في هذا العام 2005م يصادف ذكرى «حركة عدم الانحياز» التي هي من أعظم التجمعات الدولية تأثيراً في مسرح الحياة السياسية الدولية في زمن الحرب الباردة بين المعسكرين السوفيتي والأمريكي.. وتحديداً هي أكثرها تعبيراً عن حماية مصالح وأماني الدول الجديدة الفتية الخارجة للتو من ربقة الاستعمار الغربي «الديمقراطي» نصير حقوق الإنسان في العالم الذي أخضعها لهيمنته الاسترقاقية على مدى قرون أو عقود طويلة كانت كفيلة بأن أضحت أمنية خروجها من دائرة التخلف الحضاري واللحاق بدوله المتقدمة أشبه بالمستحيل.
وحينما نقول إنها كانت أكثر تجمعات وحركات العصر في الدفاع عن مصالح دول العالم الثالث الجديدة المستقلة فذلك لأن الحركة انبثقت في وقت من أصعب الأوقات الذي واجهت فيه دولها تحديات دولية جمة في سياق تجاذب وتسابق القوتين العظميين على جرها للتحالف أو الانحياز إلى أي منهما في مواجهة الآخر، ومن هنا جاءت فكرة عدم الانحياز التي أرساها المؤسسون الأوائل الكبار الذين اجتمعوا في باندونج بأندونيسيا عام 1955 كل من نهرو وتيتووسو كارنو وجمال عبدالناصر ولتحمل هذه الفكرة «عدم الانحياز» اسم مجموعة الدول التي أخذت تنضم إليها الدول المستقلة حديثاً.

وكانت الفكرة الأساسية ليست مجرد إعلان الحياد السلبي وعدم الانحياز بين المعسكرين المتصارعين في أوج أوار حربهما الباردة بل والدفاع عن مصالح دول هذا التجمع في مواجهة مآرب أي منهما وضغوطهما السياسية والاقتصادية على دول المجموعة تحقيقا لمصالحهما الاستراتيجية الكونية.

وقد لعبت هذه المجموعة دوراً مهما في الدفاع عن مصالح أعضائها في مواجهة الحلفين الدوليين «الأطلسي» و«وارسو» بما في ذلك الأحلاف الإقليمية المرتبطة بالأول، ودافعت عن تعزيز استقلال وسيادة هذه الدول في مواجهة تدخلاتهما، وناصرت كل حركات التحرر التي لم تذل بعد استقلال بلدانها، ومن ضمنها على وجه الخصوص حركة التحرر الفلسطينية وثورة الجزائر حتى نيلها استقلالها في أوائل ستينيات القرن الماضي. وهي بهذه الأهداف والمبادئ في مناصرة حركات التحرر العالمية و مواجهة مآرب ما اصطلح على تسميته «الاستعمار الجديد» الذي يمثل نفس مصالح الاستعمار الكولونيالي القديم التفت هذه الحركة مع حلف المعسكر الشرقي «الاشتراكي» في جملة من القضايا لكنها افترقت عنه في عدد آخر من القضايا.. ذلك ان الحركة لم تكن كتلة واحدة صماء منسجمة تمام الانسجام بل هي أيضاً تعبير عن مصالح دول متباينة في أنظمتها الاجتماعية، وكثيراً ما يلتحق العديد منها بسياسات هذا المعسكر أو ذاك من المعسكرين المتصارعين تبعا لمصالح النخب الحاكمة في تلك الدول، لا بل أن عدداً كبيراً منها هي في واقع الحال دول منضوية من غير إعلان إلى واحد من هذين المعسكريين الدوليين.

واليوم إذ زال أحدهما «حلف وارسو» فإن السؤال الذي يفرض نفسه: هل انتهت وظيفة الحركة ومهماتها؟ على العكس تماماً فما احوج الحركة الآن إلى إعادة ترسيخ دعائمها ورص صفوفها لمواجهة التحديات الجديدة المتمثلة في صعود القطب الأمريكي المهيمن على النظام العالمي الجديد كقطب أوحد والساعي سعيا محموما إلى تشكيل كل العالم على مقاس مصالحه الاسترايتجية الكونية.

أكثر من ذلك فإن الحلف المتبقى ألا وهو «الأطلسي» لم يتم تفكيكه بعد بل مازال يجري تعزيزه ولا يتوانى عن تهديد مصالح العديد من دول الحركة وإن بقفازات حريرية ناعمة، ومازال على الحركة أن تتوحد وتعزز تماسكها لمواجهة مخاطر العولمة وان ترفض بشموخ وإباء ضغوط وإغراءات الذوبان والتبعية في مشاريع وسياسات الدول الغربية الكبرى، لكن هذا لم يتحقق للأسف، إذ بات كثير من دول حركة عدم الانحياز تفضل التبعية والخضوع لمشيئة تلك القوى العظمى على التمسك بمصالح شعوبها وذلك طلبا لصك شهادات الرضا وحسن السيرة والسلوك من تلك الدول، وعلى أمل أن تغض النظر هذه عن تسويفها وارجائها إجراء اصلاحات سياسية داخل بلدانها.

والحال أن حركة عدم الانحياز ما لم تأخذ على عاتقها اليوم بكل جدية مهمة إعادة تكتيل وتنظيم نفسها لمواجهة تحديات ما بعد الحرب الباردة على أسس جديدة قوامها في المقام الأول تحقيق الإصلاحات الدستورية الديمقراطية القائمة على التعددية والفصل بين السلطات الثلاث وحق تداول السلطة والحريات العامة، لتنطلق منها إلى مواجهة التحديات التي تستهدفها وتستهدف أوطانها من قبل القوى الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، ولسحب كامل ذرائعها في التدخل في شؤون هذه الدول للهيمنة على مقاديرها ومصائرها، فإن هذه الحركة ليست مرشحة للتفتت والذوبان فحسب بل ولاقتلاع أنظمتها الديناصورية الكابحة لانطلاقة المشاريع الإصلاحية.