أسطورة إغريقية قديمة تقول إنه في سالف الزمان قامت حروب ضارية بين المقاطعات. واستمرت تلك الحروب سنوات وسنوات, تساقط خلالها البشر وجفت بسببها الأرض. عانت النساء, وتفككت الأسر, وتشرد الأطفال. هبت المرأة تطالب بوقف تلك الصراعات والحروب المستمرة, ولم يستمع إليها أحد. وهنا قامت نساء الإغريق بإعلان الإضراب عن أداء الالتزامات الأسرية والزوجية وعن معاشرة الأزواج طالما الحرب مستمرة.. وكان أن وضعت الحرب أوزارها اعترافا باستحالة استمرار تلك الحياة بدون النساء. وبغض النظر عن صحة هذه الأسطورة, وسواء كانت حقيقية أم خيالا, فإنها تؤكد أن المرأة جزء أساسي من الحياة ومن استمرار تلك الحياة. وغيابها أو إحجامها عن الوجود والمشاركة في ساحة الحياة له عواقب وخيمة. وأن المرأة عندما تستثمر قدرتها من أجل الخير فإن في ذلك تحقيق للصالح العام.
***
والمرأة تعمل اليوم داخل المنزل وخارجه, تسهم ــ أحيانا باعداد كبيرة ــ في سائر جوانب الحياة, تعمل في مجال الخدمات وفي الإنتاج, ومع ذلك فإن هذا العطاء المتدفق لايقابله الاعتراف بدورها والإيمان بحقوقها وضرورة الارتقاء بمستوي أدائها, وتوفير فرص الوفاء بالتزاماتها كاملة في جميع المجالات وليس فقط في بعض ما يختاره الغير لها. إنها العاملة في الحقل والمصنع, وهي المدرسة والممرضة, وهي الأستاذة الجامعية والسفيرة. هي الوزيرة وربة الأسرة وهي التي عادة تسهم في إعالة ومساندة زوجها بل وكثيرا ما تتحمل مسئولية إعالة الأسرة وحدها.
فماذا لو أضربت النساء يوما؟
لو حدث ذلك الإضراب, سوف يجف المحصول في المزارع, وتنفق الماشية والدواجن, ويتعطل الإنتاج في المصانع.
لو أضربت المرأة سوف يتوقف التدريس وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات. لو أضربت سوف يحرم المرضي من العلاج ومن التمريض, ويضطرب العمل في المعامل ومراكز الأبحاث.. ولأقفلت بعض السفارات والمكاتب أبوابها, وافتقد المجتمع خدمات الجمعيات الأهلية بأنواعها.
لو أضربت المرأة لتعطلت الاتصالات السلكية واللاسلكية, وإرسال الراديو, وتوقف بث التليفزيون(ولاأعرف إن كان ذلك الأخير خيرا أم شرا).
لو أضربت النساء عن العمل فسوف تغلق المتاجر وينفض البيع والشراء, وسوف يحتار الرجل وتضيع الأطفال. باختصار لو أنها أضربت فإن الحياة لن تستمر.
***
ولعل بعض الأرقام تتحدث عن نفسها.
* بلغت قوة العمل من الإناث نحو4,2 مليون, عام2000, وعلي سبيل المثال كانت نسبة عمالة النساء في صناعة الملابس54%, وفي صناعة منتجات التبغ وصباغة الملابس نحو50%. كما أنها تشكل47% من إجمالي العاملين في السياحة,44% من إجمالي العاملين في قطاع التأمينات والشئون الاجتماعية,40% من إجمالي العاملين في قطاع التموين والتجارة الخارجية, ونحو37% من إجمالي العاملين في قطاع التعليم والبحوث والشباب. ونحو36% من إجمالي العاملين في قطاع الخدمات الصحية والدينية والقوي العاملة والثقافة والاعلام.
*وقد تزايدت مشاركة المرأة في مجال التدريس لتصبح سنة43012,2000 مديرة ووكيلة,483,3 ألف مدرسة, وبلغ عدد أعضاء هيئة التدريس أستاذ/أستاذ مساعد8821.
* وهناك بين الأطباء البشريين13842 طبيبة, أما نسبة أطباء الأسنان من النساء فقد بلغت نحو42% من الإجمالي.وأخصائيات العلاج الطبيعي38%. كما أن نحو99% من هيئة التمريض(مشرفات)! فتيات التمريض, الحكيمات والممرضات والمساعدات) من الإناث.
* وهناك في وزارة الخارجية171 امرأة منهن37 في وظيفة سفير.
وفي قطاع الإنتاج الحربي3650 امرأة. أما في اتحاد الإذاعة والتليفزيون11437 امرأة. ومصر بها17000 محامية.
* وتحتل المرأة مساحة كبيرة في عالم الرسم والنحت والشعر والغناء والتمثيل والإخراج, إلي جانب واحد من أهم مسئولياتها التي تقوم بها في أغلب الأحوال لوحدها وإن كان المفروض أن يشارك فيها الرجل بنفس القدر تلك هي التنشئة والتربية وإعداد الأجيال القادمة, وهو دور خطير لن تحسن أداءه إذا استمر تهميشها.
* يقدر عدد العاملات في الزراعة ــ التي هي عصب الأمن الاقتصادي ــ بالنصف.
هذه القوة الرسمية يواكبها قوة عمل غير رسمية لاتظهر في الإحصاءات نحس بها جميعا ويمكن أن نتصور حال المجتمع إذا ما حرم منها.
بعد كل ذلك العطاء وتلك الأدوار المتعددة التي تؤديها المرأة في أناة وصبر, هل من المنطق والعقل وكريم الخلق أن يصبح حصولها علي مكانتها وحقوقها وفرصة قيامها بالتزاماتها كاملة قضية محل جدل وحوار وكأن هناك شكا في عدالتها أو ترددا حول جدواها!!؟؟
***
إن هذا ليس تهديدا أو وعيدا, وليس دعوة إلي إضراب إغريقي أو عربي, لكنه محاولة لرسم صورة واقعية عن دور المرأة وعطائها وماتقوم به رغم أن هناك من يرفضون أن تحصل علي حقوق المواطنة, وأن توفر لها الفرصة المتساوية, وأن تؤهل للقيام بمسئولياتها ثم تحاسب علي أداء واجباتها.
ومن المناسب هنا الإشارة إلي أمور أربعة:
* أولا: أن القضية ليست مجرد التحاق المرأة بالعمل, ونحن إن كنا نعتز بالأرقام الكبيرة التي بيناها, إلا أن هذا لايعني إننا نطالب بتعيين المرأة لمجرد أنها امرأة. بمعني آخر المهم هو ليس أن تحصل المرأة علي وظيفة ما. بقدر ماهو من المهم ألا تحرم المرأة من وظيفة أو من ترقية لأنها امرأة وليس لاعتبارات تتعلق بالكفاءة.
*ثانيا:لايجوز أن نكتفي بأن تعمل المرأة ولكن المهم هو أن يكون أداؤها ــداخل المنزل أو خارجه ــ فاعلا وكفئا, وأن تدرك خطورة وأهمية مشاركتها من أجل المساهمة في دفع مسيرة التنمية. إن المهم هو الكيف والمستوي وليس الكم.
* ثالثا: لم يعد يكفي أن نباهي بوجود امرأة هنا, وأخري هناك لنعتبر ذلك نجاحا لأن المشاركة هو ضمان إدماج المرأة في عملية التنمية الشاملة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا لصياغة مقدرات الوطن ومستقبله.
* وأخيرا فإنه من المهم هنا الإشارة إلي أنه رغم تلك المشاركة التي تؤكد أن المرأة المصرية أعطت وقامت بواجب العمل في أكثر نواحي الحياة, إلا أن مشاركتها في المجالس النيابية التشريعية مازالت ضئيلة بل من أدني النسب في العالم. وهو وضع لايليق بمكانة مصر ولايتفق مع ماحققته المرأة المصرية من إنجازات.
***
إن الذين يساورهم شك في قدرة المرأة علي المشاركة, وضرورة احترامها واحترام ماتقدمه ودعمها في قيامها بواجباتها, عليهم التوقف لحظة ومحاسبة النفس في صفاء وسؤال أنفسهم... ماذا لو أضربت النساء يوما؟













التعليقات