف يتخذه من قرارات مجلس الأمن الدولي لاحقاً، ولذلك هي تسعى بالممكن الى "تدوير الزوايا" واستباق المفاجآت السلبية واستدعاء المعارضة بلطف الى "الفخ".
وفي حال صحت التوقعات التي تحيط بتقرير فيتزجيرالد، فإن مجلس الأمن سيبحث جدياً في انشاء محكمة خاصة بالمسؤولين عن الأعمال الإرهابية التي أدت الى اغتيال الرئيس الحريري و18 لبنانياً آخرين وسبق لها واستهدفت النائب مروان حمادة ونتج عنها مقتل مرافقه غازي بو كروم.
واذا سلك مجلس الأمن في هذا الاتجاه، فإنه يصبح حينها ممكناً تشكيل لجنة تحقيق دولية منبثقة عن هذه المحكمة، تماماً كما سبق وحصل بالنسبة للمجازر في كوسوفو ورواندا بحيث يتولى المدعي العام التابع للمحكمة الدولية مهمات التحقيق ويحيل من يثبت تورطهم على المحاكمة.
وليقرر مجلس الامن ذلك يفترض ان يوفر له فيتزجيرالد مجموعة من المعطيات المهمة التي تبين ان السلطة اللبنانية غير مؤهلة، على خلفية سياسية، لاستلام هذا الملف وكشف الحقائق المتصلة به.
أهلية السلطة وملف الحريري
وشرط عدم الاهلية السياسية لا يتوفر الا اذا ثبت الآتي:
1 ـ وجود خيط سياسي يربط محاولة اغتيال مروان حمادة باغتيال الرئيس رفيق الحريري كالقرار 1559 مثلاً.
2 ـ عدم سلامة التحقيقات في قضية حمادة اخفاء للأدلة واستبعاد الشهود وتصفية المشتبه بهم.
3 ـ الطبيعة التحريضية لحملات التخوين التي كانت تستهدف الرئيس رفيق الحريري ومصدرها وخلفيتها السياسية والأمنية والاستخباراتية.
4 ـ الوسيلة المبتكرة في تفجير موكب الرئيس الحريري والجهات المنظمة التي يمكن ان توفرها.
5 ـ التهاون في توفير الحماية الرسمية له في ظل مناخات تبين انه كان مستهدفاً بدليل الحملات المعادية له من جهة وبدليل محاولات تطويقه سياسياً وقضائياً وانتخابياً من جهة أخرى.
6 ـ الخلفية التي دفعت موفد الامين العام للامم المتحدة الى بيروت ودمشق لتنفيذ القرار 1559 تيري رود لارسن الى تحذير الرئيس الحريري، قبل ايام على عملية الاغتيال، من امكان عودة مسلسل العنف والاغتيال الى الساحة اللبنانية.
7 ـ التلاعب بالأدلة في مسرح الجريمة.
8 ـ تضليل الرأي العام بشأن الطريقة التي تم فيها التفجير.
أبواب الجحيم
وفي حال توفرت هذه الاثباتات على انعدام الاهلية السياسية لتسليم الملف الى السلطة اللبنانية، فان مجلس الامن سيجد نفسه مضطراً لتشكيل المحكمة الخاصة وبالتالي يصبح جميع المسؤولين الامنيين وبعض المسؤولين السياسيين الذين تسقط حصانتهم فوراً عرضة للاستدعاء الى التحقيق الدولي.
وعلى هذه الخلفية، تحرك جبل الجليد ولكن امكان تهاويه رهن بما سوف ينطق به تقرير فيتزجيرالد، الخميس المقبل. فاذا سارت امور السلطة على خير ما يرام انطلقت نحو تثبيت مواقع رؤساء الاجهزة الامنية وسارعت النيابة العامة التمييزية الى اتخاذ قرار بعدم مسؤوليتهم عما حصل في 14 شباط الماضي واستقوى الرئيس عمر كرامي وشكل حكومة مواجهة "بلا معارضة وبلا من يتعبون"، أما إذا تبين العكس وخرجت مؤشرات لغير صالح السلطة فان ابواب الجحيم ستستدعي شياطينها.














التعليقات