ثمة نظرية شائعة مفادها ان الفقر والحرمان والقمع السياسي وراء اندفاع بعض الشبان وراء الافكار المتطرفة والى توسل العنف ضد الدولة والمجتمع والاجانب في بلدانهم. ولا يقتصر انتشار هذه النظرية على اوساط التبريريين للعنف باسم السياسة، وهم في العادة يختزنون المصادر نفسها التي يستلهمها المتطرفون. اذ ثمة اصداء لهذه النظرية في اوساط قوى ليبرالية وحقوقية ومعارضة، وإن كان لكل منها اسبابه الخاصة في تبرير العنف.
التبسيط في هذه النظرية يكمن في انها لا تفرق بين اوضاع بلد وآخر. ولا تحاول التدقيق في الظروف الحالية (الاقتصادية والاجتماعية) والتاريخية التي ادت الى هذه الاوضاع. فما شهدته مصر في الثمانينات والتسعينات لا تفسره الاسباب نفسها التي ادت الى العنف في الجزائر. ولا تفسر الاسباب ذاتها العنف في الاراضي الفلسطينية وما شهدته بلدان خليجية او ما يحصل في العراق.
لا بل يبدو احيانا التركيز على «الظروف الموضوعية» بمثابة سعي الى صرف النظر عن تلك التعبئة الايديولوجية التي نجد اصداءها الواحدة في كل حالات العنف الاصولي تقريبا. ويبدو احيانا ان اللجوء الى العنف في بلد ما يتعارض مع «الظروف الموضوعية» التي يعيشها هذا البلد، لكنه يبقى في خط سير هذه التعبئة.
وما حصل في الدوحة ليل السبت ? الاحد لا يظهر تهافت نظرية القمع والحرمان فحسب، وانما يظهر ايضا ان ثمة من يتأثر بحملات التعبئة الى حد الانتحار.
لا احد يستطيع الادعاء ان قطر تعيش حال فقر مدقع، وان سكانها لا يجدون فيها ما يسدون به الرمق... يمكن ادعاء العكس تماما، الى حد انها تحولت، بفعل ثروتها الطبيعية والاستثمارات المرتبطة بها، الى مقصد لكثير من العرب والاجانب الباحثين عن العيش الكريم والثروة ايضا. ومنهم المصري عمر احمد عبدالله علي الذي اقتحم بسيارته المفخخة المسرح البريطاني في الدوحة.
فهذا الانتحاري، بشهادة زوجته، يعيش في قطر منذ التسعينات. مما يعني انه لم يجد هناك صعوبات كبيرة في كسب عيشه خلال هذه الفترة الطويلة، والتكيف مع ظروف هذا العيش.
الرجل لم يقدم على ما اقدم عليه للاحتجاج (النضال) على «الظروف الموضوعية» التي يعانيها. انه ببساطة يستمع يوميا الى ما تبثه وسائل الاعلام في هذا البلد، خصوصا قناة «الجزيرة» وصدّق ما يسمعه، الى حد انه وصل الى قناعة بأن لا معنى لحياته الا باستجابة هذه التعبئة... وصولاً الى الانتحار.
قد تكون هذه الحال نموذجية، لكن كثيرين اختاروا الانتحار، في بلدانهم او في العراق (الذي بات الموت فيه موضة بعد افغانستان والجزائر)، مثأثرين بتعبئة من النمط ذاته، تبثها يوميا وسائل اعلام سمعية ? بصرية ومكتوبة وخطب نارية ورسائل الانترنت.
وتظهر عملية الدوحة ايضا انه لا يكفي الافساح في المجال لهذه التعبئة من اجل كسب الاستقرار، في ظل سياسة رسمية تتعارض مع الموضوعات الاساسية لهذه التعبئة. لقد اعتمد الرئيس الراحل انور السادات مثل هذه الخطة، فاطلق نشاط الاصوليين ودعمه، في الوقت الذي كان يؤسس لمرحلة الانفتاح الاقتصادي والصلح مع اسرائيل. واعتقد انه يمكنه ان يستخدم الاصوليين ضد معارضي هذه السياسة في الداخل من ناصريين ويساريين. وكان ان قضى برصاص من افترض انهم حلفاؤه. لم يشفع للسادات إطلاقه النشاط الاصولي وتوفير مناخات الدعاية والتعبئة له، اذ انه أُغتيل بتبرير مستمد من الدعاية ذاتها. لقد فشل في مقايضة حرية النشاط والدعاية للاصوليين بتأييدهم لسياسته التي يناهضونها.
وتواجه قطر اليوم معضلة مماثلة. بعدما تمكنت حتى الآن من التوفيق بين سياستها الموالية للغرب والداعية الى التقارب مع اسرائيل وبين اطلاق اعلامها، بكل اشكاله، لمناهضي هذه السياسة. وقد يكون اقترب اليوم الذي لم يعد فيه مثل هذا التوفيق ممكنا.














التعليقات