هذا ليس عنوان أغنية للاستاذ فريد الاطرش، وانما هو تعبير عن حركتين احداهما حركة «كفاية» المحلية التي بدأت في مصر مطالبة بعدم التجديد للرئيس ورافضة للتوريث، أما حركة «مش كفاية» فيبدو انها حركة داخل الادارة الامريكية، كلما قدم أي طرف عربي تنازلا جاء ردها من واشنطن «مش كفاية»، ومطلوب تنازلات أخرى.
* حركة «كفاية» بدأت في الاتساع خارج مصر ورأينا اللبنانيين يقولون كفاية للاحتلال السوري لبلدهم، كفاية لسيطرة الطوائف، كفاية لأسلحة حزب الله، وكفاية للتبعية، قالوها بوضوح في الساحات والميادين وبألف وسيلة ووسيلة، وبأعداد غفيرة، ملأت الشوارع والطرقات. ونتيجة لردة الفعل الدولية لحركة كفاية اللبنانية، وآخرها دعوة كل من فرنسا، والمانيا، واسبانيا وروسيا، دعوة كل هؤلاء لسوريا بالانسحاب من الاراضي اللبنانية قررت القيادة في سوريا سحب قواتها من بيروت واعادة انتشارها في سهل البقاع على أمل ان تنهي الانسحاب خلال شهور، فهل هذا كفاية؟!
هكذا كان السؤال السوري وكذلك سؤال اتباع سوريا في لبنان من اجهزة امنية ورئاسة، وجاء الرد الامريكي ومعه الرد الاوروبي مدويا: «مش كفاية!».
* اجتمع العرب وتحادثوا فيما بينهم في القاهرة والرياض ودمشق واعلنوا، تقريبا، ان الطائف هي فعليا القرار 1559، وأكد ملك الاردن ورئيس مصر، وكثيرون أن انسحاب سوريا حسب اتفاق الطائف، يكفي، وان موضوع حزب الله يجب ان يؤجل، اذا ما التزمنا باقناع سوريا بالانسحاب من لبنان تماما. هكذا جاء لسان حالهم، هل سيكون ذلك كفاية؟!
رد واشنطن على هذا التوفيق بين الطائف والقرار 1559، ايضا جاء واضحا ومدويا: «مش كفاية!!».
* في مصر استجاب الرئيس مبارك لمطالب جماعة «كفاية»، وكذلك لمطالب فئات مختلفة من الشعب، واعلن قراره الجريء بفتح باب الانتخابات للرئاسة بالاقتراع السري المباشر، لم يكن احد ليتوقع مثل هذه المناورة السياسية على مستوى قمة الهرم السياسي في مصر، وظن الذين صمموا هذه الخطوة بأنها ستنقل الوضع المصري من خانة الانظمة المغلقة الى خانة العالم الحر او النظام المفتوح، ظن هؤلاء أن هذا كفاية، كفاية للمطالب الداخلية، وربما يكون كفاية بالنسبة للضغط الخارجي، وايضا جاء رد واشنطن على هذه الخطوة مدويا: «مش كفاية!».
واشنطن، وكذلك المنظمات الاهلية الداخلية والاحزاب لم تقل كفاية، ولكنها طالبت باطلاق الحريات من حيث حرية التجمع وحرية الصحافة وانهاء قانون الطوارئ وتفكيك كثير من البنى الامنية المسيطرة على الحياة السياسية في مصر، وصرح الامين العام للحزب الوطني السيد صفوت الشريف مؤخرا بأن قانون الطوارئ سيعلق اثناء الانتخابات، ظنا منه ان خطوة كهذه سترضي كل الاطراف في الداخل والخارج، وربما هدأ الداخل قليلا، ولكن رد جورج بوش وادارته جاء مدويا، ومجلجلا بطريقة لا تقبل اي لبس، او اي تأويل: «مش كفاية!».
* تونس قررت الاحتفاظ بنظامها السلطوي، رغم نجاحاتها الاقتصادية، وقررت ان تلعب في الملعب الاقليمي فقدمت دعوة لرئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون، حتى تتجنب الضغط الامريكي والفرنسي لفتح النظام السياسي والتعامل مع ملفات الديمقراطية وحقوق الانسان. دعوة شارون صورت للجالسين في تونس ان الموضوع «كده كفاية»، ولكن رد واشنطن حتى على هذه الخطوة الجريئة والتي كلفت تونس ثمنا سياسيا غاليا، جاء بجلاجل «مش كفاية!».
* اليمن، لا أدري، كم الف مدرسة دينية اغلق، ومع ذلك تقول واشنطن «مش كفاية!».
* المملكة العربية السعودية تعرضت لضغوط شديدة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ونشطت دبلوماسيتها وقدمت على المستوى الاقليمي المبادرة التي عرفت فيما بعد بالمبادرة العربية للسلام، كذلك قدمت على المستوى المحلي الانتخابات المحلية، ولسان حالها يسأل، هل هذا كفاية؟! الرد ايضا هنا كان بكل وضوح، نحن نتفهم ظروف المملكة وكذلك خصوصيتها الثقافية والسياسية، ومع ذلك نحن نقول: «مش كفاية!».
* قطر قامت بكل انواع الجمباز السياسي، من دعوة الوزراء الاسرائيليين، وحضور نائب وزير التعليم الاسرائيلي اخيرا للدوحة، وفتحت البلد كله كمخزن سلاح أمريكي وقدمت اكبر قاعدتين مجهزتين هما قاعدتا السيلية والعديد، وتمسكت بالقاعدة، كذلك بعدم فتح النظام، وظنت الطبقة الحاكمة ان مثل هذه التنازلات قد تكون «كفاية»، ورغم كل هذه التنازلات من انفتاح على اسرائيل وتطبيع مباشر على شاشات الجزيرة وعلى الارض، تطبيع يمارسه كل من يرفضون التطبيع في بلادهم ولكنهم يمارسونه دونما خجل على شاشات الجزيرة، رغم كل هذا يجيء رد واشنطن الى الدوحة تقريبا بشكل يومي معلنا ان كل ما قمتم به حتى الآن «مش كفاية!».
* عمر البشير في السودان دخل في مفاوضات كان رافضا لها من قبل مع السيد جون قرنق قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان، وقبل بصيغة اقرب الى صيغة الفيدرالية، وفتح الدكان كله، لدرجة انه ارسل اخيرا قوات سودانية ضمن مجموعة شرق افريقيا لحفظ السلام في الصومال، ولوح بعصاه في الهواء سائلا واشنطن عما اذا كان هذا كفاية، وجاء الرد بطريقة لا تقبل اي تفسير او تأويل بالطبع: «مش كفاية!».
* المجتمعون في الجزائر، قرروا ان يتعاملوا مع ما جاء به الملك عبد الله الثاني من واشنطن كتعديل للمبادرة العربية، وهو في الحقيقة ليس بتعديل لان المبادرة العربية كانت اكثر قوة اثناء تقديمها في بيروت لولا الموقف السوري. اختار المجتمعون في الجزائر، ان يتعاملوا مع الملف العربي ـ الاسرائيلي، وتجاهل الجمع الموضوع الحاسم، بداية من اغتيال رفيق الحريري الذي يجب ان يكون هو عنوان هذه القمة، ان اراد العرب ان يأخذهم العالم على محمل الجد. وموضوع الساعة في لبنان يتمثل في حالة الفوضى التي بدأت تظهر ملامحها، فوضى مقصودة جاءت بعد اتهامات مدير الامن العام جميل السيد لقيادات المعارضة، جاءت في صورة سيارة مفخخة، انفجرت في بيروت، ظن المجتمعون في الجزائر أن تعاملهم مع الملف الفلسطيني «كفاية»، ويعفيهم من التعامل مع الملفين السوري واللبناني، وانهم بتبني مسألة البرلمان العربي، ظنوا ان ذلك كفاية، فجاء الرد من واشنطن واضحا وزاعقا: «مش كفاية!».
انسحاب سوريا من لبنان «مش كفاية» لان الهدف من القرار 1559 هو ضرب عصفورين بحجر، تقليم اظافر سوريا بسحب قواتها من لبنان، وتقليم اظافر ايران بنزع اسلحة حزب الله. الموقف العربي يبدو انه قابل بتقليم اظافر سوريا، ولكنه يريد المحافظة على اظافر ايران، ولهذا السبب تقول واشنطن ومعها اوروبا لمثل هذا الطرح «مش كفاية!».
بالطبع لو أصر العرب على حماية أسلحة حزب الله، فإن واشنطن مستعدة لضرب عصفورين بحجرين وليس بحجر واحد، بمعنى انها تترك اظافر حزب الله في لبنان وتضرب ايران في قلب طهران كبديل، ومع ذلك فهل هذا كفاية؟! من خلال معرفتي بالتصورات الكبرى، استطيع ان أقول ان المناورات «مش كفاية»، المطلوب الآن هو تصور استراتيجي متكامل يوحي بأن العرب يقدرون اللحظة التاريخية ويرتفعون الى مستوى الحدث، هنا تكون «كفاية» نابعة من الداخل وتفقد «مش كفاية» معناها.
يا إلهي.. كدت أنسى الجماهيرية العظمى بعد ان تخلت عن برامج تسليحها البيولوجية والكيماوية، وبعد تعويضها لكل ضحايا العالم. بالطبع، انتم معي، في ان «مش كفاية» هنا لا تكفي اطلاقا. في هذه الحالة بالذات لا يسعفنا الا استحضار روح فريد الاطرش شخصيا ليقول لنا بصوته: «مش كفاية..».














التعليقات