موسكو ــــ فالح حسن
ليس من السهولة اعطاء تقييم موضوعي على أساس المنهج التاريخي الذي يأخذ بالاعتبار الظاهرة بكل شموليتها وتطورها من الشكل البسيط الى الاعقد وما تحف بها من مؤثرات وعوامل ذاتية وموضوعية. ولكن من تلك المنطلقات بالذات ناقش كتاب (جامعة الدول العربية تبدل الاولويات ـــ من التنسيق الى الوحدة 1945 ـــ 2001) الصادر توا في موسكو بالعربية.
من تأليف رئيس بعثة الجامعة في موسكو الدبلوماسي العُماني الدكتور سعيد بن محمد البرعمي. وتأتي أهمية الكتاب الذي اعتمد على رسالة دكتوراة كان المؤلف قد دافع عنها، من ان كاتبه من داخل منظومة جامعة الدول العربية، ولم يطلع عن كثب على عملها وآلية اتخاذ القرار والصعوبات التي تواجهها ، وإنما تمثل تاريخها الطويل الذي بلغ اليوم ستين عاما واعتمد في بحثه على مختلف المصادر العربية والأجنبية مما عزز الجانب الموضوعي في البحث. وينظر المؤلف الى الجامعة كمنظمة إقليمية ذات خصوصية من زاوية ما تمكنت ان تحققه من انجازات كان لها تأثير على المسيرة العربية، ويبذل محاولة جادة من اجل العثور والكشف عن الصعوبات والأسباب والتحديات التي تقف امامها من اجل بلوغ اهدافها التي نص عليها ميثاقها. وبالتالي فإن أي تقييم لجامعة الدول العربية وأدائها وتاريخها، لا يمكن ان ينطلق من موقف تجريدي أو يعتمد على اللحظة التاريخية أو فصل الجامعة عن محيطها الواقعي فالجامعة انعكاس لمجموعة الدول المنضوية فيها الواقع العربي القائم.
ويتألف الكتاب من ثلاثة أبواب يأخذنا الاول في جولة عن المقدمات التاريخية لنشوء جامعة الدول العربية ويركز على واحد من أكثر الموضوعات جدلية التي تتمثل بالدولة القطرية ومسألة الوحدة العربية وما حولها من افكار وطروحات. ومن ثم ينتقل الى جامعة الدول العربية كمشروع قومي له طموحات واسعة وللامكانات التي توفرت من أجل تحقيقه. وفي الباب الثاني ننتقل الى المراحل الاساسية في تاريخ نشاط جامعة الدول العربية، حيث يرصد الدكتور البرعمي سمات المراحل التي مرت بها وبلغت ذروته في مرحلة التشتت وخروج مصر من عضوية الجامعة ومن ثم ينتقل الى مرحلة الانقسام في النظام العربي الرسمي . ويكرس الباب الثالث لآلية عمل جامعة الدول العربية وافاق تطويرها فمسيرة عمل الجامعة خلال العقود الستة تكشف عما فيها من احداث حافلة بالتحديات العديدة التي رافقها النجاح احيانا والاخفاق في حالات اخرى ويرى بأنه وبغض النظر عن الخلافات التي أثرت ولا تزال تؤثر بصورة قوية على تفعيل دور الجامعة بالطريقة التي تستجيب للمهمات التي انشئت من اجلها وتحقيق غايتها العليا الا ان أحدا في العالم العربي لم تساوره الشكوك للابقاء عليها بوصفها ضرورة سياسية وتنظيمية قادرة على بلوغ الحد الأدنى من التكافل بين دولها ومقدمة قابلة للتفعيل والتطوير في ظروف لاحقة.
ويقول في حال النظر الى الجامعة من المنظور القومي فإنها دون المستوى المطلوب وذلك بسبب قيامها على اساس التجزئة. وهو السبب الذي يمكنه ان يسلط الضوء على طبيعة فعلها وعدم تكاملها التنظيمي والسياسي الذي يجعلها مؤسسة التكامل العربي والوحدة ويجمل العوامل التي أضعفت العمل العربي المشترك وما زالت تؤثر في اضعاف فاعليته الجدية التي من بينها اتسام النظام العربي منذ البدء بالتجزئة المناطقية والمحاور والتكتلات السياسية والإقليمية وعدم تكييف العلاقة بين الطابع القطري للدولة والطابع العربي العام للجامعة وغياب التمثيل الشعبي والمشاركة الشعبية في أجهزة الجامعة ومؤسساتها والذي يعبر بدوره عن طبيعة السلطة في الدول العربية المعاصرة، اضافة الى سيادة قاعدة الاجماع بالنسبة لتنفيذ القرارات من جهة وانعدام الإلزام فيما يتعلق بتنفيذ القرارات، وعدم استكمال جهاز فض النزاعات التي تنشأ بين الدول الاعضاء.
ويخلص الى ان هذه العوامل أدت الى انهاك قدرة الدول العربية ومؤسستها المركزية الجامعة على إدارة الأزمات الممكنة الحدوث. وتحول نموذج تجاهل المشاكل الاسلوب الاكثر انتشارا في التعامل مع الازمات أو تركها حتى تصل ذروتها.
ويرى ان مفارقة النظام العربي تقوم في وضوح التناقض الحاد بين امكانيات العالم العربي الفعلية في حالة أخذه بمجموعه وبين الواقع واستعماله العقلاني. ويقول ان كل ذلك يضع امام البحث العلمي والسياسي والدبلوماسي مهمة البحث عن صيغة أفضل للنظام العربي تنطلق من واقعه الراهن، وبالتالي دفع مهمة صياغة رؤية استراتيجية بعيدة المدى تتعلق بآفاق الدولة القطرية والعالم العربي بما يخدم تكاملها الفعلي في مختلف الميادين أو ان تكون مجرد كيانات قابلة للتأثر بالاحداث العالمية وقواها الرئيسية.
ويؤكد الدكتور البرعمي في بحثه على ان جامعة الدول العربية لا تزال تحافظ على الحد الادنى من التضامن العربي وهي برأيه مكونات كانت ولا تزال تشكل بالنسبة لمختلف القوى العربية قواسم مشتركة من حيث المبدأ وحرص الدول العربية على استمرار الجامعة وقيامها بالوظائف التي حددها الميثاق لتوجيه العمل العربي المشترك وتنمية وتطوير العلاقات فيما بينها. ويضيف ان النظر الى طبيعة التحولات الحالية والمرتقبة في بداية القرن الواحد والعشرين وافاق تطورها يدفع بالضرورة السؤال حول مدى قدرة جامعة الدول العربية استنادا الى تاريخها وتجاربها السابقة بوصفها منظمة إقليمية على التعامل معها. أي ما هي الكيفية التي يمكن للجامعة ان تقود بها استراتيجية العمل العربي الموحد في المرحلة اللاحقة. ويضع المؤلف العديد من الافكار من اجل ان تواصل جامعة الدول العربية مسيرتها في ظل الظروف والمتغيرات الدولية والاقليمية. وفيما يخص مستقبل جامعة الدول العربية ويشير الكاتب إلى ان العولمة المعاصرة تؤدي إلى تغييرات نوعية تمس مختلف مجالات الحياة بما في ذلك بنية الدولة ومفهوم السيادة الوطنية والفكرة القومية والاصالة الثقافية والحضارية والقيم والأخلاق، أي أنها تتناول وتمس مختلف جوانب الوجود الإنساني.
ويرى الكاتب ان كل ذلك يجعل من مهمة التكامل والتوحيد العربي على أسس علمية وواقعية ضرورية بكافة المعايير ومهمة الدول والمجتمعات على حد سواء مشيرا إلى ان شأن كل مشروع من هذا القبيل ينبغي ان يستند إلى خطوات عملية لها الأولوية في العمل الحكومي والشعبي.














التعليقات